ولما كان علم الفقه في مقدمة علوم العصر كما أشرنا في الكلام عليه أيضًا فإن أول ما ذكره المؤرخون للعراقي بعد حفظ القرآن الكريم، حفظ كتاب «التنبيه» (^١). وهو كتاب مشهور موجز في فقه المذهب الشافعي، الذي تمذهب به العراقي كما أسلفنا، وتقع بعض نسخه المطبوعة في ١٦٠ صفحة، وقيمته في تعليم العراقي تظهر من قول مؤلفه (^٢) في مقدمته. وهذا كتاب مختصر في أصول المذهب، إذا قرأه المبتدئ وتصوره، تنبه على أكثر المسائل، وإذا نظر فيه المنتهي تذكر به جميع الحوادث إن شاء الله (^٣).
ولعل هذا مما جعله محل العناية، حفظًا ودراسة وشرحًا، حتى عصر
_________________
(١) (المجمع المؤسس) ص ١٧٦ و«ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠ و(إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٦ ثلاثتهم لابن حجر، و«الأعلام» (جـ ٤/ ٢١٤) و(طبقات الشافعية) ورقة ١١٠ ب وكلاهما لابن قاضي شهبة و«بهجة الناظرين» للغزي ص ١٢٩ و(لحظ الألحاظ) / ٢٢١ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧١، و«شذرات الذهب» جـ ٧/ ٥٥ و(مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة)
(٢) هو إبراهيم بن علي المشهور بالشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦ هـ، انظر «طبقات الشافعية للسبكي ج ٣/ ٨٨»
(٣) (مقصد التنبيه في شرح خطبة التنبيه) لمحمد ابن جماعة ص ٢
[ ١ / ٢١٥ ]
العراقي، رغم تأليفه في سنة ٤٠٢ هـ (^١) ولم أجد من عني بتحديد شيخ عرض عليه العراقي هذا الكتاب بعد حفظه، تبعًا لجريان المنهج التعليمي حينئذ لمختلف العلوم النقلية حتى علم الخط (^٢) على منهج المحدثين في تلقيهم السنة وعلومها بالسند من الشيوخ كما سيأتي، ولذلك نجد في ترجمة تقي الدين السبكي شيخ العراقي مثلًا، أنه عرض محافظه من كتاب «التنبيه» المذكور وغيره، أي قرأها من حفظه، على ابن بنت الأعز وغيره من مشاهير عصره (^٣).
ونجد في ترجمة ابن حجر تلميذ العراقي أيضًا، أنه حفظ كتبا من مختصرات العلوم وعرضها على العادة على جماعة، من أئمة العصر، وكتبوا خطوطهم بذلك (^٤).
وقد حَصَلْتُ بحمد الله على تحديد العراقي لذلك بالنسبة لنفسه، حيث ترجم لقاضي القضاة وشيخ خانقاه أرسلان، التي ولد بجوارها، وهو علم الدين علي بن محمد الإخنائي الشافعي المتوفى سنة ٧٤٩ هـ.
وقال: عرضت عليه (التنبيه) وأخذت عليه عدة دروس فيه (^٥) فلعل من ترجموا للعراقي، قد استغنوا بشهرة ذلك عن ذكره، واكتفوا بدلالة ذكر محفوظاته على عرضها، تبعًا لمنهج العصر، حتى إنهم ذكروا حفظه لعدة
_________________
(١) «فهرس مكتبة الأزهر» جـ ٢/ ٤٧٩.
(٢) (الجواهر والدرر) ورقة ٢٩ ب.
(٣) «طبقات السبكي» جـ ٦/ ١٤٩.
(٤) «الجواهر والدرر» ورقة ١٨ أ.
(٥) «الأعلام» لابن قاضي شهبة ج ١/ ٩٥ ب.
[ ١ / ٢١٦ ]
كتب أخرى - غير التنبيه - دون إبداء أي تفصيلات عنها (^١).
واهتم بعضهم فقط بذكر بعض التفصيلات عن كتابين سوى «التنبيه» أحدهما في الحديث وسيأتي.
