وعلى ضوء ما تقدم نجد أن العراقي لما استجاب لإشارة شيخه عز الدين ابن جماعة في سنة ٧٤٢ هـ بصرف همته للإختصاص بالسنة، فإن الشيخ بين له، المنهج الصحيح لطلبها حتى يلتزمه، وجمعه على الطريقة المعتادة لأهل الحديث حينئذ (^١) حتى يلازمهم، وباشر بنفسه التدريس له، وأدام العناية به كما سنفصله.
ومنذ ذلك التوجيه التاريخي في حياة العراقي، بدأ المرحلة الأساسية لدراسة السنة، واستمر فيها نحو ١٢ عامًا حتى سنة ٧٥٤ هـ حيث كانت أولى رحلاته الدراسية خارج مصر كما سيأتي. وفي تلك المرحلة لازم العراقي فعلا أهل الحديث أساتذة وطلابا، وجرى على منهج الطلب المعتاد والمصطلح علميا عليه (^٢).
فبعد تصحيح النية، واستعانة الله تعالى، وتوطيد العزم، ومعرفة كيفية الطلب، اتجه بلا توان إلى القراءة بنفسه، والسماع، وملازمة الشيوخ الثقات وذوي الإسناد العالي في موطنه، مع العناية بعلوم الدراية بجانب الرواية.
ويظهر أن العراقي انتقل في هذه الأثناء من منشاة المهراني التي ولد بها على شاطئ النيل إلى الإقامة بظاهر القاهرة في أقصى جنوبها الشرقي، وذلك.
_________________
(١) «المجمع المؤسس» ص ١٧٦ و«ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠.
(٢) تناولت كتب المصطلح ذلك في عدة أبواب أهمها: باب أقسام التحمل والأداء التي قدمنا ذكرها وأبواب كتابة الحديث وضبطه وآداب المحدث والطالب، والعالي والنازل (انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/¬١٧ وما بعدها و٧١ وما بعدها و٨٥ وما بعدها و٩٨ وما بعدها).
[ ١ / ٢٩٥ ]
بخانقاة للصوفية، كانت تقع فيما بين قلعة صلاح الدين الحالية، وقبة النصر تجاه جبل المقطم، وقد أنشأها الأمير المملوكي طَغَيْتُمر، أو طغاي تمر بن عبد الله النجمي الدويدار المتوفى قتيلا سنة ٧٤٨ هـ، ورتب بها عدة من الصوفية وجعل شيخهم برهان الدين الرشيدي (^١)، وهو شيخ العراقي في الفقه والقراءات، والحديث كما قدمنا، فكان العراقي على ما يبدو ممن ترتب بها، كما يشير لذلك تلميذه ابن حجر في ترجمة نور الدين الهيثمي صهر العراقي ورفيق عمره فيقول: «ولد سنة ٧٣٥ هـ ونشأ بالصحراء بجوار خانقاه طغيتمر، واتفق أن شيخنا العراقي كان قد أقام بها، فخدمه، وهو - أي الهيثمي - ابن عشر سنين أو أكثر بقليل (^٢)، وقد يسرت له تلك الإقامة الجديدة التردد على علماء السنة، ومُسنديها بمدينتي مصر والقاهرة؛ نظرًا لقرب هذا المكان من معظم مدارس ومساجد المدينتين، ويجدر هنا التنبيه إلى أن تلك الخانقاه التي ارتبطت بها حياة العراقي ونشاطه العلمي تعددت تسميتها منذ عصره، حتى من الشخص الواحد في الكتاب الواحد (^٣)، فاشتبهت لذلك على بعض
_________________
(١) «النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي جـ ١٠/ ١٨٤، ١٨٥ أصل وهامش.
(٢) «ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠.
(٣) أطلق عليها العراقي «الخانقاة الطشتمرية في «فتح المغيث» له جـ ٤/ ١٦٥» وكذا ولده ولي الدين في «ذيله على ذيل والده على العبر» (وفيات سنة ٧٦٦ هـ ترجمة البياني) وهذا تحريف «للطغيتمرية» نسبة إلى منشئها «طغيتمر» أما الأمير طشتمر فلم يُعرف انشاؤه خانقاة، وفي بعض سماعات العراقي لكتب السنة كُتِبَتْ «الطيمرية» (مقدمة المحدث الفاصل للرامهرمزي ص ١٣٢) ثم أطلق عليها ولي الدين ابن العراقي في كتابه السابق أيضًا «الخانقاة الدوادارية» (وفيات سنة ٧٧٧ هـ ترجمة المسند كمال الدين محمد بن عمر وسنة ٧٨٣ هـ ترجمة أم أحمد عائشة وسنة ٧٨٤ هـ ترجمة الحاجة أم عمر) وهكذا أطلق عليها الأسنوي في «طبقاته» (ص ١١٧ مخطوط) =
[ ١ / ٢٩٦ ]
المحققين في عصرنا بخانقاة أرسلان الدوادار، التي وُلِد العراقي ونشأ أيضًا بجوارها في منشاة المهراني كما تقدم، فعدهما واحدة (^١)، والصواب أنهما اثنتان: الأولى كانت في أقصى جنوب شرق القاهرة بالصحراء، والثانية في أقصى جنوب غرب القاهرة على شاطئ النيل كما مر ذكره، وقد مُحيت الأولى من الوجود كالثانية» (^٢).
وقد طالت إقامة العراقي بخانقاه طغيتمر هذه، إلى أن عُين بقضاء المدينة المنورة سنة ٧٨٨ هـ كما سيأتي، فارتبطت بها حياته الأسرية والعلمية خلال تلك الفترة، فأشار لولادة ابنه أحمد بها سنة ٧٦٢ هـ (^٣) وأثبت فراغه من شرح «ألفيته في المصطلح بها سنة ٧٧١ هـ، فخلد ذكرها فيه (^٤) وسيأتي سماعه هو
_________________
(١) وذلك لأن منشئها كان دوادار السلطان حاجي، أما ابن حجر فقال مرة (خانقاة طغيتمر) (٨٥ ذيل الدرر الكامنة) وقال مرة أخرى: الخانقاة الدويدارية بالصحراء، المعروفة بالنجمية (الدرر الكامنة جـ ٢/ ٣٢٤). وهكذا أطلق عليها ابن تغري بردي (النجوم الزاهرة جـ ١٠/ ١٨٤) وذلك لأن منشئها عرف أيضًا بالنجمي، وأطلق عليها المقريزي (خانقاة طغاي تمر النجمي) (الخطط جـ ٢/ ٤٢٥).
