ما قدمناه عن أهمية العقيدة بالنسبة لشخصية الحافظ العراقي وتوثيقه ينسحب في غالبه على أخلاقه؛ لأنها في الاعتبار مكملة للعقيدة، سواء ما كان مظهرا تطبيقيا لها، كبعض المظاهر التي أوردناها كدليل على سلامة عقيدته، أو ما كان راجعا لطبيعته الفطرية لتأثره بها، أو ما كان مكتسبا من البيئة والثقافة لالتزامهما بها.
لهذا كان لابد من تجليتنا للجانب الخلقي من شخصية الحافظ العراقي استكمالا لتصويرها ولعناصر توثيقها، ونعتمد في هذا أيضًا على ما اعتمدنا عليه بالنسبة للعقيدة.
فنجد بالنسبة لعصره أن المقياس المعتبر للأخلاق هو التزام آداب الشريعة الإسلامية والاقتداء بالسلف الصالح ونبذ الغلو والابتداع، وقد تجلى ذلك.
_________________
(١) ينظر ص ١٨٥، وبهجة الناظرين ص ١٤١.
[ ١ / ٢٠٥ ]
بأجلى صوره ومعانيه في شخص الحافظ العراقي، كما توفرت له البيئة والقدوة الصالحتان المعينتان على ذلك منذ صغره كما أوضحناه، هداه الله للاعتقاد الصحيح، ومنحه الاستعداد الطيب، والطبع المعتدل، والهمة العالية للتمسك والاقتداء الواعي.
ومصداق ذلك ما قدمنا في مظاهر اعتقاده وما نُضيفه ها هنا مما شهد به تلاميذه وقرره مؤرخوه؛ فقد اتفقوا على أنه كان دَيِّنا (^١) أي شديد التمسك بأحكام الدين وآدابه، خَيِّرا (^٢) أي محبًا لحصول الخير للناس، ساعيا في إيصاله لهم، دون أن يمن بذلك أو يتطلع للعوض أو يتعالى؛ فقد كان متواضعا (^٣)، بل شديد التواضع حتى لا يرى له على أحد فضلا (^٤).
ومع ضيق عيشه كما قدمنا، فإنه اتصف بغاية الكرم والإيثار وأنه ليس للدنيا عنده قيمة، ولا يأكل طعامه وحده أبدًا (^٥)، وذلك هو جماع حقيقة الزهد (^٦) ورضاء النفس بمحصول سعيها.
وتخلق أيضًا بالورع والعفاف والصيانة (^٧) ومقتضى ذلك تجنبه للشبهات.
_________________
(١) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٨، ٢٣٤ و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧٦.
(٢) المصدر السابق ص ٢٢٨.
(٣) «المجمع المؤسس» لتلميذه ابن حجر ص ١٧٨ و«ذيل التقييد» لتلميذه التقي الفاسي ورقة ٢١٩ ب و«لحظ الألحاظ» لتلميذه ابن فهد ص ٢٢٨، ٢٢٩ و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧٠.
(٤) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٨.
(٥) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة عبد الرحيم العراقي).
(٦) انظر «تعريفات» الجرجاني ص ٦١.
(٧) «لحظ الألحاظ» ص ٢٢٨، ٢٢٩ و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧٦.
[ ١ / ٢٠٦ ]
ومواقعها، فضلًا عن المحرمات، وترفعه عن الدنايا، وعن الخضوع لشهوات النفس والهوى (^١)، ويؤيد هذا أنه لم يُعرف عنه تزلُّف ولا تملُّق لأحد، ولا تنازع على مطلب دنيوي، مع نسبة ذلك إلى كثير من المنتسبين للعلم والصلاح في عصره.
