هو موجه العراقي للاختصاص بالسنة، وملقبه بالمحدث والحافظ (^٢)، وهو الإمام الحافظ قاضي القضاة، عز الدين عبد العزيز بن محمد بن سعد الله بن جماعة، ولد بدمشق في ١٩ من المحرم سنة ٦٩٤ هـ، ونشأ نشأة حديثية نموذجية، بعناية والده المحدث، وقاضي القضاة أيضا، فقد أحضره في طفولته بدمشق كالمعتاد، على ذوي الإسناد العالي فيها، كأبي حفص عمر بن القواس وغيره.
ثم انتقل به إلى مصر، فأسمعه من عيون محدثيها: كالحافظ عبد المؤمن الدمياطي وغيره، ثم بدأ هو يطلب بنفسه وهو في السادسة عشرة من عمره تقريبا، أي في أقل من سن العراقي حين طلب بنفسه، بعام واحد، وقد أكثر السماع والقراءة والرحلة داخل مصر وخارجها، واستجاز الشيوخ، حتى بلغ شيوخه بالسماع والإجازة أزيد من (١٣٠٠) شيخ، وتبادل السماع مع
_________________
(١) ولحظ الألحاظ» / ١٢٦.
(٢) اعتمدت في التعريف به وبيان أثره في العراقي على نقول وروايات العراقي في مؤلفاته عنه وعلى هـ «ذيل ولي الدين بن العراقي» وفيات سنة ٧٦٧ هـ وهـ «ذيل تذكرة الحفاظ» للحسيني/ ٤١، ٤٢ للسيوطي/ ٣٦٣ وو«طبقات الشافعية» للأسنوي/ ٦١ (مخطوط) و«الدرر الكامنة» جـ ٢/ ٤٨٩ - ٤٩١، وأنبه هنا إلى أن للعراقي شيئًا آخر يعرف بابن جماعة وهو برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة المتوفى سنة ٧٦٤ هـ وهو ابن أخي والد عز الدين الذي نُعرّف به، انظر (ذيل وفيات الأعيان) للعراقي ورقة ١٠ أ و(ذيل ولي الدين، وفيات سنة ٧٦٤ هـ و(المجمع المؤسس) ص ١٨٥
[ ١ / ٣٢٥ ]
الذهبي، فسمع كل منهما من الآخر، وقال ولي الدين ابن العراقي: وتفرد فيما أعلم بإجازته من البوصيري صاحب البردة من القاهرة، وبالإجازة من بغداد، وبالإجازة من المغرب من العلامة أبو جعفر بن الزبير، فكان آخر من حدث عنه بالديار المصرية، ثم إنه تلقى الفقه والأصول والعربية بمصر على شيوخها.
وقد تولى منصب قاضي قضاة الشافعية بمصر في جمادى الآخرة سنة ٧٣٨ هـ، وهو أنموذج للعلماء الذين كانت تسعى إليهم المناصب، وتعظمهم الملوك والدول، لعفتهم ونزاهتهم، ولهذا تعدد استعفاؤه من المنصب، ثم عودته برجاء الحكام له، وآخر مرة استعفي فيها سنة ٧٦٦ هـ، وغادر مصر للحج، فتوفي ودفن بمكة المكرمة في ١١ جمادى الآخرة سنة ٧٦٧ هـ، ويهمنا من نشاطه العلمي الكبير: أنه اشتغل بتدريس الفقه والحديث بدار الحديث الكاملية بالقاهرة، وبغيرها من المدارس والمساجد، وذلك ابتداء من سنة ٧١٤ هـ إلى سفره للحج سنة ٧٦٦ هـ كما أشرت، وهذا مما يؤكد القول بالتقائه بالعراقي وتوجيهه للسنة سنة ٧٤٢ هـ لا سنة ٧٥٢ هـ كما يرى ابن حجر ومن تبعه، خاصة وأن نشاط ابن جماعة كان مركزًا في علم الحديث، حتى عُد مُحدث الديار المصرية في وقته، وعند توليه منصب قاضي القضاة كان يُلقي أعباء المنصب على نائبه، ويقبل هو على الاشتغال بالحديث والعبادة والمجاورة بالحرمين.
ومن مؤلفاته في السنة (تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير) في الفقه الشافعي، وتركه مسودة لم يبيضه، كما ألف كتابًا فيما يروي من الشعر بسنده، على حروف أسماء الشعراء، ويقع في مجلدات، وهو أنموذج لتأثير:
[ ١ / ٣٢٦ ]
منهج المحدثين في العلوم الأخرى كما أشرنا من قبل، وله مؤلفات أخرى.