والثاني في الفقه الشافعي أيضًا ويُعرف بـ «الحاوي الصغير» تأليف الإمام عبد الغفار المشهور بالقزويني المتوفى سنة ٦٦٥ هـ (^٢) وهو أوسع قليلًا من «التنبيه»، فبعض نسخه الخطية تبلغ ١٢٨ ورقة متوسطة، ويجمع بين وجازة اللفظ ودقة المعنى وحسن التصنيف، ولذا عكف عليه العلماء نظمًا وشرحًا (^٣).
وكان من شيوخ العراقي من يحث طلابه على الاشتغال به ومن علماء عصره من كان يمتدح بحفظه وتدريسه (^٤).
وقد أراد العراقي أن يجمع بين حفظه ودراسته، فاتجه بذلك إلى أحد شيوخه وهو الشيخ برهان الدين إبراهيم بن لاجين الرشيدي الذي عُرف بإجادة عدة علوم حتى علم الطب، وإن اشتهر بالتصوف، وكان يدرس لطلبته في الأصول كتاب ابن الحاجب وفي الفقه كتاب الحاوي المذكور، وتوفي بظاهر القاهرة سنة ٧٤٩ هـ (^٥) وحكى العراقي أنه قال له: «أريد أن أحفظ الحاوي في شهر، فقال الشيخ: لا يمكن، فأصر العراقي قائلا: لابد
_________________
(١) «ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠ لابن حجر و«الأعلام» جـ ٤/ ٢١٩ أو «طبقات الشافعية» ورقة ١١٠ ب وكلاهما لابن قاضي شهبة و«بهجة الناظرين» ص ١٢٩ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.
(٢) «طبقات الأسنوي» ص ٧٧ (مخطوط بدار الكتب المصرية).
(٣) «كشف الظنون»، ٦٢٠، ٦٢٧.
(٤) «الدرر الكامنة»، جـ ٢/ ٣٩٠٩.
(٥) «طبقات الأسنوي» ص ١١٧ و«الدرر الكامنة» لابن حجر جـ ١/ ٧٧.
[ ١ / ٢١٧ ]
لي من ذلك (^١). فما كان من الشيخ إلا أن قال له: إفعل ما بدا لك ولكنك لا تتمه» (^٢).
ومع هذا لم يتراجع العراقي عن عزمه، حيث قال: «وشرعت في درسه فحفظت النصف في ١٢ يوما، ثم عرض لي ضَعْف، فتركت الدرس ولم يتيسر لي بعد ذلك أن أعود إليه» (^٣).
قال السخاوي: «وعُدَّ ذلك في كرامات البرهان الرشيدي» (^٤).
وحفظ العراقي لنصف هذا الكتاب في ١٢ يوما دليل على تمتعه الكبير بملكة الحفظ حينئذ، لأن الحافظ العادي من معاصريه كان يحفظ مثل هذا القدر في نحو ٣ شهور (^٥).
ولعل هذا ما جعل شيخه الرشيدي يعارضه في تحديد مدة حفظ الكتاب بشهر واحد.
وما قرره العراقي بنفسه عن تلك الخطوة التعليمية وموقفه من هذا الكتاب كما ترى، يرفع الشك والتجاوز اللذين وَرَدَا بشأنه في أكثر من مرجع ويصحح تفسير بعض المترجمين للموقف بما يخدش موهبة الحفظ المشهور بها العراقي.
_________________
(١) «الدرر الكامنة» جـ ١/ ٧٧ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.
(٢) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.
(٣) «الدرر الكامنة» جـ ١/ ٧٧.
(٤) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.
(٥) انظر «الدرر الكامنة» جـ ١/ ٤٦٣ حيث ذكر أن الأسنوي شيخ العراقي مع نباهته حفظ كتاب «التنبيه» في ٦ أشهر وهو أقل كما من «الحاوي».
[ ١ / ٢١٨ ]
فقد صرح بسبب توقفه عن مواصلة حفظ الكتاب، وهو حدوث ضعف مفاجئ له، ويظهر أنه مَرَضِي بحيث منعه من حضور الدرس فترة.