واتصف أيضًا بنقاء العرض (^٢)، مع وجود البغاء والمفاسد في عصره مترددة بين العلن والخفاء كما قدمنا، وقد أشار تلميذه ابن حجر لهذا في رثائه له حيث يقول:
فما فَتَتْهُ كأس بالتشام … ولا ألهاه ظبي باعتناق (^٣)
ونلاحظ فيما وصل إلينا من تفصيل طباع العراقي وسلوكه ومواقفه أنه قد جمع فيها بين الحسن والإتزان والتكامل، فمع شدة احتياطه في التطهر، لم يخرجه هذا إلى حد الوسوسة (^٤)، بينما أدى نحو هذا الاحتياط في العبادة بعض علماء عصره للوسوسة.
ومع اتصافه بالإقلال من الكلام (^٥) اتصف بأنه عند ضرورة نصرة الحق بالكلمة يكثر الكلام في نصرته (^٦).
_________________
(١) = و«مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة».
(٢) «تعريفات» الجرجاني ص ٨١، ١٣١.
(٣) و«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٩ وهـ «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥.
(٤) «إنباء الغمر» لابن حجر ج ٢/ ٢٧٩ و«حسن المحاضرة» للسيوطي جـ ١/ ٣٦١ وفيها و«شغلته» بدل و«فتنته».
(٥) «المجمع المؤسس» ص ١٧٨ و«الحظ الألحاظ» ص ٢٢٨ وهـ «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥.
(٦) «المجمع المؤسس» ص ١٧٨.
(٧) و«مجموع ابن خطيب الناصرية» ترجمة (العراقي) و(لحظ الألحاظ) ص ٢٢٨.
[ ١ / ٢٠٧ ]
ومع أنه كان يصدع في كلامه أرباب الشوكة والجاه (^١) فإنه كان حلو المحاضرة (^٢) يقول النادرة والفكاهة الحسنتين (^٣).
وإلى جانب اتصافه بالإنجماع على نفسه وتركه لما لا يعنيه (^٤) فإنه لم يكن انطوائيا ولا سلبيا، بدليل ما سيأتي في نشاطه العلمي والاجتماعي ومخالطته في ذلك الخاص والعام، وإقامته العلاقات الودية مع فضلاء عصره ومع اتصافه بكثرة السكون والهدوء (^٥) وشدة الحياء حتى قل أن يواجه أحدًا بما يكره ولو آذاه وعاداه (^٦)، فإنه كان مقدامًا ذا مروءة ونخوة، قوي النفس في الصدع بالحق، لا يأخذه في الله لومة لائم، وإذا قام في أمر لا يرده عنه أحد، ولا يقوم شي دونه، ولا يهاب سلطانا ولا غيره في قول الحق وإن كان مرا (^٧). ولا شك أن عفته وغيرته وقوة يقينه بأن النفع والضر بيد الله وحده كل ذلك
_________________
(١) (المنهل الصافي) لابن تغري بردي جـ ٢/ ورقة ٣١٣ أ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٧.
(٢) «المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٣ أ.
(٣) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«المجمع المؤسس»، ص ١٧٨ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥.
(٤) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«المجمع المؤسس»، ص ١٧٨ و(الحظ الألحاظ) ص ٢٢٨ و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٥.
(٥) (المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١٣ أ و«مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي).
(٦) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«المجمع المؤسس»، ص ١٧٨ و(الحظ الألحاظ) ص ٢٢٩ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥.
(٧) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«المجمع المؤسس»، ص ١٧٨ و«الحظ الألحاظ»، ص ٢٢٩، ٢٣٤ و«المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٣ أ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٦، ١٧٧ و(مقدمة شرح المناوي الموجز لألفية العراقي في السيرة).
[ ١ / ٢٠٨ ]
مما أعانه على تلك الجرأة المحمودة في الحق.
وستأتي له أيضا بعض المواقف في سبيل السنة تدعم ذلك.
على أن هذا المسلك القوي لم يصل به إلى التعصب الممقوت، أو يخرجه إلى الغلظة أو الاندفاع، بل صاحبته حنكة، واتزان، فكان يتشدد في موضع الشدة ويلين في موضع اللين (^١)، حليما واسع الصدر طويل الروح، لا يغضب إلا لأمر عظيم ويزول في الحال، وليس بينه وبين أحد شحناء، وليس عنده حقد ولا غش ولا حسد (^٢) وللناس به أُنس (^٣).
