لما كان مقصود علماء السنة نقل وإثبات كل ما هو مضاف للنبي ﷺ، مباشرة أو بالواسطة، فإن جمهورهم عَرَّف السنة بما يُحقق هذا القصد، فقالوا: «السنة كل ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو سيرة أو صفة خُلقية أو خَلقية، حتى الحركات والسكنات في اليقظة والمنام سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها، وسواء تعلق به حكم شرعي أم لا».
وزاد المحققون: ما أضيف إلى الصحابة والتابعين كذلك من أقوال وأفعال وتقريرات تتعلق بالدين (^١)؛ لكون ذلك مآله الرجوع للرسول ﷺ، وإن لم يُصرحوا بذلك في كل حال، رهبة من الخطأ في النقل أو رغبة في التقليل من الحديث (^٢) والتركيز على العمل التطبيقي، أو اعتمادًا على ما عُرِفُوا به من
_________________
(١) انظر «الإلماع» للقاضي عياض ص ٦، ٧. و«الخلاصة» للطيبي ص ٣٠. و«التعريفات» للجرجاني ص ٦٥، و«الموافقات» للشاطبي جـ ٤ ص ٤ - ٦. و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ١ ص ٢٠ و«شرح السيوطي لألفيته في المصطلح» والمسمى: «البحر الذي زَخَر» ورقة ٦ ب و٧ أ (مخطوط). و«فتح الباري بشرح البخاري» لابن حجر ج ١ ص ٢١٠، ٢١١ وجـ ١٧ ص ٢، ٩. و«نيل الأماني بتوضيح مقدمة القسطلاني» للإبياري ص ١٠، ١١ و«حاشية لقط الدرر على شرح النخبة» للشيخ حسين خاطر ص ٣. و«النخبة النبهانية بشرح المنظومة البيقونية» للشيخ خليفة النبهاني ص هـ، ٦. و«قواعد التحديث» للقاسمي ص ٣٦ - ٣٨. و«السنة قبل التدوين» لمحمد عجاج الخطيب ص ١٦. و«أعلام المحدثين» للدكتور أبو شهبة ص ٦. و«النكت الوفية بما في شرح الألفية» للبقاعي ورقة ١٠١ ب (مخطوط مصور).
(٢) انظر «سنن ابن ماجه» باب التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ ج ١ ص ١٠، =
[ ١ / ٢٧ ]
التزامهم بما شاهدوه، وما بلغهم عن الرسول ﷺ، أو ربما صرحوا بإضافته للرسول ﷺ ولم ينقل إلينا (^١).
وقد وجد بعد التدوين العام للسنن كثير مما رُوي موقوفًا على الصحابة أو التابعين، مرويًا من طرق أخرى مضافًا للنبي ﷺ، ومن المعروف أنهم لا يصدرون في مثل هذا إلا عن توقيف أو استنباط.
وقد أقر الرسول ﷺ أصحابه على اجتهادهم في حديث معاذ ﵁ حين أرسله ﷺ إلى اليمن فقال: كيف تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله ﷺ؟ قال: أجتهد رأبي، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله (^٢)، وتقريره ﷺ من سنته بالاتفاق (^٣).
كما أنه قرن سنة خلفائه الراشدين بسنته وأمر باتباعهما فقال في حديث العرباض بن سارية: «وسترون بعدي اختلافا شديدًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ» (^٤).
_________________
(١) = و«أعلام الموقعين» جـ ٤ ص ١٤٧ و«معرفة علوم الحديث»، للحاكم ص ٦١.
(٢) «أعلام الموقعين»، جـ ٤ ص ١٤٨.
(٣) عزاه العراقي في تخريج أحاديث «منهاج الأصول» للبيضاوي لأبي داود والترمذي من حديث معاذ. وقال: «إن هذا لفظ الترمذي» وأنه قال عنه: «ليس إسناده عندي بمتصل»، ولكن ابن القيم صحح أصل الحديث (انظر تخريج المنهاج للعراقي ورقة ٧٥ ب، ٧٦ أ مخطوط) و(أعلام الموقعين) جـ ١ ص ١٧٥.
(٤) «تكملة شرح الترمذي» للعراقي جـ ١ ورقة (١٦ ب) مخطوط مصور.
(٥) أخرجه ابن ماجه في «سننه» وبوب عليه باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين ج ١ ص ١٥، ١٦ وأبو داود في السنن أيضًا جـ ٢ ص ٥٠٦.
[ ١ / ٢٨ ]
كما جعل أصحابه هداة للأمة من بعده حيث رفع رأسه إلى السماء، فقال: «النجوم أَمَنَة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعدون، وأنا أَمَنَة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي، ما يوعدون، وأصحابي أَمَنَة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» (^١).
وقد كان شأن التابعين بإحسان مع الصحابة شأن الصحابة مع الرسول ﷺ فكانت أقوالهم وأفعالهم في أمور الدين ترجمة وتطبيقا لما شاهدوه منهم وما تلقوه عنهم وإن لم يُصرحوا بذلك بدورهم في كل حال؛ خشية ما ظهر من الفتن، كما أنه لم يُنقل إلينا كل تصريحاتهم، وهم مُرْتَضَوْن من الله تعالى في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (^٢).
كما أنهم مشاركون للصحابة في الخيرية المشهود لهم بها من الرسول ﷺ في قوله: «خير أُمتي القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم»، قال أبو هريرة راوي الحديث: «والله أعلم أذكر الثالث أم لا» (^٣).
فليس بينهم وبين الرسول ﷺ إلا واسطة واحدة وهم الصحابة، لهذا كان الأحوط اعتبار ما أضيف إلى الصحابة والتابعين من أمور الدين أقوالا وفتاوى وأعمالًا وتقريرات، من السنة، طالما لم يكن ذلك من باب الرأي والاجتهاد، حتى
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» باب بيان أن بقاء النبي ﷺ أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة جـ ٧ ص ١٨٣ و«أعلام الموقعين» لابن قيم الجوزية جـ ٤ ص ١٣٠.
(٢) سورة التوبة آية ١٠٠.
(٣) أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب الفضائل، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم جـ ٧ ص ١٨٥.
[ ١ / ٢٩ ]
لا يفوتنا منها شيء وإن تفاوتت درجاتها في الاستدلال كما سيأتي عن الأصوليين.