فمن ناحية الاشتقاق قرر اللغويين أن اللغات لا تشتق الواحدة منها من الأخرى، فلا يشتق العربي من العجمي ولا العكس، وإنما يشتق في اللغة الواحدة بعضها من بعض، وإذا وافق لفظ أعجمي لفظا عربيا في حروفه، فلا يدل ذلك على أن أحدهما مأخوذ من الآخر (^١).
وعليه فالقول باشتقاق كلمة سنة من «مشناة» أو «مسناة» العبرية، مردود على زاعمه، ولو قيل إنها مأخوذة بالنقل لا بالاشتقاق، فإن ذلك يرده أيضًا وجود أصل الكلمة ومشتقاتها المجردة والمزيدة في لغة العرب، واستعمالهم لها بمعان حقيقية ومجازية، متعارفة في حياتهم وبيئتهم الخالصة، من قبل الإسلام ومن بعده، وموافقة للمعنى الاصطلاحي لها في عموم الشريعة ومتسعة لما أطلقها عليه كافة علماء الإسلام على مختلف تخصصاتهم ومطالبهم من السنة، وقد بين ذلك بالدقة والتفصيل علماء اللغة وفقهاؤها، واستوعب جمال الدين ابن منظور في كتابه الجامع «لسان العرب» ما جاء عن جمهور المتقدمين والمتأخرين من أهل اللغة وأئمتها، في بيان أصل الكلمة ومشتقاتها واستعمالات العرب لها في
_________________
(١) «العلم الخفاق من علم الاشتقاق» للسيد محمد صديق حسن خان ص ١٩ - ٤٦ - ٤٧.
[ ١ / ٢٤ ]
جاهليتهم وإسلامهم، مستشهدًا في ذلك بشعرهم الذي هو سجل حياتهم، ونثرهم، ثم بالقرآن الكريم المنزل من عند الله ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٌّ مُبِينٍ﴾ وبنفس السُّنة النبوية التي صدرت عن أفصح العرب ﷺ (^١).
ونقل عن الزجاج بيان ورود كلمة السُّنة وما تصرف منها في حديث الرسول ﷺ بما يوافق أصل الاستعمال اللغوي لها. وهذا من أظهر الأدلة على أن عنونة السُّنة بهذا الاسم نابع من داخلها، وصادر عن الرسول ﷺ نفسه تعبيرًا عن واقعها، ومكوناتها، وليس دخيلا عليها ولا مستحدث الوضع من بعده، ولا مستجلبا كما هو مزعوم.
قال الزجاج: «وقد تكرر في الحديث ذكر السُّنة وما تصرف منها، والأصل فيه الطريقة والسيرة، ويجوز أن يكون من سنَنْتُ الإبل إذا أحسنت رعيها والقيام عليها»، ثم ساق عدة أحاديث، وبين رجوع معناها لهذا الأصل اللغوي، وهو الطريقة والسيرة وإحسان الرعاية والتوجيه ومن ذلك قوله: «وفي الحديث» «إنما أُنسى لِأَسُنَّ» (^٢). أي إنما أُدفع إلى النسيان، لأسوق الناس بالهداية إلى الطريق المستقيم، وأبين لهم ما يحتاجون أن يفعلوا إذا عرض لهم النسيان (^٣).
ويطول بنا تتبع ما ذكره صاحب (اللسان) فنجتزئ منه بنقله عن ابن
_________________
(١) انظر «لسان العرب» مادة «سنن» جـ ١٧ ص ٨٤ - ٩٤.
(٢) أخرج الإمام مالك في موطئه أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: «إني لأنسى أو أُنسَى لِأَسن»، قال ابن عبد البر: «ولا أعلم هذا الحديث مسندًا ولا مقطوعا من غير هذا الوجه»، ولكن معناه صحيح في الأصول. «الموطأ»، ص ٨٣.
(٣) «لسان العرب»، جـ ١٧ ص ٨٩.
[ ١ / ٢٥ ]
الأعرابي، أن «السن» مصدر والفعل منه «سَنَّ» والاسم «سُنَّةٌ» و«سُنَن» وعليه يقال: من الحديد سنا وسن للقوم سنة وسُننا» وفي «المحكم» لابن سيده: «سن الشئ يسنه فهو مسنون» (^١).
وبذلك يظهر لك عربية الكلمة بتصاريفها المختلفة، أما استعمالاتها، فيرجع معظم ما أفاض في ذكره فيها إلى إطلاق كلمة «السنة» على صورة أو حالة معينة، حسية أو معنوية، سواء كانت حسنة أو سيئة، ولذلك تُستعمل في الشئ ونقيضه، كما في الحديث: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة» الحديث (^٢).
ومن استعمالها في السيرة السيئة قول الشاعر العربي خالد بن عتبة الهذلي:
لا تجزعن من سيرة أنت سرتها … فأول راض سنة من يسيرها (^٣).
إلا أن أكثر استعمالها فيما هو حسن، ولذلك إذا استعملت مجردة عن الوصف، تنصرف لذلك، فإذا أريد ما هو سي قيدت به (^٤)، وعندما نستعرض ما أُطلقت عليه «السنة» في اصطلاح علمائها وغيرهم من المختصين في جوانب الشريعة على تنوع مقاصدهم، من أصوليين وفقهاء ووعاظ، نجده لا يجاوز
_________________
(١) «لسان العرب» جـ ١٧ ص ٨٧.
(٢) «لسان العرب» جـ ١٧ ص ٨٩. والحديث في «صحيح مسلم» بلفظ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»، (ج ٢ ص ٧٠٥) وأخرجه ابن ماجه بنحوه باب من سن سنة حسنة أو سيئة جـ ١ ص ٧٤.
(٣) «اللسان» جـ ١٧ ص ٨٩.
(٤) «أعلام المحدثين» لشيخنا الفاضل الدكتور محمد أبو شهبة ص ٦ و«أصول الفقه»، لشيخنا الفاضل الدكتور طه الدسوقي ص ٩٩ رحمهما الله.
[ ١ / ٢٦ ]
الاستعمال اللغوي للكلمة فيما هو حسن ماديا أو معنويا، فإليك تعريفها في اصطلاح كل وتوضيح مشتملاتها، ثم بيان مطابقة ذلك لمدلولاتها اللغوية.