من المعروف أن الجانب العلمي في حياة العراقي هو المطلوب الأساسي في بحثنا، لكن من المعروف أيضًا أن جوانب حياة الشخص تتشابك ويتصل بعضها ببعض بحيث تبدو الشخصية مستورة أو غامضة إذا تركت بعض جوانبها بعيدة عن الضوء ولو بصفة موجزة.
ومن جهة أخرى فإن الجانب الأسري من حياة العراقي له نصيب في أثره في علوم السنة فقد وجدناه ينشئ أسرته على محبة السنة وسماعها حتى كان من ذريته ثلاثة من تلاميذه فيها، وقاموا بإسماعها وتعليمها كما سنوضحه، وذلك بلا شك من خير آثاره في نشر السنة وعلومها.
لذا كان تناول هذا الجانب من حياة العراقي له أهميته ودخله في موضوعنا. وقد تبين لي أن انهماك العراقي في تحصيل العلم كان مما شغله عن التبكير بالزواج، ذلك أن البحث الدائب أوقفنا على أن أكبر أولاده هو ولي الدين أبو زرعة أحمد، وقد أرّخ العراقي بنفسه مولده في ثالث ذي الحجة بعد صلاة الصبح سنة ٧٦٢ هـ (^١)، ثم ذكر أحمد في ترجمة أمه أنها مكثت في صحبة والده أكثر من ٢٥ سنة، ثم توفيت بظاهر القاهرة يوم الجمعة ٢١ صفر سنة ٧٨٣ هـ وهي شابة، جاوزت الثلاثين بيسير (^٢).
_________________
(١) (طرح التثريب في شرح التقريب) جـ ١/¬١٦.
(٢) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٨٣ هـ.
[ ١ / ١٨٣ ]
فإذا طرحنا العشرين سنة من تاريخ وفاتها ومن عمرها الكلي الذي يزيد يسيرًا عن ٣٠ عامًا كما يقول ولدها، ظهر لنا أن العراقي تزوجها قبل سنة ٧٦٢ هـ بفترة يسيرة، وسنة ٧٦٢ هـ هذه هي التي ولدت في نهايتها وَلَدَها «أحمد»، وتلك الفترة اليسيرة يمكن حصرها بين سنتي ٧٦٠ هـ، ٧٦١ هـ تقريبا، حتى تكون في أقل سن مناسب للزواج، ثم الحمل والولادة لابنها أحمد آخر سنة ٧٦٢ هـ كما ذكر، ويقوي هذا قول ابنها أحمد أيضًا: إن والدها توفي عنها وهي صغيرة فتزوجها والدي يتيمة (^١).
وعلى ضوء ذلك التقدير التقريبي لزمن زواج العراقي، يظهر لنا أن والده قد أدرك زواجه وميلاد ولده أحمد لتأخرهما عن تاريخ وفاته كما تقدم.
كما يظهر لنا أن العراقي قد تزوج في نحو السادسة والثلاثين من عمره، بينما كانت الزوجة فوق العاشرة بيسير، ويعتبر علماء الاجتماع في عصرنا، هذا الزواج غير متكافئ من جهة التفاوت الكبير بين سن الزوج والزوجة، بينما نجحت زيجة العراقي واستمرت في وئام حتى وفاة الزوجة كما سلف، ولعل ما سنذكره من حسن أخلاق الطرفين كان عاملا مهما في ذلك.
ويظهر لنا من تاريخ زواج العراقي أيضًا أنه قد تخرج قبله في علوم السنة وألف فيها بعض مؤلفاته؛ لأن شيخه الذي تخرج به في علوم السنة قد توفي سنة ٧٥٠ هـ وفرغ هو من تسويد التخريج الكبير لأحاديث إحياء علوم الدين للغزالي سنة ٧٥١ هـ كما سيأتي.