بينما نجد ابن فهد (^١) والمناوي (^٢) يذكران أن عدم إتمامه لحفظ الكتاب يرجع إلى أنه مله فتركه، وهذا يخالف ما صرح به العراقي؛ لأن تركه للملل من حفظه، غير تركه لضعف منعه منه ومن غيره كحضور الدرس، فالأول يخدش ما قدمناه من تمتعه بقوة الحافظة وسلامتها ما دام بعافية، بعكس الثاني، وقد ظن العراقي نفسه كما أشار ابن حجر عند سياق كلامه المتقدم (^٣) أن عروض هذه الوعكة المفاجئة وانشغاله بعدها، بحيث لم يتيسر له العودة لإتمام حفظ الكتاب رغم استعادة نشاطه العلمي، تُعدُّ كرامة لشيخه حال حياته، عندما عارض العراقي توجيهه، وقد صرح السخاوي بهذا كما ذكرنا، وبهذا ينتفى عن العراقي الوصف بالملل من إتمام حفظ الكتاب، كما ينفي عنه ما قد يُفهم من معاندته أو سوء سلوكه مع أساتذته، الأمر الذي يقدح فيما قدمناه من حسن خُلُقه عموما.
ويمكننا تفسير تصميمه الأول في مواجهة أستاذه، وشروعه في حفظ الكتاب رغم معارضته، بأنه مجرد إظهار لرغبته القوية في التحصيل لكونه في بداية الطلب، مع إحساسه بقوة حافظته وتمتعه بقوة العزم والإرادة كما قدمنا في مواهبه، ويضاف لذلك أيضًا أن كثرة المحفوظات كانت مقياسا لرفعة قدر صاحبها عالمًا أو متعلما، ولا سيما إذا اقترنت بالفهم، وكانت سرعة الحفظ
_________________
(١) ولحظ الألحاظ، ص ٢٢٧
(٢) و«مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة»
(٣) هـ الدرر الكامنة، ج ١/ ٧٧.
[ ١ / ٢١٩ ]
يمتدح ويكافأ صاحبها (^١).
كما أن الكتاب نفسه كانت له أهميته كما ذكرنا، ولهذا فإن انصراف العراقي عن إتمام حفظه لم يصرفه كلية عنه؛ بل درسه باستفاضة مكنته من التصدي لشرحه فيما بعد (^٢). فلعل تلك الاعتبارات مجتمعة تضع تصرف العراقي في هذه الخطوة التعليمية في إطار معتدل.
كذلك يفيدنا تصريحه بأنه حفظ نصف الكتاب في ١٢ يوما ولم يعد ثانية لإتمام حفظه، في قطع شك ابن حجر في أن شيخه أخبره بحفظ النصف في ١٢ أو ١٥ يوما (^٣)؛ لأن ابن حجر نفسه هو الناقل لهذا التصريح القاطع بـ ١٢ يوما، ولعله تأكد من ذلك بعد الشك المشار إليه.
وينفي تصريح العراقي هذا أيضا ما قطع به المناوي من أنه حفظ أكثر الكتاب، وحفظ النصف في ١٥ يوما (^٤).
وينفي أيضا: قطع ابن فهد بأنه حفظ أكثر الكتاب في ١٢ يوما وقوله: وقيل إنه حفظ جميعه في ١٥ يوما (^٥).
_________________
(١) «لحظ الألحاظ»، ص ٢٢٧.
(٢) انظر «المجمع المؤسس»، ص ٢١٦، ٢١٧، ٢١٨.
(٣) «المجمع المؤسس»، ص ١٧٧.
(٤) انظر «مقدمة شرح المناوي المتوسط لألفية العراقي في السيرة» (نسخة مكتبة الأوقاف العامة بطرابلس الغرب ليبيا) و«مقدمة الشرح الموجز» (نسخة مكتبة الأزهر برقم (١٩٧٨) سيرة وتاريخ حليم).
(٥) «لحظ الألحاظ»، جـ ٢٢١.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وينفي أيضا: قطع الشوكاني بأنه حفظ الكتاب بأكمله (^١) فليتنبه لذلك من يقف على كلام هؤلاء في مصادره المشار إليها أو غيرها.
وبعد تحريرنا لوجه الصواب في تلك الخطوة من مسيرة العراقي العلمية وتقييمها، ننتقل معه إلى خطوة أخرى حيث واصل دراسته للفقه وأصوله، فحضر فيهما دروس الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد المعروف بابن عدلان وكان شيخ الشافعية في زمانه ومضرب المثل في دراية الفقه وأصوله وتوفي بالقاهرة سنة ٧٤٩ هـ (^٢) ولم يكتف بمجرد الحضور المتقطع بل واظب مواظبة تامة على دروس بعض شيوخ عصره وذوي الكفاءة العلمية والخبرة التربوية وحسن الخلق.
