هو الإمام عبد الرحيم بن الحسن بن علي القرشي الأموي، ولد بـ (إسنا) من صعيد مصر في العشر الأخير من ذي الحجة سنة ٧٠٤ هـ ونشأ بها، فقيل له الإسنوي ثم قدم القاهرة سنة ٧٢١ هـ ودرس الفقه على السبكي المتقدم كما درس غيره من العلوم كالأصول واللغة وسمع الحديث وانتصب للإقراء والتدريس والإفادة في الفقه والأصول والحديث وغيرهم من سنة ٧٢٧ هـ إلى قبل وفاته في ١٨ جمادى الأولى سنة ٧٧٢ هـ بيومين فقط، وبذلك صار أكثر علماء الديار المصرية من طلبته، ومنهم سميه الحافظ عبد الرحيم العراقي وتخرج به كثيرون وانتهت إليه رياسة الشافعية في حياته
وقد توفر له مع البراعة العلمية صفات المدرس الناجح وأخلاقه، فكان ناصحًا في التعليم حريصًا على إيصال الفائدة للبليد، فصيح العبارة حلو المحاضرة، وقد يذكر التلميذ المبتدئ عنده الفائدة المطروقة فيصغى إليه كأنه لم يسمعها من قبل، جبرًا لخاطره كما كان حسن الشكل جيد التصنيف
_________________
(١) «المجمع المؤسس» ص ٢١٩ و«بهجة الناظرين»، للغزي ص ٨.
(٢) «مجموع محمد بن طولون»، ورقة ١٨٢ ب (مخطوط بدار الكتب المصرية).
[ ١ / ٢٢٩ ]
ومن مؤلفاته القيمة: كتاب «المهمات في شرح كتابي الرافعي الكبير والروضة في الفقه» ويقع في ٨ مجلدات (^١).
وكتاب «الهداية إلى أوهام الكفاية» في مجلدين متوسطين وقد نقل في هذين الكتابين إجابة العراقي له على بعض ما سأله عنه (^٢).
و«الكوكب الدري في تخريج مسائل الفقه على قواعد النحو»، وهو واضح الدلالة على اعتماد التشريع على اللغة، و«التمهيد في استخراج المسائل الفرعية من القواعد الأصولية» (^٣) وتقع بعض نسخه الخطية في ١٠٦ ورقة.
و«طبقات الشافعية»، طبعت حديثا في مجلدين (^٤) وقد ذكر فيها العراقي وهو حي ولقبه بحافظ العصر (^٥).
وتأثيره في العراقي له شواهد متعددة منها: أنه لازمه طويلا وظلت صلته به قوية حتى ودعه لمثواه الأخير، وتتلمذ له حتى ظهرت مواهبه العلمية بين يديه فأفسح له الإسنوي صدره، وأعطاه الفرصة لعرض مباحثه في علم الأصول عليه مع إصغائه له وتعقيبه عليه بالاستحسان، والثناء على فهمه وصحة ذهنه.
_________________
(١) ومنه نسخة خطية بمكتبة الأزهر في ٣ مجلدات فقط ويوجد منه ٤ مجلدات من نسخة أخرى بدار الكتب المصرية.
(٢) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٣، «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٧.
(٣) في «بهجة الناظرين» ص ١١ و«القواعد العربية» وما ذكرته هو عنوان الكتاب من واقع نسخه الخطية ولعله الصواب حتى لا يتكرر مع كتاب «الكوكب» الذي قبله.
(٤) انظر في ترجمته ومؤلفاته المذكورة «شذرات الذهب» جـ ٦/ ٢٢٣، ٢٢٤ و«بهجة الناظرين» ص ١٣٢ - ١٤٣ و«الدرر الكامنة» جـ ١/ ٤٦٣ - ٤٦٤.
(٥) طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ٢٨٧ (ترجمة أبو الفتح ابن سيد الناس).