وخير من يعرفنا بزوجة العراقي ابنها ولي الدين أحمد، حيث قال بعد ذكر
_________________
(١) هـ ذيل ولي الدين، وفيات سنة ٧٨٣ هـ.
[ ١ / ١٨٤ ]
تاريخ ومكان وفاتها المتقدمين: «والدتي أم أحمد عائشة بنت طغاي العلائي تغمدها الله برحمته، ماتت مطعونة حاملًا، فحصلت لها الشهادة من وجهين (^١) ولقنها والدي ﵀ سيد الاستغفار، فقالته ثم ماتت ودفنت قبل صلاة الجمعة، وراء الخانقاة الدوادارية، وكانت سليمة الصدر حسنة العشرة والأخلاق، كثيرة الإحسان».
وَذَهَبَتْ مع والدي إلى الشام في رحلته الأخيرة إليها سنة ٧٦٥ هـ وسمعت الحديث بدمشق، ولم تُحدّث، وحجت أربع حجات وجاورت بالحرمين غير مرة، وكان أبوها من أجناد «أرغون النائب» (^٢) وتوفي عنها وهي صغيرة، فتزوجها والدي يتيمة (^٣).
ومن هذا التعريف نعلم أن زوجة العراقي هذه ليست مصرية الأصل، وإنما هي ابنة أحد الجنود المماليك، ونعلم أنها توفيت بسبب وباء الطاعون الذي اجتاح مصر في ذلك الأوان، ونعلم كذلك أنها كانت زوجة صالحة حسنة الأخلاق وحسنة العشرة لزوجها، رغم تفاوت السن الكبير بينهما كما أوضحنا.
كما نعلم أنها رافقت زوجها في رحلاته للحج، وطلب العلم وأنه عني بتعليمها، وخاصة علم الحديث الذي هو مجال تخصصه، وإن لم يتح لها أن تنشر ما تعلمته، ثم كانت محل اهتمامه ووفائه، حيث ظل بجانبها وهي في النزع الأخير يلقنها الاستغفار، حرصا على حسن ختام حياتها، كما حرص
_________________
(١) من مات بالطاعون أو مع وجود الحمل يُعد شهيدًا.
(٢) هو أحد كبار أمراء المماليك وكان نائبا عن السلطان في عصره.
(٣) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٨٣ هـ ترجمة عائشة بنت طغاي.
[ ١ / ١٨٥ ]
من قبل على تعليمها وتثقيفها بالثقافة الإسلامية الصحيحة، وهكذا فليكن الرجال المؤمنون، والعلماء العاملون مع زوجاتهم، حتى تتكون الأسر الناجحة، وتستقر على أساس العلم والدين والأخلاق، فتخرج لنا أجيالا نافعة يباهي بها في الدنيا والآخرة.
ويظهر لنا من اختيار العراقي لزوجته ابنة الجندي عادي، مع كونها يتيمة وعكوفه على تربيتها، قناعة نفسه وتقديره للمعاني الإنسانية، ولو أنه تطلع للزواج كوسيلة للجاه أو المآرب الدنيوية؛ لما ارتبط بمثل تلك الزوجة بأي حال، وقد اتفقت المراجع على أن العراقي كان ضيق العيش (^١).
ومع ذلك وصف لنا أحمد أمه هذه بأنها كانت كثيرة الإحسان، وفي هذا دلالة على أن قلة إمكانيات العراقي المادية، لم تكن تحمله على التضييق عليها أو منعها عن الإحسان بما تستطيع، كما أن في ذلك أيضا دلالة على قناعتها وكرم نفسيهما؛ حيث يؤثران الإحسان على مطالب النفس.
وقد عرفنا من ذرية العراقي غير ولده أحمد أبي زرعة المتقدم، ولدا آخر يسمى (محمدا)، ويكنى أبا حاتم ولد سنة ٧٧٠ هـ، حيث أثبت على نسخة من كتاب «المحدث الفاصل» للرامهرمزي إسماعه للكتاب وهو في الرابعة من عمره على بعض شيوخ والده وتاريخ ذلك سنة ٧٧٤ هـ (^٢).
