ما كاد العراقي يلتقط أنفاسه، وينفض غبار رحلته السابقة، حتى رأيناه يعد نفسه، ويحزم أمره من جديد، لمعاودة الرحلة للشام لثالث مرة، وذلك في نفس السنة التالية لرحلته المتقدمة مباشرة وهي ٧٥٩ هـ، وهذا مصداق ما تقدم، أنه مكث مدة لا تخلو له سنة من الرحلة، ولا شك أن ذلك قمة في الاهتمام بطلب السنة، واستفراغ من العراقي لأقصى قدر، من ماله وطاقة شبابه الجسمي والعقلي، في تحصيل علومها، خاصة عندما نقف على بعض تفاصيل تلك الرحلة واتساع دائرتها، حيث يقول ابن فهد: «إن العراقي في هذه النوبة جال في طلب الحديث غالب البلاد التي بها الرواية (^١)»، وقد أسلفنا في حالة العصر أن منطقة الشام حينئذ كانت قد تطهرت عمومًا من الصليبيين، وأخذت تعود إلى مدنها وقراها روح الأمان والعمران والازدهار العلمي، فانتشرت بها مدارس الحديث، وكثر بها المشتغلون بالسنة، ويظهر من تفاصيل جولة العراقي التي أشار إليها ابن فهد، أنها شملت من «غزة» جنوبًا، إلى «حلب» في أقصى شمال الشام، فكانت بذلك أوسع رحلاته
_________________
(١) لحظ الألحاظ ٤/ ٢٢٦.
[ ١ / ٣٦٢ ]
عمومًا، وأدلها على نشاطه وجهده ووفرة تحصيله، ولو أردت تتبع ما وقفت عليه من ذكر شيوخه بكل بلد، وتبيين ما أخذه منهم أو أعطاه، كما فعلت في رحلته الأولى، لطال المقام واتسع، ولهذا فإنني سأكتفي بذكر كل بلد رحل إليها وأحد شيوخه الذين سمع منهم بها، ومن أراد المزيد فليرجع إلى المصادر التي سأحيل عليها بالهامش.
وأبدأ بدمشق لأنها المقصد الأول الذي كان يتجه له العراقي في كل رحلة، لأهميتها المتقدمة، ثم يتحرك منها لغيره، ولعله كان يستدل فيها على من ينبغي الرحلة إليه من شيوخ الجهات الأخرى، ونلاحظ أن العراقي في دمشق أخذ عن بعض من تتلمذ لهم في رحلته الأولى، حيث إن الزمن في كل رحلة لم يكن يتسع لتلقي كل مرويات من يلقاهم، فيأخذ عنهم الأهم، كما تقضي قواعد الرحلة والطلب (^١).
فمن ذلك مثلا ابن قيم الضيائية المتقدم، فقد أثبت العراقي بعض رواياته العالية عنه بصالحية دمشق في الرحلة الثالثة (^٢)، كما وقفت على نسخة خطية لجزء في أحاديث الصفات للدارقطني، وفي نهايته طبقة سماع الجزء على «ابن القيم» المذكور، وذكر الناسخ أن الطبقة كانت مكتوبة بخط الحافظ زين الدين العراقي على أصل النسخة، ثم نقل نصها، وفيه: أن العراقي قرأ الجزء المذكور على ابن القيم، وسمع آخرون، وذلك يوم الخميس ١١ شعبان سنة ٧٥٩ هـ بمصلى «المظفر» بسفح قاسيون (^٣) وقال العراقي في نهاية الطبقة:
_________________
(١) فتح المغيث، للعراقي جـ ٣/ ٨٧.
(٢) ، «قرة العين» / ٥٧.
(٣) وهذا السفح موجود قريبا من صالحية دمشق.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وَأَجَازَ لَنَا المُشَمِّع، أي ابنُ القَيِّم، مَا يَجُوزُ لَهُ رِوَايَتُهُ وَالحَمْدُ للهِ (^١).
وهذه هي صورة الطبقة الوحيدة التي وَقَفْتُ عليها، لإثبات قراءة العراقي على بعض شيوخه بالشام وإجازته منه بعامة مروياته، ولكن المعروف علميًا، والمعتاد في ذلك العصر، أن الطالب كان يحرص على تحصيل مثل هذا الإثبات بما قرأه أو سمعه أو أُجيز به من شيوخه ببلده وغيرها.
ويُستدل من تاريخ قراءة العراقي للجزء المذكور، على زمن ابتداء تلك الرحلة، كما يُستدل من نقل هذه الطبقة عن خط العراقي، على أنه كان يحرص على إثبات قراءته أو سماعه أو إجازته كتابيًا، ويكتب بخطه طبقات السامعين معه، وإجازتهم، وتاريخ ومكان السماع، كما تقضي القواعد بذلك (^٢)، وقد صرح الحافظ ابن حجر بوقوفه على بعض طبقات سماع أخرى بخطه (^٣).
