هو أعلا شيوخ العراقي المصريين إسنادا (^١)، وهو مسند الديار المصرية، المعمر الرحلة، صدر الدين، أبو الفتح، محمد بن محمد بن إبراهيم البكري الميدومي (^٢) المصري، ولد في ١٤ شعبان سنة ٦٦٤ هـ، وقد حرص العراقي دون غيره ممن ترجم للميدومي، على إثبات نقطة يشترك معه فيها، وهي افتقاده المرحلة الإحضار في طفولته قبل التمييز، إلى مجالس الحديث، وإثبات اسمه في طبقات السماع، تحصيلا لعلو السند كما قدمنا، فقال: «ولم نجد له حضورا»، ثم تناول افتقاده لهذه المرحلة بالتحليل فقال: «ولم يحضره والده مجالس السماع، إلا بعد استكمال الخامسة - التي هي سن السماع عند الجمهور - فلم يوجد له حضور أصلا، وكان والده من أهل هذا الشأن، وولي مشيخة دار الحديث الكاملية».
«وكأن العراقي في هذا يُعَزِّي نفسه، ويعتذر عما كان من تقصير والده هو، بعدم إثبات حضور له أصلا كما قدمنا، فإذا كان والد الميدومي شيخ المحدثين في دار الحديث، ومع ذلك فوت على ولده مرحلة الإحضار، فإن تفويت والده هو عليه ذلك يهون، نظرًا لأن اهتمامه الأساسي كان بالتعبد، ومعرفته بالحديث لا تذكر بجانب المتخصص».
_________________
(١) اعتمدت في التعريف به وبيان أثره في العراقي على مؤلفات العراقي التي روى فيها عنه و(منتقى ابن خطيب الناصرية من ذيل العراقي على العبر) (وفيات سنة ٧٥٤ هـ) و(طرح التشريب في شرح التقريب) للعراقي وولده جـ ١/ ١٠٧، ١٠٨ و(الأعلام)، لابن قاضي شهبة ج ١/ ١٣١ ب و(الدرر الكامنة) جـ ٤/ ٢٧٤.
(٢) نسبة إلى (ميدوم) من أعمال محافظة بني سويف، بصعيد مصر.
[ ١ / ٣٣١ ]
وبعد هذا التحليل، يعود العراقي فيتفق مع غيره على أن والد الميدومي ركز عنايته به بعد مرحلة الإحضار هذه، فبكر بإسماعه في أول سن يصح فيه السماع عند الجمهور وهو تمام الخامسة، فأسمعه بنفسه، كما أسمعه واستجاز له من أعلا أهل عصره إسنادا بمصر والشام، فمن سمع منه بمصر (النجيب الحراني، وابن علاق) وممن أجازه من الشاميين: ابن عبد الدايم والكرماني، وهؤلاء الأربعة كانوا مقياس علو السند في عصره، وبذلك عوض مرحلة الإحضار، حتى وصفه تلميذه الحافظ أبو المحاسن محمد بن علي الحسيني بأنه: كان مسند الدنيا في عصره، ثم أشار إلى أنه أصدر هذا الحكم بناء على: فحص أسانيده عمليا، فقال: (خرجت له جزءا من عواليه، حدث به غير مرة، وقد مكنه من ذلك - بالإضافة لسماعه المبكر واستجازته - طول عمره حتى جاوز التسعين سنة).
وقد حدث الميدومي كثيرًا بالقاهرة ومصر، وبالقدس في زيارته لها بعد سنة ٧٥٠ هـ وأتاح بذلك فرصة السماع منه بالسند العالي الموثق للكثيرين، ومنهم بعض شيوخ العراقي: كالعلائي وابن رافع، ثم عاد لمصر وتوفي بها في ٢٥ رمضان سنة ٧٤٥ هـ.
وتأثيره في العراقي يرجع إلى جانب الرواية وعلو السند فحسب؛ لأنه كان مسندا فقط، والمسند كما قدمنا، مهمته أداء المرويات مضبوطة بسندها كما: تحملها، وميزته هي علو الإسناد كما بينا، مع الثقة والضبط كما شهد له العراقي وغيره بذلك، وقد توفر للعراقي بمروياته عنه كما سنفصلها، كثير مما: يشترط لطالب السنة روايته حتى يستحق لقب (الحافظ)، وعوض عن طريقه كثيرا مما فاته من علو الإسناد، حيث قال ابن حجر: إنه أعلا شيخ عند شيخنا:
[ ١ / ٣٣٢ ]
العراقي من المصريين، ويدل على ذلك مشاركة البارزين من شيوخه في السماع منه، سواء الشاميين كالعلائي وابن رافع كما ذكرنا، أو المصريين كابن جماعة، وقد كان العراقي يدرك هذا، حيث ذكر هؤلاء ضمن تلاميذ الميدومي، كما ذكر أنه تفرد في وقته بالسماع من النجيب وابن علاق، وكان آخر من حدث عنهما بالسماع على وجه الأرض.
ولهذا أكثر العراقي الرواية عنه، حتى بعد تخرجه على يد ابن التركماني كما سيظهر لنا من تاريخ بعض قراءاته عليه، وذلك لأن التخرج مرحلة صلاحية للإشتغال بالسنة كما أوضحنا، وبعد ذلك يستمر الشخص في الأخذ والعطاء، حتى تتكامل شخصيته الحديثية وينضج، ويمكننا تقسيم مرويات العراقي عن الميدومي إلى قسمين: أحدهما تفصيلي والثاني إجمالي.
فالتفصيلي: عبارة عما قرأه عليه أو سمعه منه أو عليه أو أجازه به من مصادر السنة، كالكتب والأجزاء والأمالي الحديثية والمنتخبات.