وعرفنا أيضا كبرى بناته التي تزوجها رفيقه نور الدين الهيثمي كما سيأتي
_________________
(١) «المجمع المؤسس» ص ١٧٨ و(الضوء اللامع) للسخاوي جـ ٤/ ١٧٥ و٥ «حسن المحاضرة» للسيوطي ٣٦١، وهـ معجم المطبوعات ولسركيس جـ ٢/ ١٣١٨ و٥ «جزء في التراجم» (مخطوط) بمكتبة تيمور رقم (١٠٩٧٦) تاريخ ص ١٥.
(٢) انظر: مقدمة تحقيق المحدث الفاصل، بتحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب ص ١٣١، ١٣٢.
[ ١ / ١٨٦ ]
وتُدعى «خديجة» (^١)
كما عرفنا ابنتين أخريين: إحداهما تُسمَّى (زينب) والأخرى تُسمى «جويرية» (^٢) وهي أصغر من أحمد ومحمد وخديجة.
ومن تاريخ ميلاد محمد وجويرية ظهر لي أنهما من امرأة أخرى تزوجها العراقي بعد وفاة امرأته السابقة أم أحمد، وذلك أن جويرية كما يقول السخاوي ولدت قبل سنة ٧٨٨ هـ تقريبا (^٣).
بينما يقطع السيوطي بأنها ولدت آخر سنة ٧٩٢ هـ (^٤) وزينب ولدت كما حدد السخاوي قبيل الصبح ليلة ١٢ ذي الحجة سنة ٧٩١ (^٥) وحدد السيوطي بذي الحجة سنة ٧٩٢ هـ (^٦) وكل التواريخ المذكورة كما نرى متأخرة عدة سنوات عن تاريخ وفاة زوجة العراقي الأولى كما قدمناه، ولم يوقفني البحث على معلومات عن تلك الزوجة الثانية، بل لم يتعرض من ترجموا للعراقي لبيان تعدد زواجه هذا، وإنما هو استنتاج من جانبي بدليله المتقدم.
وقد ترجم العراقي نفسه لولده أحمد كما ترجمه غيره، وترجم السخاوي والسيوطي ابنتيه المتقدمتين، ولما كان الثلاثة من تلاميذ والدهم فسنرجي التعريف بهم إلى موضعه، ونكتفي هنا بالقول: بأن العراقي كما عني بزوجته.
_________________
(١) (الضوء اللامع) جـ ٥/ ٢٠١.
(٢) المصدر السابق جـ ٤/ ١٧١.
(٣) المصدر السابق جـ ١٢/¬١٨.
(٤) (نظم العقيان) له ورقة ٢٧ أ (مخطوط بمكتبة الأزهر).
(٥) (الضوء اللامع) جـ ١٢/¬٤٢.
(٦) (نظم العقيان) له ورقة (٣٠ أ).
[ ١ / ١٨٧ ]
السابقة، تربية وتعليمًا، فقد عني بأولاده كذلك، واشتدت عنايته بأحمد حتى تخرج في الحديث على يديه وصار خلفًا له في حمل راية السنة، وامتدادًا كبيرًا لأثره فيها، أما محمد الذي أسمعه في صغره أيضًا، فيظهر أنه توفي مبكرًا حيث لم يظهر له ذكر كأخيه أحمد.
كما أَسْمَع كُلًّا من زينب وجويرية الحديث منه ومن غيره، وقد حدثتا، كما سنوضحه. ولا شك أنه بذلك قد قام نحو أسرته بواجب الأب ورب الأسرة المسلم، فضلا عن العالم، على الوجه الذي يجعله قدوة صالحة ونموذجًا ينبغي أن يحتذيه من بعده. ونسأل الله توفيقنا لذلك.