(٢) انظر (طبقات الشافعية) للأسنوي بتحقيق الأستاذ/ عبد الله الجبوري جـ ١/ ٥٩٩/ ٦٠٣ و«الفهرس التفصيلي» للكتاب مادة (خانقاة) ومنشأ الإشتباه غالبا أن كل من: أرسلان وطغيتمر كان دوادارًا فلما ذكر الأسنوي خانقاة أرسلان الدوادار أولا ثم ذكر خانقاة طغيتمر عقبها بقليل باسم «الدوادارية» ظن المحقق ذلك إشارة للخانقاة الأولى فأحالها في (الفهرس التفصيلي) على الأولى وأحال في بيان الأولى على موضعها في «خطط المقريزي» بينما الأسنوي فرق بينها بالجهة، فذكر أن الأولى على شاطئ البحر والثانية بظاهر القاهرة فليتنبه لذلك.
(٣) «النجوم الزاهرة» جـ ١٠/ ١٨٥ هامش.
(٤) (طرح الشريب) للعراقي وولده جـ ١/¬١٦.
(٥) انظر (فتح المغيث) له جـ ٤/ ١٦٥.
[ ١ / ٢٩٧ ]
وبعض أولاده أحد كتب علوم السنة بها سنة ٧٧٤ هـ ودفنت خلفها زوجته الأولى سنة ٧٨٣ هـ كما سبق ذكره».
وقد بدأ العراقي دراسته للسنة على العادة بحفظ كتاب «مختصر في الحديث» وهو كتاب «الإلمام بأحاديث الأحكام» (^١) تأليف إمام عصره، تقي الدين بن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ هـ، وقد جمعه مما صححه، أو زكى رواته أحد من أئمة الحديث، مع حذف السند للاختصار، وهو يقع في مجلد عادي مخطوط وقد كان في عصر العراقي محل عناية الدارسين ومعتمد العلماء (^٢) حتى أوصى الذهبي طلاب الحديث الاهتمام بحفظه ودرسه (^٣).
ولهذا بدأ العراقي بحفظه، وذكر لتلميذه ابن حجر أنه حفظ منه ٤٠٠ سطر في يوم واحد، فاستدل ابن حجر وغيره بذلك على تمتع العراقي بجانب فرط الذكاء، بملكة الحفظ وسرعته (^٤).
وقد ذكر العراقي أنه قرأ أكثر هذا الكتاب على شهاب الدين أحمد بن أبي الفرج المشهور بابن البابا المتوفى في العشر الأخير من شوال سنة ٧٤٩ هـ (^٥)،
_________________
(١) «الضوء اللامع»، للسخاوي جـ ٤/ ١٧١، ١٧٢ وه «مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة».
(٢) «طبقات الشافعية» للأسنوي ص ١٩٣ (مخطوط) و«البدر المنير في تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير» لابن الملقن ج ١/¬٦ أ، ب (مخطوط مصور) و«فهرس المخطوطات المصورة بمعهد المخطوطات» جـ ١ (علم الحديث والمصطلح) ص ٦١.
(٣) «بيان زغل العلم والطلب»، للذهبي ص ٨.
(٤) «المجمع المؤسس»» / ١٧٧ و«لحظ الألحاظ»، ص ٢٢٧ وه «مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة».
(٥) «ذيل وفيات الأعيان» له/ ٦ أ (مخطوط مصور).
[ ١ / ٢٩٨ ]
وأقره تلميذه ابن فهد (^١).
ولعل تلك القراءة صاحبت حفظه للكتاب، كما فعل فيما حفظه من كتاب «الحاوي الصغير» في الفقه، حيث اشتغل بحفظه أثناء دراسته على شيخه الرشيدي كما تقدم.
وقد ذكر المؤرخون أن ابن البابا كان أول شيخ قرأ العراقي عليه الحديث عند طلبه بنفسه ٧٤٢ هـ (^٢)، فلعلهم يقصدون إلى قراءته هذه لمعظم «الإلمام» عليه، ويضيف العراقي إلى القراءة قوله: «واستفدت منه كثيرًا» (^٣).
وهذه العبارة صريحة في بيان نشاطه منذ بدأ الطلب بنفسه سنة ٧٤٢ هـ في تحصيل علوم السنة من علمائها على الوجه المطلوب، بعكس ما يدعي ابن حجر ومن تبعه؛ حيث كان ابن البابا كما سيأتي يعمل بتدريس الحديث، ومن حفاظه الجامعين بين الرواية والدراية، كما يعتبر كتاب «الإلمام» المذكور من عوالي مسموعاته؛ لأنه من تلاميذ ابن دقيق العيد مؤلف الكتاب (^٤)، وبين قراءة العراقي عليه سنة ٧٤٢ هـ، ووفاة ابن دقيق العيد سنة ٧٠٢ هـ نحو ٤٠ سنة، وهذا يُعرف في الاصطلاح بالعلو بتقدم وفاة المروي عنه (^٥).
فتكون قراءة العراقي عليه دليل حرصه على تحصيل عوالي المرويات أولا كما
_________________
(١) (لحظ الألحاظ)، ص ١٢٨.
(٢) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و(المنهل الصافي) لابن تغري بردي جـ ٢/ ٣١٢ ب.
(٣) (ذيل وفيات الأعيان)، له ٦ أ.
(٤) (لحظ الألحاظ) / ١٢٨.
(٥) (فتح المغيث)، للعراقي جـ ٣/ ١٠٤ و(مقدمة ابن الصلاح)، ص ٢٦١.
[ ١ / ٢٩٩ ]
تقضي قواعد طلب الحديث (^١)، ولعل هذا أيضا يفسر لنا لماذا كان الحافظ ابن البابا أول من قرأ العراقي عليه الحديث، ولم يكن عز الدين ابن جماعة صاحب الفكرة والتوجيه الأول؛ لأن من آداب المحدث أن يوجه الطالب للرواية إلى من يعلم أنه أرجح منه في المطلوب، من علو السند، أو اتصال روايته بالسماع، وغير ذلك من المرجحات (^٢).
