مخرج العراقي في علوم السنة (^١): هو الإمام الحافظ علاء الدين علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى، المارديني الأصل، المصري، المعروف بابن التركماني، الحنفي المذهب، ولد سنة ٦٨٣ هـ، وقد سمع الحديث من الحافظ الدمياطي، وكثيرين غيره، وكتبه وقرأه بنفسه، حتى برز فيه، كما حصل عدة علوم غيره، في مقدمتها الفقه الحنفي، حتى أفتى به، ودرسه بعدة مدارس بالقاهرة، كما درس الحديث أيضًا، وتركز نشاطه التأليفي في الفقه وفي علوم السنة، ومن مؤلفاته فيها: «المنتخب في علوم الحديث»، اختصر فيه مقدمة ابن الصلاح، «والجوهر أو الدر النقي في الرد على البيهقي» يقع في مجلدين، وقد ناقش فيه البيهقي، واعترض عليه فيما أورده في «سننه الكبرى» من الأحاديث والآثار من جهة المتن والسند، نصرة منه للإمام الطحاوي الحنفي (^٢)، وتتبعه للبيهقي بمكانته المعروفة في السنة وفي كتابه «السنن» البالغ (١٠) مجلدات ضخمة، دليل على تمكنه من علل الحديث ومعرفة المتون وفقهها، كما ألف أيضًا «تخريج أحاديث الهداية» وكتاب
_________________
(١) اعتمدت في التعريف به وبيان أثره في العراقي على نقول العراقي عنه في مؤلفاته و«الأعلام» لابن قاضي شهبة جـ ١/ ١١٦ أ، و(الحظ الألحاظ) / ١٢٥، ١٢٦ و«الدرر الكامنة»، ج ٣/ ١٥٦ و(رفع الإصر عن قضاة مصر) قسم/ ٢/ ٤٠١ كلاهما لابن حجر.
(٢) «فتح المغيث» للعراقي هامش/ ٢٦ أ نسخة خطية رقم (٢١٨) مصطلح طلعت
[ ١ / ٣٢٠ ]
«المؤتلف والمختلف» و«الضعفاء والمتروكين».
ولم يتول منصب قاضي قضاة الحنفية بمصر إلا في أواخر حياته، حيث تولاه في شوال سنة ٧٤٨ هـ، ثم توفي في طاعون سنة ٧٤٩ هـ كما ذكر العراقي، وأقره ابن فهد، لكن ابن حجر ذكر أن وفاته كانت بعد ارتفاع الطاعون، في عاشر المحرم سنة ٧٥١ هـ. والتقى معه عليه ابن قاضي شهبة. ويمكن أن يكون العراقي قصد أن وفاته آخر سنة ٧٤٩ هـ، فيصبح الفرق بين القولين عدة أيام من مطلع سنة ٧٥٠ هـ، وعلى أبعد تقدير لوفاته وهو مطلع سنة ٧٥٠ هـ، يكون منصب القضاء لم يشغل من حياته إلا نحو عامين، ولذلك قال مؤرخوه: إنه أفنى عمره في الاشتغال بالعلوم، وتفنن فيها وصنف التصانيف العديدة، وكثر الآخذون عنه، كما ذكروا أنه عند تولي القضاء كان كبير السن، وبالتالي ضعف نشاطه العلمي، وخاصة في التدريس.
وذلك مما يفيد أن تلمذة العراقي له وتخرجه على يديه، كان في فترة متقدمة على زمن إنشغاله بمنصب القضاء سنة ٧٥٢ هـ، وبالتالي يندفع قول ابن حجر وأتباعه: (إن العراقي لم يطلب الحديث على وجهه إلَّا في سنة ٧٥٢ هـ).
أما تأثيره في العراقي، فيرجع إلى أنه يمثل نقطة هامة في تكوين شخصيته الحديثية، وهي نقطة تخرجه في علوم السنة، على يد أحد علمائها، فابن حجر كما قدمنا يقرر: أن العراقي مع شغفه بالسنة واشتغاله المبكر بها، إلا أنه لم يكن له من يخرجه على طريقة أهل الإسناد، وأنه لم يحصل من ابن التركماني إلا بعض سماع، قبل الطلب بنفسه الذي يعتبر هو وأتباعه بدايته الحقيقية سنة ٧٥٢ هـ (^١).
_________________
(١) (المجمع المؤسس) ص ١٧٦ و«الأعلام»، جـ ٤/ ١٢٩ أ و(طبقات الشافعية) =
[ ١ / ٣٢١ ]
بينما يقرر غيرهم، أنه بدأ الطلب بنفسه على الوجه الصحيح سنة ٧٤٢ هـ، وأنه سمع على ابن التركماني (صحيح البخاري)، وأخذ عنه علم الحديث، وانتفع به، وتخرج على يديه (^١)، وهذا يؤيده ما سبق عرضنا له من وقائع وظواهر نشاط العراقي الحديثي خلال تلك الفترة، وبذلك يكون هو الراجح في تقديري.
والعبارة المذكورة عن تلمذة العراقي لابن التركماني، تعطي أبعادًا أربعة لتأثيره في العراقي، وترد أيضًا على دعوى الحافظ ابن حجر وأتباعه
فأولها: أن هذا السماع للبخاري كان سماع بحث ودراسة، بدليل أن العراقي كما بينا، كان يسمعه في نفس الوقت على المسند ابن شاهد الجيش، لتحصيل روايته بسند عال، وبذلك يكون مراعيًا لقواعد الطلب، بعكس ما يدعي الحافظ ابن حجر، كما يكون ابن التركماني قد أفاده دراسة صحيح البخاري متنا وسندا.
