فلما كانت سنة ٧٥٨ هـ، رحل العراقي ثانيًا إلى دمشق، وقد ذكر تلك الرحلة «ابن فهد»، دون إعطاء تفصيلات عنها (^٣). ونحن نلاحظ أنها تأتي بعد وفاة غير واحد ممن أخذ عنهم العراقي في رحلته الأولى، وخاصة شيخه الكبير تقي الدين السبكي، وقد تولى منصبه بالشام ولده تاج الدين.
_________________
(١) «الدرر الكامنة» جـ ٥/ ١٩٥ و«ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٦٣ هـ.
(٢) «المجمع المؤسس» / ١٩٠.
(٣) «لحظ الألحاظ» / ٢٢٣.
[ ١ / ٣٦٠ ]
عبد الوهاب ابن السبكي، حتى توفي بظاهر دمشق في ٧ ذي الحجة سنة ٧٧١ هـ (^١).
ويظهر أن صلة العراقي بوالد الشيخ تاج الدين، قد انتقلت إليه، حتى أشار في «طبقاته الكبرى» إلى العراقي بعبارة «بعض أصحابنا»، والعراقي ما زال حيًا، وذكر تخريجه لـ «إحياء علوم الدين» بما يدل على معرفته بمضمونه (^٢).
وهذا يشير إلى التقاء العراقي به في تلك الرحلة وما تلاها، وإلى اصطحابه تخريج الإحياء في غير رحلته الأولى، حتى اطلع ابن السبكي عليه، لكن لم أجد للعراقي رواية عنه، مع أنه ذكر بعض مروياته العالية، وحدد زمن تلقيه لها بالرحلة الثانية، فقال في الحديث (٢٤) من عشارياته: «أخبرني به الشيخ الصالح يوسف بن عثمان بن محمد الأعزازي الأصل، الطرابلسي، بقراءتي عليه (بتاران) - قرية من قرى طرابلس - في الرحلة الثانية» (^٣).
وقد أشار ابن حجر إلى علو سند الأعزازي هذا، ثم قال عنه: «سكن (بارين)، قرية من قرى حماة، وسمع منه بها شيخنا العراقي وحدثنا عنه» (^٤).
ومن هذا وذاك نفهم أن العراقي لم يقتصر في تلك الرحلة على الأخذ من علماء دمشق على كثرتهم، بل بحث عن ذوي السند العالي من الثقات في
_________________
(١) «طبقات الشافعية الكبرى» لابن السبكي الطبعة الأخيرة، بتحقيق الأخوين الفاضلين: عبد الفتاح الحلو، ومحمود الطناحي ٦/ ٢٤٩.
(٢) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٧١ هـ.
(٣) «والأربعين العشارية الإسناد» / حديث (٢٤).
(٤) «الدرر الكامنة» ج ٥/ ٢٤٠.
[ ١ / ٣٦١ ]
غيرها، ورحل إليهم، وتتبع بعضهم في أكثر من بلد، مثل الأعزازي هذا، طلبًا للمزيد من علوم السنة ومروياتها المتميزة، باذلًا في ذلك الجهد ومستطيبًا في سبيل السنة تحمل المشاق، دون أن يكلفه بذلك أحد أو يكافئه. وبعد أن طوف العراقي بما أراد من مواطن علماء الرواية والدراية بمدن الشام وقراها، وتزود بما أتيح له منهم، قفل راجعًا إلى القاهرة.