فلا يبعد إذن أن تكون قراءة العراقي لهذا الكتاب على ابن البابا واستفادته الكثيرة منه بتوجيه من ابن جماعة نفسه ضمن بيانه للعراقي المنهج الصحيح لطلب السنة كما قدمنا، وهذا أيضا مما يرد دعوى ابن حجر: أن العراقي لم يطلب الحديث على وجهه منذ البداية، وأنه لم يلتق بابن جماعة إلا مؤخرا، وسيأتي تلقيه عنه عوالي مروياته.
وبعد تلك البداية المعتادة نجد العراقي يجري على قواعد الطلب أيضا، فيبادر بسماع صحيح البخاري لترجيحه، ولما في تبويبه من فقه السنة، ثم بسماع صحيح مسلم (^٣).
فبالنسبة لصحيح البخاري، سمعه بالقاهرة على عبد الرحيم بن عبد الله بن يوسف الأنصاري المعروف بابن شاهد الجيش، والمتوفى في ٧ من ربيع الأول سنة ٧٤٦ هـ، وهو آخر من حدث بصحيح البخاري عاليا من طريق المصريين (^٤).
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٨٥، ٨٦.
(٢) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٧٦ و(المحدث الفاصل) للرامهرمزي/ ٣٥٢.
(٣) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٣٣٢.
(٤) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١١ ب و(لحظ الألحاظ) / ٢٢٢ و(ذيل التقييد) للتقي الفاسي/ ٢١٩ أ و(الدرر الكامنة)
[ ١ / ٣٠٠ ]
وقد لقبه العراقي بمسند الديار المصرية (^١) وقال: «سمعت عليه صحيح البخاري» (^٢).
وحدد ذلك بسنة ٧٤٥ هـ وبين أن السماع كان بقراءة شخص على الشيخ، والعراقي وغيره يسمعون (^٣)، كما ذكر في مؤلفاته كثيرًا من أحاديث البخاري بروايته عنه (^٤)، ونظرًا لكونه من أقدم شيوخ العراقي وفاة، وتمتع بالسند العالي حتى كان مسند الديار المصرية في وقته، فإن العراقي انتهز فرصة حياته واستطاع بسعيه الدائب أن ينفرد بالسماع الشفاهي منه لبعض عواليه غير صحيح البخاري، مثل «المعجم الكبير» للطبراني، فقد روى بعض أحاديث المعجم عن أحد شيوخه المتأخرين ثم قال: «وأخبرني به عاليا أبو علي عبد الرحيم ابن عبد الله بن يوسف الأنصاري مشافهة» (^٥).
وتجدر الإشارة إلى أن السخاوي ذكر انفراد العراقي عن رفيقه نور الدين الهيثمي بالتلمذة على ابن شاهد الجيش (^٦)، وسيأتي في التعريف بالهيثمي رد ذلك إن شاء الله.
_________________
(١) = ج ٢/ ٤٦٦ و«الأعلام»، لابن قاضي شهبة جـ ١/ ٧٦ أ.
(٢) (قرة العين بالمسرة بوفاء الدين) له/ ٣٨ أ (مخطوط).
(٣) «ذيل وفيات الأعيان»، له/ ٣٢ أ (مخطوط مصور).
(٤) «قرة العين» ٤٧ أ.
(٥) «قرة العين» / ٢٦، ٣٨، ٤٧.
(٦) «محجة القرب» / ١٠ أ، وب و٢٤ أ، ب (من نسخة المؤلف الخطية) وص ١١٠، ١١١ من نسخة المغرب.
(٧) «الضوء اللامع»، جـ ٥/ ٢٠٠.
[ ١ / ٣٠١ ]
أما صحيح مسلم فقد صرح بسماع بعضه (^١)، بينما صرح المؤرخون بسماعه كله (^٢)، فلعلهم تجوزوا، وقد كان السماع بمدينة مصر خلال سنة ٧٤٧ هـ تقريبا، على المسند المعمر زين الدين عبد الرحمن بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي المتوفى بالشام سنة ٧٤٩ هـ، والذي تفرّد في وقته بسماع صحيح مسلم عن ابن عبد الدايم، حتى ذكر العراقي أن أحد أمراء المماليك أحضره من الشام إلى القاهرة، وهو في أواخر حياته، وسمع عليه صحيح مسلم، وذلك من مظاهر العصر في اهتمام الحكام بالسنة، ثم ذكر تنقل الشيخ في عدة أماكن بمصر والقاهرة، فحدث بصحيح مسلم، وسمعه عليه خلائق، منهم العراقي، وقد اضطر مسجل السامعين على الشيخ بالمدرسة الصالحية إلى ترتيبهم على حروف المعجم لكثرتهم (^٣)، حتى يسهل وقوف كل منهم على إثبات سماعه كما أشرنا من قبل في كيفية طلب الحديث، ومع هذا التزاحم الدال أيضًا على كثرة طلاب السنة حينئذ، استطاع العراقي بهمته أن يحصل من ابن عبد الهادي على إذن شفاهي له خاصة بالرواية عنه، وروى به فعلا عنه في بعض مؤلفاته (^٤)، وبذلك اتصل سنده بمرويات هذا المسند الكبير من الصحيح وغيره، بل استطاع أن يسمع عليه بعض كتب السنة النادرة مثل «الترغيب والترهيب» للرازي، وبعض ما انفرد بسماعه عن مؤلفيه
_________________
(١) (الأعلام) لابن قاضي شهبة جـ ١/ ١٩٥.
(٢) (الأعلام) لابن قاضي شهبة جـ ١/ ٩٤ ب، ٩٥ أ وو(الدرر الكامنة) جـ ٢/ ٤٥١ أصل وهامش.
(٣) (الدرر الكامنة) جـ ٢/ ٤٥١ أصل وهامش.
(٤) (فتولى عاشوراء) للعراقي (مخطوط).
[ ١ / ٣٠٢ ]
ك (الأربعين النووية) حيث كان آخر من حدث عن النووي بالسماع (^١).