ويُعبّر المؤرخون عن تلك المواظبة بالملازمة فيقولون (^٣): إن العراقي لازم الفقيه الشيخ عماد الدين محمد بن إسحق البلبيسي وقرأ عليه في الفقه، فتفقه به، وهو أحد حفاظ المذهب، وكان يحث على الاشتغال بكتاب (الحاوي) السابق ذكره، صبورًا على الاشتغال بالعلم والتعليم ودروسه لا تمل؛ لكثرة تفننه، فانتفع به خلق كثير وتوفي بالقاهرة سنة ٧٤٩ هـ (^٤) ولازم أيضًا الشيخ
_________________
(١) (البدر الطالع) جـ ١/ ٣٥٤.
(٢) الدرر الكامنة ٣/ ٤٢٣.
(٣) «مجموع ابن خطيب الناصرية» ترجمة العراقي وهـ «المجمع المؤسس» ص ١٧٦ (هامش) و(لحظ الألحاظ) ص ٢٢٦، ٢٢٧ و٥ الضوء اللامع وجـ ٤/ ١٧٢ و١ «مقدمتي شرحي المناوي لألفية السيرة» و«البدر الطالع» (جـ ١/ ٣٥٤، وهـ شذرات الذهب) ج ٦/ ١٦٤، وا «حسن المحاضرة» جـ ١/ ١٧٩.
(٤) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و(المجمع المؤسس) ص ١٧٦ و«الدرر الكامنة» جـ ٤/ ٤٧٢ وو«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٧ و«الضوء اللامع» ج ٤/ ١٧٢ =
[ ١ / ٢٢١ ]
جمال الدين الإسنوي مدرس الشافعية بالقاهرة ومفتيهم فأخذ عنه الفقه وأصوله (^١) وعظم تأثيره فيه كما سيأتي.
وأخذ علم الأصول أيضًا عن الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد «ابن اللبان» الذي درس بضريح الإمام الشافعي، وعُرف بالعلم والتصوف، وأثنى عليه العراقي بالجمع بين العلم والعمل، وتخرج به جماعة من الفضلاء وتوفي بالقاهرة سنة ٧٤٩ هـ (^٢).
كما تفقه أيضًا بأبي الحسن علي بن إبراهيم بن داود بن سليمان العطار الدمشقي (^٣) وأخذ الفقه وأصوله عن تقي الدين السبكي والعلائي وابن كثير (^٤).
ويُعتبر العلائي من شيوخه الذين لازمهم (^٥).
وسيأتي أخذه علومًا أخرى غير الفقه والأصول عن عدد من هؤلاء الشيوخ أيضًا تبعًا لما جرى به العُرف حينئذ من اشتغال العالم بجانب تخصصه بما يجيده من العلوم الأخرى.
_________________
(١) = و«حسن المحاضرة»، جـ ١/ ١٧٩.
(٢) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«المجمع المؤسس» ص ١٧٦ و«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٦ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢ و«مقدمتي شرح المناوي لألفية السيرة» و«شذرات الذهب» جـ ٦/ ٢٢٣ و«غاية النهاية» لابن الجزري جـ ١/ ٣٨٢.
(٣) و«لحظ الألحاظ» جـ ١/ ٢٢٦ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢ و«حسن المحاضرة» جـ ١/ ٢٨٠.
(٤) «شرح إحياء علوم الدين» جـ ٢/ ٣٠٠ و«المناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة» لمحمد عبد الباقي اللكنوي ص ١٤٤، ١٤٥.
(٥) «مقدمتي شرحي المناوي لألفية السيرة» و«شرح الزبيدي للإحياء» جـ ٢/ ٣٠٠.
(٦) و«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٥.
[ ١ / ٢٢٢ ]
ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل على الباحث الآن استيعاب جميع شيوخ العراقي في علم من العلوم التي تلقاها في دراسته العامة التي نحن بصددها، أو في مجال تخصصه وهو علم السنة كما سيأتي، وذلك لاعتراف مؤرخيه بكثرة من تلقى عنهم العلم جدًا، وبعدم الوقوف على مصدر جامع ولو لمعظمهم حتى في عصره، كما سنوضحه في بيان شيوخه في علوم السنة وسنذكر هناك بعض المصادر المشتملة على كثير من شيوخه بصفة عامة.