ومع اتصافه بالظرف (^٤) وطيب الروح وخفة الخاطر ولطف الطبع والمزاج (^٥) فإن ذلك لم يذهب بوفرة حرمته، وتمتعه بالمهابة والجلالة وكثرة الوقار (^٦).
هذا مجمل ما شهد به تلاميذ العراقي من أخلاقه الجبلية التي فطره الله عليها، والمكتسبة من بيئته وعلمه.
وليس منهم من ادعى الإحاطة بجميعها، بل شُفِعَتْ تلك الأوصاف التفصيلية بعبارات التعميم، كقول تلميذه التقي الفاسي: «وكان كثير
_________________
(١) «لحظ الألحاظ»، ص ٢٢٩.
(٢) المصدر السابق ص ٢٢٨.
(٣) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٨.
(٤) «ذيل التقييد» للتقي الفاسي ٢٢٠ أ.
(٥) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«المجمع المؤسس»، ص ١٧٨، وهـ «المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٣ أ.
(٦) «لحظ الألحاظ» ص ٢٢٩ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥.
[ ١ / ٢٠٩ ]
الفضائل والمحاسن» (^١).
وكقول تلميذه الأقفهسي: «ومحاسنه كثيرة» (^٢).
وقول تلميذه ابن فهد: «وكان ذا أخلاق حسنة، ومحاسنه جمة» (^٣).
وكقول تلميذه برهان الدين الحلبي: «وكان كريم الأخلاق حسن الشيمة والأدب ومحاسنه كثيرة» (^٤).
وقد كان هذا مما جعل الشوكاني يقول: «وقد ترجمه جماعة من معاصريه ومن تلامذته ومن بعدهم، وأثنوا عليه جميعا وبالغوا في تعظيمه» (^٥).
ويعتبر ما سجله العراقي بنفسه في مؤلفاته وما سيأتي من مواقفه مطابقا لكل ما ذُكر عنه بالتفصيل وأشير إليه بالإجمال.
ففي نهاية كتابه في أحاديث الأحكام، عقد عدة أبواب للأخلاق الواردة في السنة والتي ينبغي على المؤمن إلتزامها في نفسه وأهله، ومن بينها ما سبق اتصافه به، كحفظ المنطق والتواضع، والنهي عن الكبر والعجب (^٦) ورجاء الله وخوفه (^٧).
في حين نجد غيره ممن ألف في أحاديث الأحكام بإيجاز كالحافظ المقدسي
_________________
(١) هـ ذيل التقييد، له ورقة ٢١٩ ب.
(٢) هـ الضوء اللامع، جـ ٤/ ١٧٦.
(٣) و«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٩، ٢٣٤.
(٤) هـ الضوء اللامع، جـ ٤/ ١٧٥.
(٥) هـ البدر الطالع، جـ ١/ ٣٥٥.
(٦) وتقريب الأسانيد، له ص ١٦٤ - ١٦٨.
(٧) المصدر السابق ص ١٧٠، ١٧١
[ ١ / ٢١٠ ]
في كتابه (عمدة الأحكام) يُخلي تبويبها من ذلك كلية، مع أن شرط العراقي في كتابه، وهو أصح الأسانيد، أضيق دائرة، من شرط المقدسي، في كتابه، وهو اتفاق البخاري ومسلم على ما يورده. فهذا دليل على اهتمام العراقي بالأخلاق واعتبارها جزءًا لا ينفصل من أحكام الإسلام.
كما نراه في تأليف آخر يشيد بترفع الصحابة عن الدنيا الدنيَّة وتطلعهم إلى الملأ الأعلى واجتهادهم في عبادة الله (^١) ويشيد فيه أيضًا بهمة بعض حكام عصره في إزالة بعض أماكن شرب الخمر بالقاهرة، وكسر مستودعاته، وعَدُّ ذلك من حسناته الكبار (^٢).