وقد ذكر ابن حجر والسخاوي انفراد الهيثمي عن العراقي بسماع صحيح مسلم على ابن عبد الهادي، مع أنهما أيضًا ذكرا كغيرهما، سماع العراقي من ابن عبد الهادي (^٢)، فلعل مرادهما انفراد الهيثمي بسماع الكتاب كاملا.
ولم تقف همة العراقي عند جانب الرواية بأنواعها من السماع والقراءة للمصادر الأصلية والفرعية للسنة على ذوي السند العالي والإجازة منهم كما رأيت، بل اهتم أيضًا بالتلمذة على حفاظ السنة، الجامعين بين الرواية والدراية بأحوال السند والمتن وفقه السنة، لينتفع بهم في تحصيل الأمرين معًا كما تقضي قواعد دراسة السنة وعُرف العصر (^٣)، ولهذا فإنه بجانب سابق استفادته الكثيرة من الحافظ ابن البابا، اتجه لحافظ آخر من أعلام القاهرة في عصره، وهو قاضي القضاة علاء الدين بن التركماني المتوفى سنة ٧٥٠ هـ على الأكثر، وقال عنه: (سمعت عليه صحيح البخاري، وصنّف كُتبًا مفيدة) وذكرها (^٤).
ويذكر المؤرخون أن هذا السماع كان مصاحبًا لسماعه المتقدم للبخاري أيضًا على ابن شاهد الجيش (^٥)، والذي أرخه سنة ٧٤٥ هـ، فكأنه كان يتردد على
_________________
(١) «الأعلام»، جـ ١/ ٩٥ أ.
(٢) «ذيل الدرر الكامنة» / ٨٥ و«المجمع المؤسس» / ١٧٦ كلاهما لابن حجر و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ هـ/ ٢٠٠ وج ٤/ ١٧١.
(٣) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/¬٢٢، ٢٣ و«زغل العلم والطلب» للذهبي/ ٦ - ١٢ و«المحدث الفاصل» للرامهرمزي/ ٢٢٦، ٢٣٨ - ٢٦٥ و«مختصر نصيحة الخطيب» لأهل الحديث/ ٣٠، ٣١.
(٤) «الأعلام»، لابن قاضي شهبة جـ ١/ ١١٦ أ.
(٥) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٢ ب.
[ ١ / ٣٠٣ ]
مجالسهما معا، وذلك من أجلى صور عنايته بتحصيل الرواية والدراية جنبًا إلى جنب؛ ذلك أن سماع الكتاب الواحد على أكثر من شيخ كما فعل، يرجع إجمالا إلى أمرين:
أحدهما: تعدد روايات الكتاب عن مؤلفه في المتن، بحيث يوجد في بعض الروايات ما ليس في غيرها (^١)، وفي الإسناد، بحيث يكون بعضها أعلا أو أوثق من بعض، كاتصال بعضها بالسماع والآخر بالإجازة، ووجود مجروح في سند بعضها دون الآخر، ونحو ذلك من المميزات والعلل، وهي لا تجتمع لشيخ واحد بعد مؤلف الكتاب، كالإمام البخاري أو الرامهرمزي وغيرهما.
ثانيهما: تفاوت العلماء المشتغلين بنشر علوم السنة وتعليمها، وقد قال البخاري: «إذا سمع الحديث من رجل، ووجد من هو أعلم منه، فالسنة أن يسمع عنه (^٢)» وفي عصر العراقي، كان المشتغلون بالسنة متفاوتين: فمنهم المسند - بكسر النون - أو الراوي، ومهمته الرواية لغيره، بأن يؤدي المرويات الحديثية بسندها - لا سيما العالي الموثق - كما تحملها عن شيوخه مضبوطة محررة، دون أن يتعرض لغير ذلك من علوم السنة، كما سنوضحه في ألقاب العراقي.
ومنهم من يعني ببيان علوم السنة بجانب الرواية لما تحمله عن شيوخه أيضًا، وهذا يُلقب بالمحدّث أو الحافظ كما سنوضحه أيضًا (^٣).
_________________
(١) هـ التقييد والإيضاح، للعراقي/ ٥٤
(٢) و«طبقات أصحاب الشافعي» (آخر أمالي العراقي الحديثية) مخطوط.
(٣) وينظر: فتح المغيث، للعراقي جـ ١/¬٧ و٥ الدرر المنتظمة، لنجم الدين الغيطي/ ١٠ ب، ١١ أ، وهـ تدريب الراوي، للسيوطي/ ٧ - ١٢.
[ ١ / ٣٠٤ ]
كذلك كانت قواعد التوثيق والتجريح للرواة الأول للسنة، تطبق على المشتغلين بها بعدهم، من المسندين والمحدثين والحفاظ، حتى عصر العراقي (^١).
ولهذا كله، وجدنا العراقي يكرر التلقي عن أكثر من شيخ للكتاب الواحد من أمهات أو فروع مصادر السنة، في الرواية والدراية، كما نرى بالنسبة لصحيح البخاري وكما سيأتي بالنسبة لغيره، وذلك لتحصيل المميزات العلمية، وجبر النقص أو الضعف، وقد أشار العراقي بنفسه إلى ذلك، فقال عن شيخه محمد بن أبي القاسم بن مظفر الفارقي المتوفى سنة ٧٦١ هـ: «وكان قد اعتنى بطلب الحديث، فقرأ بنفسه، وكتب، ورحل، وأفاد، وكان أحد الشهود المعدلين بالقاهرة، إلا أني سمعت من يتكلم فيه في الشهادة، فلذلك قرنته في الرواية بأبي الحرم القلانسي» (^٢) والقلانسي أحد شيوخ العراقي الثقات، وتأخرت وفاته عن الفارقي إلى سنة ٧٦٥ هـ (^٣)، فلعل العراقي أعاد عليه مروياته السابقة، أو تلقى عنهما في زمن متقارب، بالتردد عليهما جبرا لجرح الأول، كما تقضي قواعد النقد للرواة، ومصداق ذلك موجود في مؤلفات العراقي عند روايته عن الفارقي (^٤).