[ ١ / ٢٣٠ ]
كما سبق ذكرنا له، ومثل هذه العناية كما تدل على أريحية الأستاذ ونجابة التلميذ، فإنها في نفس الوقت ذات تأثير قوي في تشجيع التلميذ ودفعه إلى الأمام وإعطائه الثقة بنفسه لكي يجد في مواصلة البحث ويدلي بآرائه دون تهيب من مخالفة الغير، طالما كان مستندًا للدليل المعتبر، وبث مثل هذه الروح وتشجيعها أمر له قيمته الكبرى في عصر العراقي الذي كانت الدعوة فيه للتقليد هي الغالبة، ولقد ظهر أثر تشجيعه على ابداء ما يراه صوابا في مواجهة الغير، في عامة نتاجه العلمي حتى بالنسبة لشيخه الإسنوي نفسه كما سنعرض له في محله، وقد بلغ من إعجاب العراقي وتأثره بشيخه الإسنوي أنه ألف له ترجمة مستقلة في كراسة كما ستأتي، وقد أشار فيها لفضله عليه، وأشاد بعلمه وسلوكه حتى اعتبره مجدّد الدين ومذهب الشافعي في عصره، كما عده من الأولياء ذوي الكرامات (^١).
وقد لاحظت توافق كثير من أخلاق العراقي التي قدمناها، مع ما ركز عليه من أخلاق شيخه، مما يوحي بتأثره به في ذلك.
ومن تأثير الإسنوي في العراقي أيضًا ما صرح به من تلقيه عنه أشهر مؤلفاته المتقدمة في الفقه وأصوله حيث قال: وقرأت عليه أيضًا من مصنفاته: «التمهيد» و«الكوكب» وقرأت عليه قطعة صالحة من «المهمات» (^٢).
ثم إنه مدح هذا الكتاب بقوله:
_________________
(١) «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة»، للسيوطي ص ٣٤، ٣٥، و(بهجة الناظرين) ص ١٤٠ - ١٤١.
(٢) (بهجة الناظرين) ص ١٣٥.
[ ١ / ٢٣١ ]
أبدت مهماته إذ ذاك رتبته إن المهمات فيها يعرف الرجل (^١) وهذا دليل خبرته بالكتاب؛ بل أنه ألف كتابا في الاستدراك عليه يُسمّى «المهمات أو التتمات» كما سيأتي، وهو دليل على بحث هذا الكتاب الضخم وهضمه جيدًا، حتى يتسنى له الاستدراك عليه، وسنورد بعض النماذج الدالة على ذلك عند ذكر الكتاب في مؤلفات العراقي كما أنه أورد في ترجمته المتقدم ذكرها عددًا من آرائه الفقهية المتفرقة في مؤلفاته، وهذا يدل على اطلاعه التفصيلي عليها واستفادته بها، ويؤيد ذلك أيضًا ما نجده في مؤلفاته من النقول المعزوة للأسنوي أو لمؤلفاته وإقرارها أو مناقشتها (^٢).
ومن أثره فيه أيضًا: سماعه الحديث منه، حيث قال: «وحضرت أجزاء من مسموعاته» (^٣) وأورد في ترجمته له بعض ما سمعه من شعره (^٤).
وكما أثر الإسنوي في تكوين شخصية العراقي العلمية والخلقية، فإنه أثر في دعم مكانته العلمية ونتاجه العلمي، بعد أن تأكدت له كفاءته، فراح يحث الناس على دراسة العلم على يديه، وعلى كتابة مؤلفاته وتداولها، وقدم نفسه - وهو إمام العصر - دليلا للثقة بتلميذه، وراح يجني ثمار غرسه الطيب فكان يسأله ويدون ما يجيبه به في مؤلفاته الشهيرة كما ذكرنا (^٥) وأثنى في «طبقاته» على «تكملة شرح الترمذي» ولقبه فيها وفي غيرها بحافظ العصر.
_________________
(١) «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة ورقة ٩٢ أ.
(٢) «تكملة شرح الترمذي» للعراقي/ ٧٠ أ (مخطوط بدار الكتب المصرية).
(٣) «بهجة الناظرين» ص ١٣٥.
(٤) المصدر السابق ص ١٣٨، ١٣٩.
(٥) انظر «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٧، ٢٢٨.
[ ١ / ٢٣٢ ]
كما سيأتي، ومثل هذه الأعمال والمواقف لها أثرها الخالد في دعم شخصية العراقي العلمية وتوثيق نتاجه العلمي ونشره.