وتجدر الإشارة إلى أن إشادته بهذا العمل، كانت بعد وفاة فاعله، مما يثبت نزاهة قصده وتمجيده للفعل لذاته، ولفاعله في غيبته.
كما أثنى في نفس الكتاب على ما أودعه الله في قلب الشيخ تقي الدين القنائي السابق ذكره، من شدة رقة القلب والرحمة لسائر خلق الله (^٣).
هذا بالإضافة إلى ما سيأتي في مؤلفاته مما خصه بالأخلاق الإسلامية التي لاحظ تخلي معاصريه عنها أو تهاونهم فيها، وما خصه بالدعوة للتأسي بالسلف الصالح، ونبذ الفرقة والنزاع، ومحاربة الابتداع في الدين باسم العلم أو التصوف، ومطالبة ولاة الأمر بالقيام بواجبهم الشرعي في هذا الصدد، كما سيأتي بيان نهوضه بإبطال بعض البدع أيام توليه قضاء المدينة المنورة،
_________________
(١) (تكملة شرح الترمذي) له جـ ١/ ورقة ١ ب (مخطوط مصور).
(٢) المصدر السابق ورقة ٢٨ ب نسخة دار الكتب المصرية (مخطوطة).
(٣) المصدر السابق ورقة ١٨ ب.
[ ١ / ٢١١ ]
وسيأتي كذلك من نماذج نقده للرجال وتقييمه للجهود العلمية، ما يثبت عفة لسانه ونزاهة ضميره واعتدال نظرته.
ومن كل هذا يتضح لنا أن تطابق ما سبق من طباعه وسلوكه الشخصي مع أقواله، وتوافق أخلاقه قولًا وعملًا مع غيرته الدينية واعتقاده الإسلامي الصحيح كما سبق، ومع علمه بالكتاب والسنة كما سنفصله، فلم يكن يقول ما لا يفعل، ولا يُظهر خلاف ما يبطن، أو يناقض مسلكه في حياته عِلْمَه، حتى سأل الله تعالى أن لا يجعل علمه عليه وبالًا (^١) وامتدح غير واحد ممن ترجمهم بالجمع بين العلم والعمل.
ويتبين لنا إذا أن الله تعالى كما منحه رجاحة العقل ونقاء الضمير، حباه بقوة الإرادة ومضاء العزيمة، مع اعتدال الطبع والإتزان الذي جعل زمام نفسه بيده، فيلين في موضع اللين، ويشتد في موضع الشدة، ويتجرد من التكلف والتنطع والتغالي، ويتحلى بخفة الروح ولطف الدعابة مع احتفاظه بهدوء العالم، ووقاره وظهور مسحة الصالحين عليه.
كما يظهر لنا كذلك تأثره المحمود بأسرته وبيئته الجامعتين بين العلم بالكتاب والسنة وبين العمل بمقتضاهما.
وقد جاهد نفسه حتى استقرت على ذلك (^٢).
وعلى أساس هذا كله يمكننا أن نقرّر: سلامة الجانب الخلقي من شخصية.
_________________
(١) «التقييد والإيضاح» له ص ١٢.
(٢) انظر إشارته لذلك في بعض خطبه الوعظية بـ «مجموع ابن خطيب الناصرية» (خطبة الحافظ العراقي).
[ ١ / ٢١٢ ]
الحافظ العراقي وتكامله بحيث يعتبر - بلا مبالغة - أنموذجا أخلاقيا طيبًا لأسرته وبيئته، وقدوة رائدة للعلماء العاملين بعلمهم الغيورين على مبادئهم، ومثلا يحتذى رغم ابتعاده عن التمشيخ والادعاءات. وبالتالي يثبت له العنصر المتمم لما قدمناه من عناصر توثيقه وهو السلامة من أسباب الفسق وخوارم المروءة.