أما سماعه البخاري على ابن التركماني مع سماعه أيضًا على ابن شاهد
_________________
(١) «طرح التثريب في شرح التقريب» للعراقي وولده جـ ١/ ١٠٦، ١٠٧ وه المجمع المؤسس/ ٧٠، ٧٧.
(٢) «طرح التثريب في شرح التقريب» (للعراقي وولده جـ ١/ ١٠٦، ١٠٧ و(المجمع المؤسس) / ٧٠، ٧٧.
(٣) (طرح التثريب) ج ١/ ١٠٦، ١٠٧.
(٤) (تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد) / ٤ و٥ الأربعين العشارية) / ١٩ ب.
[ ١ / ٣٠٥ ]
الجيش، فيرجع إلى أن الأخير كان مسندا فقط، مهمته الرواية وميزته أنه آخر من حدث بالكتاب عاليا من طريق المصريين، فاستفاد العراقي منه جانب الرواية مع العلو، وأما ابن التركماني، فكان مُحدثا حافظا، مهمته الأولى الدراية بالشرح والبيان، وبذلك يتميز عن المسند، فيحتاج العراقي للتلقي عنه، ولو بسند نازل؛ ليستفيد منه بحث السند والمتن، ودراية أحكامهما، بجانب الرواية، وبهذا يحصل بسماعه من كل منهما ما لم يحصله من الآخر، ويجتمع له منهما، جانبي الرواية والدراية، كما تقضي قواعد دراسة السنة على الوجه المنشود، بل إننا نجده يقرأ هذا الصحيح كاملا بنفسه بعد ذلك على قاضي القضاة محمد بن عبد البر السبكي المتوفى بظاهر دمشق سنة ٧٧٧ هـ (^١).
والتماس الميزة لذلك أيضا يسير، فإن رواية ابن شاهد الجيش، من طريق «كريمة المروزية» ومع علوها ليست متصلة له بالسماع (^٢)، وقد تلقاها العراقي عنه بالسماع عليه، أما رواية السبكي فهي من طريق آخر، واتصلت له بالسماع (^٣).
وقد تلقاها العراقي بقراءته بنفسه عليه، والسبكي أيضا من أهل الدراية، وهكذا يجتمع للعراقي بالسماع والقراءة والدراسة المتعددة للكتاب الواحد على عدة شيوخ كثير من ميزات الرواية وفوائد الدراية، فيضاعف رصيده وتجود وتعلو أسانيده، وتتكامل ثقافته الحديثية، وقد وجد من معاصريه من
_________________
(١) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» / وفيات سنة ٧٧٧ هـ.
(٢) «الأعلام» لابن قاضي شهبة جـ/ ٨ ب.
(٣) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» / وفيات سنة ٧٧٧ هـ.
[ ١ / ٣٠٦ ]
امتدح بسماع البخاري على ١٨ شيخا (^١).
وإذا كان سماع العراقي صحيح البخاري على الحافظ ابن التركماني، قد صاحب سماعه على ابن شاهد الجيش سنة ٧٤٥ هـ كما مر، فذلك يفيد أنه تتلمذ لهذا الحافظ، عقب اتجاهه للتخصص بالسنة، وطلبها بنفسه سنة ٧٤٢ هـ بقليل، وهذا مما يدفع القول بتشاغله عن الطلب حينذاك، خاصة إذا لاحظنا سابق تلمذته للحافظ ابن البابا، وكثرة استفادته منه، كما أن تلمذته لابن التركماني لم تقتصر على سماع البخاري وبحثه عليه كما هو شأن السماع على الحافظ، وإنما يذكر المؤرخون أنه أخذ عنه علم الحديث، وانتفع منه، وتخرج به (^٢).
وهذا يدل على ملازمته له ومواظبته على دروسه، حتى يتمكن من الانتفاع بعلمه، ومن أخذ علم الحديث عنه، وهو علم المصطلح بفنونه المختلفة كما تقدمت في الباب الأول، وقد كان لابن التركماني عناية خاصة به، وألف فيه ما شهد العراقي بوفائه بالمقصود كما سيأتي.
ولما كان ابن التركماني قد توفى على - أقصى تقدير - في مطلع سنة ٧٥٠ هـ
فإن ذلك يقضي بأن يكون العراقي قد درس عليه فنون الحديث ومصطلحه، ثم تخرج على يديه خلال سنة ٧٤٩ هـ على أقصى تقدير أيضًا، وهذا مما يدفع دعوى ابن حجر المتقدمة بأن العراقي لم يطلب الحديث كما ينبغي، وأنه لم
_________________
(١) «الأعلام»، لابن قاضي شهبة جـ ١/¬٨ ب.
(٢) (لحظ الألحاظ) / ٢٢٢ و(مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و(المنهل الصافي) ج ٢/ ٣١٢ ب و(الضوء اللامع) ج ٤/ ١٧٢.
[ ١ / ٣٠٧ ]
يتفرغ له إلا سنة ٧٥٢ هـ، أي بعد أقصى تقدير لتخرجه هذا بنحو ثلاث سنين.
ووجه الدفع: «أن تلقي فنون الحديث ومصطلحه عن هذا الحافظ الناقد وشهادته للعراقي ببلوغ درجة التخرج التي تعني الصلاحية لإفادة علوم السنة رواية ودراية، دليلان واضحان على أنه قد قطع مرحلة كبيرة من الطلب، ولازم مخرجه قبل سنة ٧٤٩ هـ هذه، وأبدى له من النشاط في الدراسة والمواظبة على البحث والتحصيل، ما يصل به لمستوى التخرج، ويجعله مستحقًا له».
وقد أشار العراقي بنفسه فضلًا عن غيره إلى صور لنشاطه المتعدد في تلك الفترة، بجانب تلمذته لابن التركماني.
