أما علماء الأصول فلما كان مقصدهم من السنة ما يستدل به منها على الأحكام التكليفية طلبًا أو تخييرًا وما يتعلق بذلك، فقد عرفوها بما يختص بهذا منها فقالوا: السنة ما صدر عن الرسول ﷺ من قول غير القرآن، أو فعل أو تقرير، مما يثبت حكمًا شرعيًا (^٢).
وبعضهم يضيف أقوال وأفعال وتقريرات الخلفاء فقط.
وبعضهم أدخل عموم الصحابة (^٣)، وبعضهم أضاف ما جاء عن التابعين، غير مخالف لما جاء عن الصحابة، فضلا عن الرسول ﷺ (^٤)، وقد مر لك في
_________________
(١) «جامع بيان العلم» جـ ٢ ص ٢٢١ أصل وهامش.
(٢) «نهاية السول شرح منهاج الأصول» للأسنوي، و«حاشية الشيخ بخيت المطيعي عليه» جـ ٣ ص ٦١٨ - ٦١٩. و«فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت» لعبد العلي الأنصاري جـ ٢ ص ٩٧ و«فتح الباري بشرح صحيح البخاري» لابن حجر جـ ١٧ ص ٣ و«السنة قبل التدوين» للدكتور محمد عجاج ص ١٦ و«أصول الفقه» للدكتور طه الدسوقي ص ٤٠.
(٣) «تهذيب توضيح الأصول» للدكتور سليمان عبد الفتاح ص ٢١ و«البدعة» للأخ الفاضل الدكتور عزت عطية ص ١١٩ و«قواعد التحديث» للقاسمي ص ٢٥٧ - ٢٦١ و«الحديث والمحدثون» لشيخنا الفاضل الدكتور محمد أبو زهو ص ٩، ١٠.
(٤) «أعلام الموقعين» لابن قيم الجوزية جـ ٤ ص ١٥٦ وما بعدها.
[ ١ / ٣٩ ]
تعريف السنة توجيه ذلك كله، وعليه يكون أعم تعريف للسنة عند علماء الأصول أنها: «ما أضيف للرسول ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، من قول أو فعل أو تقرير يثبت حكما شرعيا» ومع هذا فإنه أخص من تعريف السنة في اصطلاح علمائها؛ لأنه لا يشمل إلا ما يتضمن الأحكام التكليفية للأمة من فرض أو نفل أما ما يتعلق، بأحوال الرسول ﷺ قبل البعثة التي هي مناط التكليف للأمة وما يتعلق بصفاته ﷺ الخلقية كما ذكرنا، ونحو ذلك فإنه لا يدخل في تعريف السنة عند الأصوليين، بينما هو معدود من مشتملات السنة عند علمائها، كما سلف.
وليس معنى هذا عدم اعترافهم بثبوت تلك الأحوال والصفات ونحوها مما يتعلق بالرسول ﷺ، وأصحابه، وأتباعهم، وإنما هم فقط يُقررون عدم اشتمالها على محكم يترتب على مخالفته مؤاخذة من قبل الشارع، وهذا لا يعارض اعتبارها من السنة عند علمائها، لأنهم كذلك لا يقولون بتضمن كل ما يثبتونه ويسجلونه من أحوال الرسول ﷺ والصحابة والتابعين، أحكاما تكليفية كما قدمنا.
أما تقييد الأصوليين ما صدر عن الرسول ﷺ من أقوال، بأن تكون غير القرآن، فيوافقهم فيه علماء السنة، وقد تقدم أنهم يستعملون السنة في مقابلة القرآن، كما يستعملها الأصوليون حين يقولون: «أدلة الشرع: الكتاب والسنة والإجماع … الخ».
ويتفق الأصوليون أيضًا كما ترى في التعريف مع علماء السنة على أنها تشمل القول والعمل، وقال الإسنوي في «شرح التعريف»: «إن عطف الفعل على القول «بأو» الدالة على التقسيم، للإعلام بأن كلا من القول والفعل
[ ١ / ٤٠ ]
يُطلق عليه اسم السنة» (^١) وبهذا يتضامنون في الرد على من قصر السنة على الأعمال كما قدمنا.
كما أنهم لم يفرقوا بين ما ثبت بالتواتر وما ثبت بطريق الآحاد من الرواة، فصار الكل عندهم صالحًا للاحتجاج مع ترجيح الأقوى.