وثانيها: أنه أخذ عنه علم الحديث، وإذا أطلق علم الحديث هكذا، فإنه يراد به كما بينا في الباب الأول: «علم المصطلح» أو «أصول الحديث» (^٢)، ومعنى ذلك أن العراقي دَرَسَ هذا العلم بفنونه المتعددة على الحافظ ابن التركماني، وهذا لا يقتضي طلبه للسنة على الوجه المطلوب فحسب؛ بل
_________________
(١) = ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة و«بهجة الناظرين» للغزي/ ١٢٩.
(٢) (لحظ الألحاظ) لابن فهد/ ٢٢٢ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢ و٥ «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و(المنهل الصافي) ج ٢/ ٣١٢ ب.
(٣) انظر أيضًا (فتح المغيث) للعراقي جـ ١/¬٧ و٥ «فتح الباقي لشرح ألفية العراقي» للشيخ زكريا الأنصاري/ ٣ أ (مخطوط بدار الكتب المصرية).
[ ١ / ٣٢٢ ]
يقتضي تعمقه في ذلك وتوسعه، وخاصة إذا لاحظنا بقيَّة أنشطته في نفس الفترة كما سبق بيانها، ويقتضي أيضًا كثرة تردد العراقي على دروس أستاذه، حتى استوفى مباحث هذا العلم وقواعده، وقد كان لابن التركماني عناية خاصة بمباحثه وفنونه، حتى ألف فيه كما أشرنا كتاب «المنتخب»، واختصر فيه مقدمة ابن الصلاح، وقد تحدث العراقي عن هذا الكتاب بما يدل على استيعابه له، واستفادته منه فقال: «واختصر علوم الحديث لابن الصلاح اختصارًا حسنًا مستوفي».
وقال ابن حجر: سمعت شيخنا العراقي يقول: «إنه - أي ابن التركماني في مختصره - أوفى بمقصوده، ولا نعلم أحدًا ساواه في ذلك».
لكن هذا لم يمنعه من نقده في بعض أوهامه فيه كما سنبينه في مؤلفات العراقي (^١).
وكلامه السابق يفيد أنه تلقى الفن عن القمة في عصره.
وثالثها: أنه انتفع به، وهذا يقتضي مواظبته على دروس ابن التركماني الحديثية، وكثرة إفادته له في بقية علوم السنة التي بينا تأليفه فيها، كالرجال والتخريج.
ورابعها: أنه تخرج به، وبذلك ثبت له على يديه تلك النقطة الهامة التي ينفيها ابن حجر تمامًا.
وتَخَرُّجُ الشخص بالعالم، يقتضي طول ملازمته لمجالسه في الرواية والدراية، وإبدائه أمامه من تحصيل المرويات والبحوث والفوائد الحديثية، ما يجعله يقتنع.
_________________
(١) «التقييد والإيضاح»، للعراقي/ ٤١٨.
[ ١ / ٣٢٣ ]
بكثرة مروياته الجيدة، وبصواب رأيه، وحسن فهمه المسائل العلم وفنونه، حتى يشهد له - كتابيًا - بأنه أصبح واحدًا من أهل الحديث، صالحًا للرواية والاستقلال بالبحث في السند والمتن وإفادة الغير، وعليه يكون شأن العراقي مع أستاذه ابن التركماني، قد جرى على هذا النحو، حتى شهد بتخرجه في علوم السنة.
وهذا من أظهر الآثار التي يدين بها الطالب لأستاذه، ويظل إسم مخرجه مقترنا باسمه وتظل منزلته العلمية متأثرة بمكانة مخرجه، باعتباره أول من أعطاه إشارة البدء، وأدخله في عداد أهل الفن، وقرر له الصفة الرسمية لممارسته، وهكذا يُعد الحافظ ابن التركماني بالنسبة للعراقي، خاصة في مواجهة من أنكر وجود مُخرّج له كلية، وقد كان هذا الرجل من أعيان عصره ومصره، وبشهادته للعراقي صار مُحدثًا مُتخرّجا، وليس مجرد طالب، وذلك قبل سنوات من التاريخ الذي حدده ابن حجر البداية طلبه فقط على الوجه المطلوب.
وقد ظهر تأثر العراقي أيضًا بمؤلفات مُخرّجه الحديثية غير كتابه السابق ذكره، فقرر أن من مؤلفاته المفيدة: تخريج «أحاديث الهداية» و«الدر النقي في الرد على البيهقي» السابق بيان قيمته العلمية، وقد نقل العراقي منه - مستدلا - في غير موضع من مؤلفاته (^١).
كما أنه ترجم لشيخه هذا، في ذيله على العبر للذهبي، ترجمة أبدى فيها تقديره، وصرح بأستاذيته له، فقال: «شيخنا الإمام، العلامة، الحافظ،
_________________
(١) (فتح المغيث) للعراقي جـ ١/ ١٠٣ وهـ تكملة شرح الترمذي ١/ ١٨٧.
[ ١ / ٣٢٤ ]
قاضي القضاة علاء الدين … الخ» (^١)