وتأثيره في العراقي يرجع إلى أنه أول من وجهه للتخصص بالسنة، ورشحه لذلك ترشيحا تربويا، ويدعي التربيون الآن أنه ابتكار أوربي، حيث بين له تناسب مواهبه واستعداده الطبيعي لدراسة السنة، فشجعه ذلك على الإقبال على التحصيل بهمة وشغف، حتى صار حافظ عصره في حياة شيخه ابن جماعة وغيره، وصار ابن جماعة يمثل في حياة العراقي وشخصيته العلمية نقطة التحول، وعامل الانطلاق نحو السنة، وحمل لوائها، ولولا أن الله قيضه له لظل مشتغلا بعلم القراءات ولم يتحوّل عنه إلى علم السنة، فكان له حقا فضل المشورة والترشيح والتوجيه.
ثم امتد تأثيره إلى الإسهام الفعلي في التنفيذ، حيث بين للعراقي المنهج الصحيح للطلب كما تقدم، ثم مارس الرواية له، وتدريس علوم السنة، وظل يتابع نشاطه ويعني به، منذ أن وضع قدمه على الطريق الصحيح لتحصيل الرواية والدراية.
فقد تلقى عنه العراقي كثيرًا من مروياته، خاصة وأنه لما لاحظ أن شيخه يتمتع بكثرة المرويات والشيوخ كما أشرنا، خرج له معجما بمروياته عنهم بالسماع والإجازة، كما سنذكره في مؤلفاته، وقد كتب منه (٩) أجزاء حديثية، وحدث ابن جماعة فعلا بثلاثة أجزاء منها، ومقتضى ذلك أن يكون العراقي قد اتصل سنده بمحتوى تلك المشيخة من المرويات، سواء بالسماع لما حدث به منها، أو بالإجازة للباقي، كما يُستفاد من بعض مروياته عن ابن جماعة في مؤلفاته الحديثية (^١).
_________________
(١) «محجة القرب» للعراقي/ ٢٤ ب نسخة المؤلف وص ٦، ٤٦، ٥٨، ٧٩، ٨٠ (من نسخة المغرب)
[ ١ / ٣٢٧ ]
وتلقى عنه أيضا ما هو من عواليه أو ما تفرد به عن سواه، فقد روى عنه في كتابه «الأربعين حديثا العشارية الإسناد»، بقراءته عليه بدار الحديث الكاملية بالقاهرة وغيرها (^١)، وقد قدمنا أن تلك العشاريات كانت أعلا ما يُروى بالسند الصحيح المتصل في عصره، وروى عنه أيضا بعض ما علا سنده به من طريقه، عن سنده من طريق غيره من شيوخه (^٢)، وروى عنه من فوائد الخلعي المتوفى سنة ٤٩٢ هـ، وهو أعلا أهل مصر سندًا في عصره (^٣) وروى عنه مما تفرد به «مسند البزار» بإجازة ابن جماعة من أبي جعفر بن الزبير ببلاد المغرب (^٤)، وكان ابن جماعة كما سبق، آخر من حدث عن أبي جعفر هذا بالديار المصرية.
ونقل عنه في بعض مؤلفاته أيضًا شيئًا من فوائده العلمية له (^٥).
ونظرا لتأخر وفاة ابن جماعة عن عامة شيوخ العراقي الذين تلقى عنهم قبل رحلته العلمية الأولى خارج مصر سنة ٧٥٤ هـ، فإن تلمذته له قد استمرت إلى أن تزوج وأنجب ولده ولي الدين أحمد، فأحضره عليه منذ ولادته آخر سنة ٧٦٢ هـ، فصار له حضور وسماع عليه، كما أشار أحمد بنفسه لذلك حيث قال: «حضرت عليه كثيرا بقراءة والدي وغيره، وبعضه سماع»، وهذه العبارة توضح لنا أثر ابن جماعة في هذه المرحلة الأخيرة من حياته في تلميذه العراقي، فهي تفيد كثرة قراءة العراقي وبحثه لكتب السنة عليه.
_________________
(١) «الأربعين حديثا العشارية»، ٦ ب، ١٧ ب.
(٢) «محجة القرب» ٦ ب، ٧ أ.
(٣) «محجة القرب» ٤٦ أ، ١١٨ ب و«الرسالة المستطرفة» / ٦٨.
(٤) «محجة القرب» ٢٩ أ، ب، ١٣٢ ب و١٣٣ أ.
(٥) «التقييد والإيضاح» / ٤٤٣.