ويذكر المؤرخون أن اجتهاد العراقي في الطلب حفظًا وفهمًا ومواظبة على التلقي عن أئمة العصر جعله يتقدم في علمي الفقه وأصوله بدرجة شهد له بها أبرز شيوخه كما سيأتي، وتميز في الإلمام بهما حتى أقدم على التأليف (^١).
غير أننا لم نجد أحدًا من المترجمين يُحدّد زمن تصديه للتأليف، ولا زمن تخرجه أو إجازته ولا من خرّجه أو أجازه في هذين العلمين مع أن لهذا أهميته في بيان العمق العلمي له وتوثيقه حيث كان التعليم في عصره كما أشرنا من قبل جاريًا في عمومه على منهج المحدثين في تلقي السنة بالسند المتصل عن الشيوخ، وبناء عليه كان المنهج المعتمد لتلقي العلوم هو قراءة المؤلفات فيها للمتقدمين والمتأخرين على من له سند بها من الأساتذة سواء كانت قراءة من الحفظ أو من الكتاب، أو السماع من الأساتذة، أو من غيرهم بحضرتهم، أو الحصول على إجازتهم أو مناولتهم وغير ذلك من طرق تلقي السنة كما سيأتي، مع إثبات الشيخ ذلك كتابة للطلبة والمستجيزين حتى يثبت لهم اتصال السند.
_________________
(١) «لحظ الألحاظ» ص ٢٢٧ و«مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي).
[ ١ / ٢٢٣ ]
بمصادر العلم وتصح نسخهم منها، فيحق لهم الاعتماد عليها في نشاطهم العلمي بعد ذلك قضاءًا أو إفتاء أو تدريسا أو تصنيفا، وعندما يلازم الطالب شيخا ويكثر التلقي عنه والبحث بين يديه يَظْهَرُ للشيخ إستيعابه لأصول العلم وفهمه لمسائله وصلاحيته للإستقلال في البحث والإفادة والإفتاء، يكتب له بذلك ويلقبه باللقب العلمي الذي يستحقه، وقد يحصل عليه من أكثر من شيخ في علم واحد، وبالعكس (^١) وكلما حصل الطالب ذلك في سن مبكرة وفي فترة قصيرة ومن أكثر من واحد، كلما كان دليلا على همته ونشاطه وعمقه العلمي، وكلما ثقل الوزن العلمي لمن خرَّجه دل ذلك على عظم مكانته العلمية وتوثيقها.
ومن أجل ذلك كله كان حرصنا على تحديد زمن تخرج العراقي في الفقه وأصوله، ومن خرجه فيهما من شيوخه، بينما أغفله مؤرخوه قديما وحديثا، ولعلنا نستطيع إعطاء تقدير تقريبي من خلال الرجوع لبداية طلبه والنظر في أحوال شيوخه المتقدمين وطريقة تلمذته لهم.
فبالنسبة لأوائل طلبه: يذكر ابن حجر أن والد العراقي كان يحضره عند المشايخ فيَسْمَع منهم وهو ابن عشر سنين (^٢).
ثم نجد من شيوخ العراقي أربعة وهم: برهان الدين الرشيدي وعماد الدين البلبيسي وابن عدلان وابن اللبان، قد دَرَّسوا بعدة أماكن بالقاهرة وضواحيها حتى توفوا خلال سنة ٧٤٩ هـ، كما قدمناه، فلابد أن يكون العراقي بما عرف من سماعه من الشيوخ من صغره ونشاطه البالغ في التحصيل قد أجيز.
_________________
(١) «الجواهر والدرر» للسخاوي ١٩ ب، ٢٢ أ، ٥٢ ب و«المجمع المؤسس» / ٢١٨.
(٢) «الدرر الكامنة»، جـ ٣/ ٣٨٥.
[ ١ / ٢٢٤ ]
من هؤلاء الأربعة فضلا عن غيرهم قبل تاريخ وفاتهم المذكور.