وهناك من الشيوخ من لقيهم العراقي مجددًا بدمشق في تلك الرحلة، مثل أبي الفداء إسماعيل بن علي بن سنجر الذهبي، وأرخ بنفسه وفاته في شعبان سنة ٧٦١ هـ (^٤)، ولم أجد له ذكرًا ضمن من تلقى عنهم في رحلتيه السابقتين، فلعله التقى به في تلك الرحلة الثالثة، وقد قال عنه: «أخبرني بقراءتي عليه لبعض «المستدرك»، وإجازة لباقيه» (^٥)، ويُعتبر هذا من الفوائد الجديدة لتلك
_________________
(١) انظر/ ١١٤ ب من الجزء المذكور، هو مخطوط بدار الكتب المصرية برقم (٢٣٣١٤ ب).
(٢) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٣/¬٤١، ٤٢ و(النكت الوفية بما في شرح الألفية) للبقاعي ٢٩٧/ ب
(٣) (والمجمع المؤسس)، ٣٥/ ٢٢٦،
(٤) (الدرر الكامنة) جـ ١/ ٣٩٦.
(٥) (محجة القرب) ٢/ ١٣٥ أ.
[ ١ / ٣٦٤ ]
الرحلة، حيث لم يذكر تلقيه لمستدرك الحاكم عن غير إسماعيل المذكور، إلا بطريق الإجازة فقط، دون القراءة، ومما قرأه عليه أيضًا «جزء الجعفي»، وهو من الأجزاء الحديثية الهامة (^١).
أما باقي البلاد التي شملتها جولة العراقي فنذكرها على النحو التالي:
١ - غزة، وممن سمع منه فيها: محمد بن سالم بن عبد الناصر المتوفى سنة نيف وخمسين وسبعمائة (^٢).
٢ - الخليل، وسمع فيها من جماعة منهم: خليل بن عيسى القيمري (^٣).
٣ - بيت المقدس، وسمع فيها من كثيرين، أهمهم صلاح الدين العلائي، وتقدم أنه لازمه بها أيضًا في الرحلة الأولى.
٤ - نابلس، وممن سمع منه بها: محمد بن عثمان بن عبد الرحمن بن نعمة (^٤).
٥ - بعلبك، وكان بها حينذاك «دار الحديث المعيدية» زاخرة بالنشاط الحديثي (^٥)، مما أتاح للعراقي وفرة السماع والاستفادة من علمائها، وممن سمع
_________________
(١) «المعجم المفهرس» / ٤١ أ، و(المجمع المؤسس) / ١٨٥ كلاهما لابن حجر.
(٢) والدرر الكامنة (جـ ٤/ ٦٢ و٥ مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) وهـ المنهل الصافي، جـ ٢/ ٣١٢ وو«لحظ الألحاظ» / ٢٢٥.
(٣) ذكره ابن حجر في (الدرر الكامنة) ولم يذكر وفاته (جـ ٢/ ١٧٩) و(مجموع ابن خطيب الناصرية) «ترجمة العراقي) وهـ الضوء اللامع، جـ ٤/ ١٧٢ وهـ لحظ الألحاظ) / ٢٢٥.
(٤) و«مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«لحظ الألحاظ»» / ٢٢٥ و٥ المنهل الصافي، جـ ٢/ ٣١٢.
(٥) «مقدمة المحدث الفاصل»، للرامهرمزي/ ٩١.
[ ١ / ٣٦٥ ]
مِنْهُم: عبد الْقَادِرِ بن علي بن السبع البعلبكي (^١). قال ابن حجر: «سَمِعَ مِنْهُ شَيْخَنَا - يعني العراقي - وأرخ وفاته في ربيع الأول سنة ٧٦١ هـ» (^٢).
٦ - صفد، وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بها المسندة الصالحة الشيخة: ست الفقهاء ابنة أحمد بن محمد العباسي، الأصبهانية (^٣)، وكانت تشارك المزي في التحديث بأجزاء من أمالي الجوهري الحديثية، قال ولي الدين بن العراقي: «سَمِعَ منها والدي والهيثمي بصفد» (^٤). وحدّثه ابن حجر من مسموعات العراقي عليها المجالس ٣، ٤، ٦، ٧، ١١ من أمالي الجوهري المشار إليها (^٥) كما ذكر أن العراقي أرّخ وفاتها بنفسه في شعبان سنة ٧٦٥ هـ (^٦)، ورواية العراقي عنها المجالس المذكورة مجتمعة بسندها، تُعَدُّ من الفوائد الجديدة، لأن روايته لها عن غيرها، موزعة بين شيخين: أحدهما مصري، وهو أبو الحسن العرضي، والثاني شامي، وهو ابن قيم الضيائية المتقدم ذكره، وقد سَمِعَ منه مجالس ٦، ٧ و١١ بسند ثالث (^٧).