فهو يقول عن رفيقه في طلب السنة، عز الدين ابن التركماني أخو شيخه ومخرجه: (قرأ وكَتَبَ وأفاد، وسمع معنا من جماعة من شيوخنا، وغيرهم .. ثم ذكر وفاته سنة ٧٤٩ هـ) (^١) وهذا يدل على أن مرافقته للعراقي في الطلب كانت متقدمة كثيرًا على تاريخ وفاته المذكور، بحيث يتسنى له كثرة السماع المشار إليها، والقراءة والكتابة للسنة ثم إفادة غيره، وقول العراقي: «سمع معنا من جماعة من شيوخنا» يدل على نشاطه هو الواسع حينئذ في تحصيل السنة وسماعها، ومرافقة طلابها المجدين في التردد على كثير من الشيوخ، حتى إن من شاركه في السماع منهم يعدون جماعة، فضلًا عن غيرهم ممن انفرد هو عن رفيقه بالأخذ عنهم.
_________________
(١) «الأعلام» جـ ١/ ٩٥ ب.
[ ١ / ٣٠٨ ]
كذلك وجد من شيوخه الذين سمع منهم بالقاهرة من توفى سنة ٧٤٩ هـ كأبي القاسم محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس (^١) وبرهان الدين الرشيدي المتقدم ذكره، وهذا يدل على تقدم سماعه منهما عن تاريخ وفاتيهما أيضًا بل إني وجدت نشاطه في الطلب حينئذ قد تعدى مدينتي مصر والقاهرة رغم تكاثر شيوخ الحديث بهما، فسعى لتحصيل الإجازات بعامة مرويات ذوي السند العالي من شيوخ الإسكندرية، مركز السنة الثالث آنذاك بالديار المصرية، فقد قال عن عبد الله بن أحمد بن هبة الله بن البوري: «سمع منه الزيلعي والبنا، وكتب إلينا بالإجازة من الثغر» وقال مثل ذلك أيضًا عن: علي بن عبد الوهاب بن الحسين بن الفرات الإسكندري، ثم ذكر وفاتيهما في سنة ٧٤٩ هـ (^٢) ويلاحظ أن كلا من الزيلعي والبنا كانا من رفقاء العراقي في الاشتغال بالسنة كما سيأتي.
وبموجب مثل هاتين الإجازتين اتصل سند العراقي بمرويات عديدة من أمهات وفروع كتب السنة في الرواية والدراية، التي لم يتح له حينئذ الرحلة لرواتها بالإسكندرية وتلقيها، من أفواههم.
وقد أورد فعلا فيما ألفه في السنة بعض مروياته بإجازة ابن الفرات المتقدم
_________________
(١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) وهامش «المجمع المؤسس» / ١٧٦، وقد ذكر به «أبو الفتح» بدل «أبو القاسم» وهو خطأ، فأبو الفتح كنية أخيه، واسمه «محمد» أيضًا ولكن لم يتتلمذ له العراقي، ولهما أخ ثالث اسمه «محمد» كذلك ويلقب بصلاح الدين، وسمع منه العراقي أيضًا وتوفي سنة ٧٦٣ هـ (انظر ذيل ولي الدين) / وفيات سنة ٧٦٣ هـ، و«الدرر الكامنة» / جـ ٤/ ٣٥٥ و«لحظ الألحاظ» / ٢٢٢ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.
(٢) و«الأعلام» لابن قاضي شهبة جـ ١/ ٩٣ ب، ٩٧ ب.
[ ١ / ٣٠٩ ]
فقال: «وكتب إلي من ثغر الإسكندرية: علي بن عبد الوهاب بن الفرات عن أبيه» .. إلخ (^١).
وبهذا يظهر لنا سعة نشاطه واهتمامه بتحصيل علوم السنة، رواية ودراية من مراكزها وأهلها بالعاصمة وخارجها، وذلك قبل سنة ٧٤٩ هـ التي جعلناها حدًا أقصى لتخرجه.
كما يظهر لنا أن نشاطه في التحصيل والرواية كان ماثلًا أمام مخرجه الحافظ ابن التركماني، إما بالتلمذة المباشرة له، وإما لمصاحبته أخاه وعشيره عز الدين المتقدم، في التلمذة لكثير من شيوخ الحديث الآخرين، ومن هنا فإن شهادته له بالتخرج في علوم السنة صدرت عن دراية كافية بمبلغ علمه وتحصيله، وبالتالي جاءت دالة على جدارته حينئذ بالتخرج.
وبموجب تخريج ابن التركماني له صارا واحدًا من المحدثين الصالحين لنشر السنة وتعليمها رواية ودراية، وممارسة التأليف فيها.
وعليه تكون دعوى الحافظ ابن حجر ومن تبعه، بأن العراقي لم يطلب الحديث على وجهه إلا بعد سنة ٧٥٢ هـ، أي بعد وفاة مخرجه ابن التركماني بنحو عامين، دعوى منافية للواقع والصواب.
وقد أشار العراقي وكذا غيره إلى ما كان له فعلًا في هذا الوقت المبكر من نشاط بين علماء السنة وتقديرهم له:
فهو يقول عن نفسه: وقد سمع مني صاحبنا العلامة أبو محمد أحمد بن
_________________
(١) «فتوى عاشوراء» للعراقي/ ٥١ (مخطوط).
[ ١ / ٣١٠ ]
إبراهيم المقدسي، ولي عشرون سنة، سنة ٧٤٥ هـ (^١) وقد ذكر هذا ضمن الأدلة على أن المحدِّث إذا احتيج إليه في رواية ما تحمله من الحديث قبل أن يعلو سنه، فينبغي عليه أن يبادر لذلك في أي سن كان، ويلاحظ أن العراقي بجانب حداثة سنه حينئذ، لم يكن مضى على طلبه للسنة بنفسه غير نحو ٣ سنين، أما أبو محمد المقدسي الذي سمع منه، فيعتبر من طبقة شيوخه ذوي الإسناد العالي؛ لسماعه الكثير من النجيب الحراني وطبقته، كما أنه من أهل الدراية بعلوم السنة، حتى شرع في شرح «سنن أبي داود» وتوفي سنة ٧٦٥ هـ (^٢)، فمجرد سماعه من العراقي يحمل أكثر من دلالة:
فهو دليل على أنه قد اختُسِبَ حينئذ من أهل الفن المعنيين به، حتى وثق فيه من هو أعلا وأقدم منه، رواية ودراية، فأقدم على السماع منه، ثم الرواية عنه، كما يدل ذلك أيضًا على أن العراقي حينذاك كان متحملًا لما احتاج المقدسي إلى سماعه منه، أو على الأقل لما رغب في سماعه منه بالذات، وقد عد العراقي ذلك من رواية الأكابر عن الأصاغر في السن والعلم، تبعًا لمصطلح علوم السنة (^٣).