وقد صرح بنفسه فيما تقدم بحفظ نصف «الحاوي» في ١٢ يوما، مع دراسته على الرشيدي، بل مقتضى ما أسلفناه من قراءته على البلبيسي وملازمته له أن يكون قد خرجه على منهج العصر الذي أوضحناه، وكذلك قد ذكر ابن حجر تلمذة العراقي للسبكي قبل انتقال السبكي للشام لتولي قضائها سنة ٧٣٩ هـ (^١) واتفق المترجمون للإسنوي - بما فيهم العراقي نفسه - على أنه جلس للتدريس بالقاهرة سنة ٧٢٧ هـ (^٢)، وبذلك تهيأ للعراقي من ملازمته له وبحثه عليه ما يكفي لبلوغه مرحلة التخرج عليه في وقت مبكر وإن استمرت تلمذته له إلى قرب وفاته سنة ٧٧٢ هـ كما سيأتي، لأن التخرج مجرد مرحلة دراسية وليست نهاية.
وقد ذكر ابن فهد والسخاوي اتجاه العراقي للتخصص في القراءات وانهماكه فيها مدة، ثم عدوله إلى السنة سنة ٧٤٢ هـ، ومقتضى ذلك كله أن يكون قد أجيز بعلم الفقه وأصوله من غير واحد من شيوخه بالقاهرة وضواحيها وتخرج ببعضهم وذلك قبل سنة ٧٤٢ هـ على الأقل، حتى يسوغ اتجاهه للتخصص في علم آخر، وقد كان العراقي آنذاك في السابعة عشرة من عمره، وهو سن ملائم لتخرج أمثاله في عصره، كسراج الدين البلقيني (^٣).
أما كل من العلائي وابن كثير وأبي الحسن العطار، فهم من شيوخه بالشام،
_________________
(١) «المجمع المؤسس»، ص ١٧٦ و«طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ١٥٤.
(٢) و«شذرات الذهب» جـ ٦/ ٢٢٣ و«الدرر الكامنة» جـ ١/ ٤٦٤ و«بهجة الناظرين» للغزي ص ١٣٤.
(٣) «المجمع المؤسس»، ص ٢١٨.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وقد كانت أولى رحلاته إليها في سنة ٧٥٤ هـ كما سيأتي في طلبه الحديث، وهذا لا يمنع سبق تخرجه على غيرهم كما أوضحنا، ولعل المؤرخين للعراقي وخاصة تلاميذه ومعاصريه لم ينصوا على إجازته وتخرجه اعتمادًا على ذكرهم ما يقتضي ذلك من أخذه عن الشيوخ المتقدمين قراءة وسماعًا وملازمته المشاهيرهم، وبيانهم إبداءه من المباحث القيمة أمام شيخه الإسنوي ما جعله يثني على فهمه، ويمتدحه ويستحسن كلامه في الأصول ويصغي لمباحثه، ويقول: «إن ذهنه صحيح لا يقبل الخطأ» (^١).
كما قرروا أنه كان عالمًا بالفقه والأصول (^٢) وذكروا مؤلفاته الآتية فيهما وتدريسه الفقه في المدرسة الفاضلية، أعظم مدارس القاهرة حينذاك، وفي غيرها (^٣) وتصديه للفتوى شفويًا وتحريريًا في حياة شيوخه، وتوليه القضاء كما سيأتي، وكل ذلك لا يكون إلا بعد تحقق الكفاءة والتخرج، فضلا عن الإجازة. وقد وقفت على نص إجازته لتلميذه ابن حجر بالتدريس والفتوى بما علمه من مذهب الشافعي (^٤)، وفاقد الشئ لا يعطيه فدل ذلك كله ضمنًا وواقعًا على ثبوت تخرج العراقي في علم الفقه وأصوله وإجازته من شيوخه فيهما بالفتوى والتدريس والتأليف بل كان شيخه الإسنوي يوجه الطلبة إليه ويحثهم على كتابة مؤلفاته (^٥).
_________________
(١) هـ «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢ وو«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٦.
(٢) و«ذيل التقييد» ٢١٩ ب وهـ «مقدمة شرح المناوي الموجز لألفية السيرة» و(البدر الطالع) ج ١/ ٣٥٥ وو«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٧، و(الضوء اللامع) ج ٤/ ١٧٥.
(٣) هـ «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٤.
(٤) (الجواهر والدرر) ٥/ ٥٢ ب.
(٥) و«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٧.
[ ١ / ٢٢٦ ]