٧ - طرابلس الشام، وسَمِعَ فيها من كثيرين، في مقدمتهم قاضيها العلامة
_________________
(١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٢ أ و«لحظ الألحاظ» ٤/ ٢٢٥.
(٢) «الدرر الكامنة» جـ ٣/¬٣.
(٣) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٢ أ و«لحظ الألحاظ» ٤/ ٢٢٥.
(٤) «ذيل ولي الدين»: وفيات سنة ٧٦٥ هـ.
(٥) «المجمع المؤسس» ١/ ١٨٣.
(٦) «الدرر الكامنة» جـ ٢/ ٢٢١، ٢٢٢.
(٧) «المجمع المؤسس» ١/ ١٨٣.
[ ١ / ٣٦٦ ]
محمد بن أبي بكر بن عياش الخابوري المتوفى بها في ٢٧ من المحرم سنة ٧٦٩ هـ (^١).
- حمص، وفيها سمع من جمع (^٢)، كقاضيها قطب الدين محمد بن عبد المحسن السبكي الشافعي، قال ولي الدين بن العراقي: «سمع منه والدي بحمص، وتوفي بدمشق سنة ٧٦٤ هـ» - (^٣).
- حماة، وفي مقدمة من سمع منهم بها قاضيها: عبد الرحيم بن إبراهيم، المعروف بابن البارزي (^٤).
- حلب، وهي أقصى مدن الشام الرئيسية شمالًا، ومنتهى ما رحل إليه العراقي في جولته هذه، وممن سمع منه بها القاضي جمال الدين إبراهيم بن محمود بن سليمان بن المطوع (^٥)، وقد أرخ العراقي وفاته في شوال سنة ٧٦٠ هـ، ورجح ابن حجر كونها في ذي الحجة (^٦).
_________________
(١) «مجموع ابن خطيب الناصرية»، (ترجمة العراقي) و(لحظ الألحاظ) / ٢٢٤ و(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١٢ أ و(الدرر الكامنة) جـ ٤/¬٢٦، ٢٧.
(٢) «مجموع ابن خطيب الناصرية»، (ترجمة العراقي) و(لحظ الألحاظ) / ٢٢٥ و(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١٢ أ.
(٣) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٦٤ هـ.
(٤) (مجموع ابن خطيب الناصرية)، (ترجمة العراقي) و(لحظ الألحاظ) / ٢٢٤ و(المجمع المؤسس) / ١٧٧ و(بهجة الناظرين) / ١٣٠ و(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١٢ أ.
(٥) «مجموع ابن خطيب الناصرية»، (ترجمة العراقي) و(المجمع المؤسس) / ١٧٧ و(لحظ الألحاظ) / ٢٤٤ و(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١٢ أ و(الضوء اللامع) جـ ١/ ١٧٢ و(بهجة الناظرين) / ١٣٠.
(٦) «المنتقى من ذيل العبر للعراقي»، وفيات سنة ٧٦٠ هـ ضمن (مجموع ابن خطيب الناصرية)، و(الدرر الكامنة) جـ ١/ ٧٣.
[ ١ / ٣٦٧ ]
تعقيب:
هذا مجمل لجولة العراقي الواسعة في تلك الرحلة، بين مدن الرواية، ومدارس الحديث بالشام، من أقصى الجنوب، لأقصى الشمال، ولم تمدني المراجع العديدة المباشرة، وغير المباشرة التي رجعت إليها ببيان الزمن الذي استغرقته تلك الرحلة، ولا بترتيب معين لتنقل العراقي بين المدن المذكورة، وأغلب الظن أن هذا خضع للأهمية العلمية لكل بلد، وللظروف المواتية للرحلة إليها: من أمن الطريق، ووجود القافلة التي يسافر معها لتجنب الأخطار، وتوفر الزاد والراحلة، وحيال ذلك كله، وما ذكر من تلقيه في كل بلد عن عدد من شيوخه وشيخاته، يمكن القول: إن الرحلة بأكملها استغرقت شهورا أكثر من أي رحلة سابقة.
وهذا كله يصور لنا مدى قوة العزيمة التي توفرت للعراقي، والرغبة الأكيدة في تحصيل علوم السنة، حتى تحمل تلك المتاعب والمخاطر، كما يتضح لنا ضخامة الحصيلة العلمية التي عاد بها في نهاية المطاف إلى مصر، مع اعتبار ما كان يقدمه من جانبه في مجالي الرواية والدراية لرفاقه في الطلب، أو لشيوخه كما رأينا في رحلتيه الأولى والثانية.