ويرى العلماء في هذا النوع من الرواية تنويها من الكبير المتقدم في الفن،
_________________
(١) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٣/ ٧٤ وفيه: (أبو محمود محمد) والصواب ما ذكرته اعتمادًا على المصادر الأخرى
(٢) (لحظ الألحاظ) / ١٤٨ و(الدرر الكامنة) ١/¬٥/¬٢٥٧ و(ذيل ولي الدين ابن العراقي) وفيات سنة ٧٦٥ هـ
(٣) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٣/ ٧٤
[ ١ / ٣١١ ]
بشأن الصغير الناشيء، وتقديرا لنشاطه، وتوثيقًا له، للأخذ عنه، اقتداءً بالكبير، ولذلك يعدونه من مفاخر الكبير الراوي، والصغير المروي عنه، إذ يدل على أريحية الأول وإنصافه، كما يدل على تقدم الثاني في الفن، والثقة بمحصوله منه (^١).
وبذلك كان سماع المقدسي من العراقي سنة ٧٤٥ هـ إقرارًا عمليًا من أحد المحدثين المعتمدين بصلاحيته منذ ذلك التاريخ للتحديث، ودعوة صريحة لطلاب السنة للأخذ عنه ما يحتاجونه فيه، فهل بعد هذا يسوغ القول بأنه تشاغل عن الجد في الطلب إلى سنة ٧٥٢ هـ؟.
ومن مظاهر النشاط الكبير للعراقي في مجال السنة في تلك الفترة أيضًا ما ذكره ابن حجر صاحب دعوى التراخي والتشاغل، وغيره (^٢): أنه أولع وهو في نحو العشرين من عمره بتأليف كتاب في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للغزالي، ومعنى هذا أنه تصدى للتأليف في نفس سنة ٧٤٥ هـ التي أعطاه المقدسي فيها إشارة اعتماده أنه محدث، وذلك بالسماع منه كما مر؛ لكن ابن حجر يذكر إقدام العراقي على هذا التأليف، في معرض انتقاده له بالتعجل في الاشتغال بالتأليف، بينما يذكره غيره دليلًا على همة العراقي وتقدمه في التحصيل والإنتاج، ونحن نسلم ابتداء بأن هذا اتجاه مبكر للإنتاج في مجال السنة، بل تعجل من العراقي لجني ثمار محصوله من علومها قبل النضج، لكننا نتراجع كثيرًا عن هذا، حين نعلم أنه لم يخرج تلك الباكورة من تحت يده للمرة الأولى إلا بعد نحو ٦ سنين من تاريخ الشروع فيه، فكأن
_________________
(١) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٣/ ١٥٩.
(٢) «المجمع المؤسس» / ١٧٦ و«لحظ الألحاظ» / ٢٢٨.
[ ١ / ٣١٢ ]
البداية كانت مجرد حرص على السبق العلمي لموضوع الكتاب، حيث لم يُعْرَفْ من تصدى قبله لتخريج أحاديث الكتاب بأكمله.
وقد ظل يشتغل به، ويستفيد في إنجازه من دراسته وبحثه طيلة هذه المدة، كما أنه رافقه في إعداد مواده العلمية محدث ناضج، هو الإمام الزيلعي، كما سيأتي، ثم ظل العراقي معنيا بإكمال نقص الكتاب وتهذيبه خلال ٩ سنين أخرى، كما سنوضحه عند ذكر مؤلفاته.
ونكتفي هنا بذكر بعض الدلالات التي نأخذها من إقدام العراقي على هذا التأليف الضخم وإنجازه في صورته الأولى، والتي تشير بإجمال إلى مبلغ علمه وتحصيله حينذاك، وتؤكد بطلان ما سبق من دعوى ابن حجر ومن تبعه بأن تأليف هذا التخريج يعتبر تشاغلا عن الطلب:
فمن ذلك أن إقدامه على تخريج كتاب كبير كـ «الإحياء» يتناول علوم الدين في العقيدة والشريعة والأخلاق، دليل على إطلاعه على ما يشمل ذلك من جوامع السنة، وكتب رجالها، وفقهها ومصطلحها، كما يظهر من واقع الكتاب، ولا شك أن التعرف على المراجع والاطلاع عليها والبحث فيها والاستفادة منها ركن أساسي في الطلب، وليس تشاغلا عنه، وحسبنا في ذلك ما قرره العلماء من شيوخ ابن حجر وأقران العراقي: أن التصنيف أحد طريقي التحصيل (^١).
كذلك يدل عمله في الكتاب على أنه توفر له خلال إنجازه الأول قدرًا جيدًا.
_________________
(١) (البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير)، لابن الملقن جـ ١/¬٧ ب (مخطوط مصور).
[ ١ / ٣١٣ ]
من الخبرة بفنون المصطلح، وعلم الرجال وقواعد النقد، وبحث الأسانيد والمتون، وبيان حالهما.
وغير ذلك مما سنفصله، وهذا يعد تطبيقا عمليا شاملا لما كان يتلقاه في نفس الفترة من فنون الحديث، على يد أساتذته المتقدم ذكرهم، كابن البابا وابن التركماني وابن جماعة، ومن المقرر أن التطبيق العملي خير ما يعين على فهم الدراسة النظرية، ويثبت قواعدها واصطلاحاتها في الذهن، فكيف يعد ذلك تشاغلا عن الطلب وهو ألزم شئ له؟
ثم يقر ابن حجر مع سواه، بأن العراقي قد فرغ من تسويد هذا الكتاب في ٤ أو ٥ مجلدات سنة ٧٥١ هـ، فلو كان مشتغلا به عن الطلب على يد الشيوخ، لما استغرق منه - بما عرف عنه من مواهب ونشاط - تلك المدة من سنة ٧٤٥ هـ إلى سنة ٧٥١ هـ، ثم إذا كان لم يطلب الحديث على وجهه إلا سنة ٧٥٢ هـ كما يدعي ابن حجر ومن تبعه، فكيف تسنى له إنجاز هذا العمل العلمي الضخم قبل هذا التاريخ بنحو عام؟
إن إنجاز هذا الكتاب بجانب نشاط العراقي المتقدم، وتخرجه، مما يجعل تلك الدعوى أبعد شي عن الواقع والإنصاف، خاصة وأن مثيرها الأول وهو الحافظ ابن حجر ﵀ قد اطلع على الكتاب واستفاد منه في عيون مؤلفاته كما سيأتي ..
