ولعل هذا ما جعل الكرماني المتوفى سنة ٧٩٥ هـ أو ٧٩٦ هـ يُقدم في أول شرحه للبخاري تعريفا من جانبه لعلم الحديث، ينصب أساسا على شرح الأحاديث واستنباط أحكامها، فقال: «هو علم يعرف به أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله وأحواله» (^١) ولكننا وجدنا ممن أقر التعريف السابق، من أسرع لانتقاد الكرماني، فقال البقاعي: «كأن مراده بالعلم نفس الاطلاع على الحديث فقط، ولم يُقيّد المعرفة بحيثية النقد، فدخل في تعريفه الاستنباط» (^٢). وقال السيوطي: «وهذا التعريف مع شموله لعلم الاستنباط غير محرر» (^٣).
والذي يظهر لي أن الكرماني قصد بالتعريف نفس ما أرادا استبعاده، وهو علم الاستنباط أو فقه الحديث ومعناه، وكأنه تعريف مستقل من جانبه لعلم الاستنباط الذي هو قوام موضوع كتابه في شرح البخاري، ويظهر أنه ألجأه لذكر هذا التعريف، عدم وجوده التعريف المتقدم لعلم الرواية شاملا لموضوع كتابه، ويؤيد هذا قوله: «إن موضوع هذا العلم ذات رسول الله ﷺ من حيث إنه رسول الله» (^٤) فإن ذلك هو مناط التشريع والقدوة، بما يتضح من شرح ما تضمنه البخاري من السنن.
ومن هنا، فإني أرى الكرماني على صواب في ذكر هذا التعريف المتضمن لموضوع كتابه وما شابهه من شروح كتب السنة، وبدلا من انتقاده، يمكننا
_________________
(١) «تدريب الراوي» للسيوطي ص ٤.
(٢) «النكت الوفية» ورقة ٥ ب.
(٣) «تدريب الراوي» ص ٥.
(٤) المرجع السابق نفس الصفحة.
[ ١ / ٧٥ ]
اعتبار تعريفه فقرة أخرى مكملة لتعريف علم الرواية، كما أضاف له الأنصاري وغيره ما يجعله شاملًا لصفات الرسول ﷺ ولأقوال الصحابة والتابعين وتقريراتهم (^١)، بل لقد عرف بعض المتأخرين عن الكرماني علم الحديث رواية بأنه: هو العلم بأقوال الرسول ﷺ وأفعاله وتقريراته وهيئته وشكله، مع أسانيدها، وتمييز صحاحها وحسانها وضعافها عن خلافها، متنا وإسنادا.
وهذا أشمل وأكثر توضيحا ومطابقة لواقع كتب الرواية وشروحها من تعريف الكرماني، وإن لم يذكر ما يتعلق بالصحابة والتابعين.