كما تمتع العراقي بجمال الصورة وسلامة الجسم والحواس، تمتع أيضًا بالقوى والمواهب العقلية النادرة، فانطبق عليه القول: بأن العقل السليم في الجسم السليم.
وقد أدرك ذلك أوائل شيوخه وأبرزهم، وسجلوا إعجابهم وتقديرهم، قبل أن يسجل ذلك تلاميذه، ولا شك أنهم جميعًا ألصق من تعامل معه فكريًا من بدء حياته إلى نهايتها، بحيث يعد حكمهم أصدق مقياس لعقلية العراقي وقواه الذهنية، وخير توثيق له.
فقد قال شيخه عبد العزيز بن جماعة عند توجيهه للتخصص في علوم السنة: «أنت متوقد الذهن (^٢)، أو أراك متوقد الذهن، جيد القريحة فاصرف نفسك للحديث» (^٣).
أما شيخه في الفقه والأصول عبد الرحيم الإسنوي فكان يصغى لمباحثه في الأصول ويقول: «إن ذهنه صحيح لا يقبل الخطأ،
_________________
(١) و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ٢٤٦ ووالمحدث الفاصل، للرامهرمزي ص ٥٨٨.
(٢) ولحظ الألحاظ، لابن فهد ص ٢٢٢ و(الضوء اللامع، للسخاوي جـ ٤/ ١٧٢.
(٣) ومقدمتي شرحي المناوي الألفية العراقي في السيرة).
[ ١ / ١٩٢ ]
ويثني على فهمه ويمدحه» (^١)
ووصفه شيخه في الحديث: تقي الدين السبكي، بالفهم (^٢). وشيخه العلائي بالفهم والحفظ (^٣).
أما تلاميذه، فمنهم ابن حجر العسقلاني المعروف بنقد شيوخه، وقد قال عن شيخه العراقي: وكان مع ذكائه سريع الحفظ جدا.
ومما مَثَّلَ به لحفظه في بداية حياته العلمية ما ذكره له شيخه العراقي عن نفسه أنه حفظ من كتاب الإلمام (٤٠٠) سطر في يوم واحد (^٤).
ومما مثل به لحفظه في أواخر حياته قوله عن أماليه: (وكان الشيخ يمليها من حفظه متقنة محررة مهذبة) (^٥).
وهذا يدل على تمتعه بذاكرة جيدة، خالية من الاختلاط والغفلة، خلال حياته العلمية حتى أواخرها، ولم يكتف ابن حجر بوصف شيخه بالذكاء العادي. بل قال: «وكان مفرط الذكاء» (^٦).
وقال سبط ابن العجمي تلميذ العراقي أيضًا: (إنه كان ذهنه في غاية الصحة) (^٧).
_________________
(١) (لحظ الألحاظ) و«الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٢.
(٢) «لحظ الألحاظ»، ص ٢٢٣.
(٣) المصدر السابق ص ٢٢٥.
(٤) (المجمع المؤسس) ص ١٧٦ و«الإلمام كتاب في حديث الأحكام»، لابن دقيق العيد وسيأتي التعريف به.
(٥) المصدر السابق ص ١٧٨.
(٦) «ذيل الدرر الكامنة»، ص ٧٠.
(٧) «الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٦.
[ ١ / ١٩٣ ]
ثم قال ابن حجر في رثائه له:
وذهن كاشتعال النار لكن … أمنا مع نداه من احتراق (^١)
ويتضح لنا أهمية ذلك حين نعلم أنه أثبت لغير واحد من شيوخه ضد ما تقدم، وخاصة في كتابه «الجمع المؤسس».
وقال تلميذ العراقي أيضا ابن فهد: «وكان له ذكاء مفرط وسرعة حافظة» (^٢) كما سيأتي عن غير واحد من شيوخه وتلاميذه تلقيبه بحافظ عصره عموما، ويتجاوز الأمر الشيوخ والتلاميذ على تنوع اختصاصهم وسعة آفاقهم، فيقول الإمام المناوي: «وكان مفرط الذكاء جدا، بحيث يضرب به المثل في ذلك» (^٣).
ومن مجموع ذلك يتضح لنا: أن الله تعالى قد وهبه عقلية واستعدادات متكاملة، قوامها حدة الذكاء، وجودة القريحة، وصحة الذهن، وقوة الذاكرة والفهم، وهذا من السمات الدالة على تكامل شخصية العراقي، كما يقرر علماء النفس (^٤)، ومن عناصر توثيقه باعتباره حافظا للسنة وراويا لها كما يقرر علماؤها (^٥)، وبواسطة تلك المواهب والقوى أتيح له بناء نفسه بناء سليما، ووصوله لمكان الريادة في رسالته العلمية، وخاصة حفظ السنة ونشر علومها، حتى حازت كفاءته إعجاب أساتذته وطلابه معا ثم من تلاهم.
_________________
(١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة عبد الرحيم العراقي).
(٢) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٦.
(٣) «مقدمتي شرحي المناوي الألفية العراقي في السيرة».
(٤) «شخصيتك في الميزان» للدكتور عبد الكريم دهينة ص ٧٤.
(٥) انظر: «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/¬٢، ٣، ٣٣ - ٣٥ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٢٧٦، ٢٦٨.
[ ١ / ١٩٤ ]
وباستعراض ما تقدم عن شيوخ العراقي وتلاميذه وغيرهم لا نجد مبالغة في وصف نبوغه أفضل من قول شيخه الإسنوي: «إن ذهنه صحيح لا يقبل الخطأ» فحمل ذلك على الحقيقة في رأيي غير ممكن؛ بدليل أن العراقي نفسه أثبت أنه قبل ما قرره بعض العلماء وأثبته في تأليفه ثم تبين له خطؤه، فأثبت في تأليف آخر رجوعه عنه (^١).
ونبهه أيضًا تلميذه ابن حجر لبعض الأخطاء التي أوردها في تأليف له، فقرر أنه تبع فيها غيره، ثم أصلحها، وأثبت ولده أيضًا بعض الأوهام له كما سيأتي. على أن ذلك لا يقدح في توثيقه المتقدم وعبقريته العلمية المتفق عليها؛ لأنها أوهام يسيرة لا يبرأ منها غير من عصمه الله، فلا تمثل طعنًا بالنسبة له بدليل أن من أثبت بعضها كولده وكتلميذه ابن حجر، اعتمد كل منهما على آرائه ومؤلفاته الواردة فيها تلك الأوهام في بحوثهما ومؤلفاتهما، خاصة في مواطن الاستدلال والترجيح كما ستأتي أمثلة ذلك، كما أنهما أيضًا أثبتا له صفات التوثيق المتقدم نقلها عنهما.
ولعلي بهذا قد أثبت ما للعراقي وما عليه في هذا الصدد منعًا للمبالغة في توثيقه، ودفعًا لمظنة تجريحه بالوهم أو الغفلة.