[ ١ / ٣٢٨ ]
وتقسيم ولي الدين مقروءات والده إلى حضور وسماع بالنسبة له، يفيد امتداد تلك القراءة خلال السنوات الثلاث من سنة ٧٦٣ هـ عقب ولادة أحمد إلى سنة ٧٦٦ هـ حيث غادر ابن جماعة مصر للمرة الأخيرة كما ذكرنا، مع استثناء فترة رحلة العراقي سنة ٧٦٥ هـ كما سيأتي، ويستفاد من عبارة ولي الدين ابن العراقي أيضًا، حرص والده على الاستفادة من الحافظ ابن جماعة إلى أقصى حد، وتركيز ذلك في آخر حياة الرجل، حيث نضجت ثقافته الحديثية، وعلا إسناده، حتى تفرّد عن عامة المصريين ببعض مروياته التي تلقاها عنه العراقي كما مر، بل إنه روى عنه بعض ما قرأ عليه بمكة (^١)، حيث كان كل منهما كثير الحج والمجاورة بالحرمين، وهذا مما يدل على حرص العراقي على التلقي عنه أينما كان.
ولم يلق ابن جماعة ربه حتى شهد صدق نظرته في تلميذه العراقي قد تحققت، وثمرة توجيهه قد أينعت، حيث أثبت بين يديه كفاءته الفعلية للعلم الذي أحبه ورشحه له أستاذه، وأظهر في التحصيل والإنتاج تفوقه على أقرانه ومعاصريه، فكان ابن جماعة في مقدمة من قرت عينه بذلك، فرفعه من درجة المحدث التي استحقها بتخرجه على ابن التركماني، إلى درجة الحافظ، حيث وصفه بالتحقيق والحفظ (^٢)، والأخير وصف اصطلاحي إذا وصف به أحد الحفاظ المعتمدين تلميذا له صار شهادة منه ببلوغه درجة الحافظ (^٣).
على أن ابن جماعة لم يقتصر على ذلك، بل قال عن العراقي في صراحة:
_________________
(١) المجلس ٨٦ من (أمالي العراقي الحديثية) / ٧٧ (ضمن مجموعة مخطوطة).
(٢) (المنهل الصافي) ج ٢ ص ٣١٢ ب.
(٣) انظر: «ذيل ولي الدين بن العراقي» وفيات سنة ٧٧٤ هـ (ترجمة ابن رافع).
[ ١ / ٣٢٩ ]
«كل من يدعي الحديث بالديار المصرية سواه فهو مدع ومدفوع» (^١).
ومهما كان في هذه القضية الكلية من مبالغة، فإن قائلها لم ينفرد بها كما سيأتي بعد، بالإضافة إلى أنه كان أقرب إلى العراقي، وأخبر به منا، وقد قال ذلك عن دراية شاملة بمواهب العراقي، وبكفاءته العلمية التي لمسها من تلمذته الطويلة له، ومن تعامله العلمي معه، حيث يذكر ابن فهد: «أن ابن جماعة كان يراجع العراقي فيما يهمه ويشكل عليه من مسائل الحديث، وأن مصنفه في تخريج أحاديث الرافعي مشحون في حواشيه بخطه: يسأل من الشيخ عبد الرحيم عنه».
وبموجب تلك الشهادة من ابن جماعة أصبح العراقي كما قدمنا معترفا له بلقبي «مُحدِّث مصر» و«الحافظ» ومع هذا فقد ظل العراقي تلميذا وفيا لأستاذه وموجهه الأول، فهو يلقبه عند الرواية عنه بالإمام، وبالحافظ (^٢)، تقديرا لمكانته في الفقه والحديث، كما أنه حفظ له أسانيده بمروياته الكثيرة، وساعد على نشرها في معجم شيوخه الذي ألفه له، وحدث ببعضه كما ذكرنا.
وقد توطدت علاقة العراقي بابن جماعة حتى انعكست آثارها على ولي الدين ابن العراقي، حيث يقول عن ابن جماعة: «وكان كثير الاعتناء بي والإحسان إلي، وإظهار المحبة».
وقد كان ولي الدين إذ ذاك طفلا في الثالثة من عمره، فكانت معاملة الشيخ له على هذا النحو موجهة لوالده في صورته.
_________________
(١) «لحظ الألحاظ» / ٢٢٧ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٣ و«البدر الطالع» جـ ١/ ٣٥٤.
(٢) و«الأربعين العشارية» ٦ ب و«محجة القرب» ٦ ب، ٧ أ، ٢٩ أ، ب، ٤٦ أ، ١١٨ ب وغيرها.
[ ١ / ٣٣٠ ]