ويقرر ابن حجر أيضًا في معرض ما أسماه تشاغلا من العراقي عن الطلب بالتخريج، إخبار العراقي له أنه رافق أثناء العمل بتخريج الإحياء وغيره مما سيأتي: الإمام عبد الله بن يوسف الزيلعي المتوفى سنة ٧٦٢ هـ في مطالعة
[ ١ / ٣١٤ ]
كتب الحديث، حيث كان هو الآخر مشتغلًا آنذاك بتخريج أحاديث كتاب «الهداية» في فقه الأحناف، و«تفسير الكشاف» للزمخشري، فكانا يتعاونان (^١).
وعند التأمل يظهر لنا أن هذا لا يبعد بالعراقي عن نشاط الطلب، باعتباره مرافقة في المطالعة والبحث لعالم بالسنة في مرحلة نضجه، ويعد من طبقة شيوخ العراقي، كما أن هذا يدل على أن العراقي في هذه الآونة، قد بلغ درجة علمية جعلت من هو بمنزلة شيخه يعتمد عليه في أعمال علمية يتحمل مسؤوليتها، ويثق فيما يمده به من نصوص ومعلومات تدخل في تكوين مؤلفاته، على ما سيأتي توضيحه في أثر العراقي في علم التخريج.
وإذا كانت قواعد الطلب قد اقتضت العراقي أن يركز اهتمامه في التلقي على من ذكرنا من شيوخه لتقدم سنهم، حتى تخرج كما أوضحنا، فإنه قد حرص أيضًا على التلمذة الموجهه الأول في طريق السنة وهو الشيخ عز الدين ابن جماعة، فتلقى عنه كثيرًا من عوالي مروياته، وما تفرد به عن الآخرين، كما تقتضي قواعد الطلب التي بينها بنفسه للعراقي ليسير عليها، ونظرًا لتأخر وفاته كثيرًا عن الشيوخ السابقين فإن صلة العراقي به وتلمذته له قد امتدت بعمق إلى أواخر حياته، حتى شاركه في السماع عليه ولده ولي الدين.
وإذا كان العراقي بتخرجه على يد ابن التركماني، قد أصبح أحد المحدثين بمصر، فحدث وألف، فإن ابن جماعة قد لمس من نشاطه وسعة علمه، ما جعله يرفعه للدرجة التالية حينئذ للمحدث وهي درجة الحافظ (^٢)، فوصفه
_________________
(١) (الدرر الكامنة) جـ ٢/ ٤١٧ و(ذيل الدرر) ص ٧٠.
(٢) انظر (ذيل ولي الدين ابن العراقي) وفيات سنة ٧٧٤ هـ (ترجمة ابن رافع) و(تدريب الراوي) / ٨.
[ ١ / ٣١٥ ]
بالحفظ والتحقيق، وشهد له بالتفرد بعلم الحديث بالديار المصرية، وصار يستعين به في بعض مؤلفاته الحديثية، كما سنوضح ذلك في التعريف به.
وبمقتضى هذا يكون العراقي قد أصبح في حياة شيخه ابن جماعة المتوفى سنة ٧٦٧ هـ مشهودًا له - عن جدارة - بلقبي: «محدث الديار المصرية، والحافظ معا» وليس معنى ذلك حفظه لمصادر السنة عن ظهر قلب، بل المراد معرفته الجيدة بها، وفهمه لمضامينها كما سيأتي بيانه في ألقابه العلمية بالمشيئة.
أما أعلا شيوخ العراقي المصريين إسنادًا على الإطلاق، فهو أبو الفتح محمد ابن محمد بن أبي القاسم الميدومي المتوفى سنة ٧٥٤ هـ (^١)، فقد ذكر العراقي أنه تفرد في وقته بالسماع من النجيب الحراني، وعبد الله بن عبد الواحد المعروف بابن علاق، فكان آخر من حدث عنهما بالسماع على وجه الأرض (^٢)، وقد قدمنا أن السماع من هذين الشخصين كان مقياسًا لأعلا أسانيد السماع حينئذ، حتى إن دعوى تراخي العراقي في الطلب، عُمدة ابن حجر فيها، عَدَمُ تلقي العراقي عن كثيرين ممن سمع منهما، بل ذكر السخاوي أن العراقي ليس عنده من أصحاب النجيب غير الميدومي هذا (^٣)، أي لم يوجد له سماع عن أحد ممن سمع من النجيب غيره، وإلا فقد سمع من عدد ممن أجازهم النجيب.
وقد سبق ردنا على ذلك بوجود البدائل العديدة التي عرضناها من نشاط العراقي في الرواية والدراية، حتى تخرج وألف، واعتبر واحدًا من المحدثين، فحدث عنه ورافقه في البحث، من هو بمنزلة شيوخه، تقديرًا لتقدمه في
_________________
(١) «الدرر الكامنة» جـ ٤/ ٢٧٤.
(٢) «المنتقى من ذيل العراقي على العبر» سنة ٧٥٤ هـ (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية).
(٣) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.
[ ١ / ٣١٦ ]
التحصيل، ودعوة للأخذ عنه والاستفادة بعلمه.
ومع هذا فإن العراقي أدرك ميزة علو سند الميدومي، واجتهد، حتى بعد تخرجه السالف بيانه، في تحصيل أكبر قدر ممكن من مروياته الكبرى والعالية، وأكثر السماع منه والقراءة عليه بالقاهرة، كما سنبينه في التعريف به، بل إن العراقي لم يرحل خارج مصر لطلب السنة إلا قبل وفاة الميدومي بشهور، بعد استيفاء حظه الأوفى من عواليه، كما سنفصله عقب تعريفنا بأهم شيوخه في تلك المرحلة بما فيهم الميدومي.