وقد ذكر العراقي مما قرأه عليه بنفسه على سبيل المثال لا الحصر (١٣) كتابًا للمتقدمين والمتأخرين حتى عصره، وبعضها من الأمهات، كسنن أبي داؤد، وبعضها نادر كـ «الثبات عند الممات لابن الجوزي»، وبعضها أجزاء حديثية لبعض الحفاظ أو المسندين، كجزء شيخ الحفاظ المعروف بالنبيل المتوفى سنة ٢١٢ هـ (^١)، وكجزء أبي بكر أحمد بن نصر الله الدارع، وهو من العوالي التي انفرد بها الميدومي، وقد قرأه عليه العراقي في سنة ٧٥٢ هـ (^٢)، وبعضها
_________________
(١) «الرسالة المستطرفة»، للكتاني ٦٤، ٦٥.
(٢) «المجمع المؤسس» لابن حجر/ ٧٧، ١٨٩.
[ ١ / ٣٣٣ ]
«أمال» لمشاهير المحدثين، كالأمالي العشرين لأبي الحسن ابن شمعون (^١)، وبعضها مجموعة أحاديث من عوالي المسندين، مثل ثمانيات النجيب الحراني في (٤) أجزاء حديثية (^٢)، وبعضها منتقى من مؤلفات ضخمة، كالمنتقى من الحلية لأبي نعيم (^٣)، بل منها ما قرأه العراقي عليه أكثر من مرة (^٤).
وقراءة العراقي بنفسه على الميدومي لهذه المصادر التي مثل بها فقط، ولما أشار له بقوله: «وغيرها»، دليل على عظم استفادته المباشرة من الشيخ، كما أنها أنموذج واضح للجهد والنشاط اللذين بذلهما العراقي في طلب السنة، وتحصيل السند العالي الموثق، بمصادرها، من الأمهات والأجزاء وغيرها، كما تقضي قواعد الطلب وشروط الحفاظ، فمثلًا قراءته لسنن أبي داؤد كاملة على الميدومي بعد تقدم سماعه للصحيحين على غيره كما مر، يُعد تطبيقا لما شُرِطَ في التلقيب بالمحدّث والحافظ، من تلقى الكتب الستة ودراستها (^٥). ويعد تطبيقا أيضًا لقواعد الطلب التي تقضي بتلقي طالب الحديث بعد الصحيحين سنن أبي داؤد، لعنايته فيها بجمع الكثير من أحاديث الأحكام (^٦)، ما لم يوجد مقتض للعدول عن هذا الترتيب، كرواية ما يخشى فوته لو اتبع الترتيب (^٧).
_________________
(١) «المجمع المؤسس» ١٨٥.
(٢) «الرسالة المستطرفة» ٧٤.
(٣) «المجمع المؤسس» / ١٩٢.
(٤) «الأربعين العشارية» (حديث ١).
(٥) «تدريب الراوي»، للسيوطي/ ٨، ٩.
(٦) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٩٣ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٣٣٢.
(٧) المصدر السابق ص ٣٣٣.
[ ١ / ٣٣٤ ]
فلعل العراقي قدم غير هذه السنن بعد الصحيحين، خشية فواته بوفاة من قدمنا من شيوخه، ثم عاد للترتيب، فقرأ بنفسه تلك السنن على هذا المسند الفاذ في وقته، بالإضافة لغيرها من عواليه وما تفرد به كما أشرنا، خشية فواته أيضًا بموته، بل إنه سمعها أيضًا عليه بقراءة غيره (^١)، ثم بلغت همته أن أعاد قراءتها بنفسه، وسماعها أيضًا على مُسند آخر، هو أبو الحسن علي بن أحمد العرضي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ (^٢).
وسبق بياننا لأهمية تلقيه الكتاب الواحد أكثر من مرة عن أكثر من شيخ، ولكن كانت روايته المتعددة لهذه السنن قراءةً وسماعًا من طريق ابن طبرزد، الذي سمع بعضها على شيخه مفلح الدومي، وباقيها على شيخه إبراهيم الكيرخي، فَسُمِّيَ هذا سماعًا ملفقًا، وقد نظم العراقي بيانه في (٥) أبيات كما أشرنا في شعره العلمي، وذلك لسهولة ضبطه فقال:
وقد وقع التلفيق لابن طبرزد … بحمل أبي داود فاضبطه بالشعر
فعن مفلح ثان وتلواه، سابع … وتاسعه، والأربع التلو في الأثر
وخامس عشر ثم تلو، ثالث … وعشرون مع حادي ثلاثين بالحصر
_________________
(١) هـ ذيل التقييد، للفاسي/ ٢١٩ أ.
(٢) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) وهـ «ذيل التقييد» للفاسي/ ٢١٩ أ.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وباقيه والثاني، فثاني عشرة … جميعا عن الكرخي، أعني أبا البدر
ثم بين نوع التجزئة التي توزع السماع على أساسها فقال:
وتجزئة الأجزاء ليست خفية … وذاك بتجزئة الخطيب أبي بكر
وقد جزأ الخطيب الكتاب ٣٢ جزءًا في روايته له عن ابن طبرزد، وتناقل العلماء من بعد العراقي هذه الأبيات للاستعانة بها في ضبط هذا السماع (^١).
ولم تقتصر استفادة الرواية التفصيلية من الميدومي والجهد المبذول من العراقي في تحصيلها على حد مقروءاته العديدة كما أوضحنا، بل سمع أيضًا بعض كتب السنة الأخرى، والشروح الكبيرة من لفظه (^٢)، وسمع بعضا آخر بقراءة غيره على الشيخ (^٣)، وبعضا ثالث أجازه بروايته عنه (^٤)، وكل ذلك مما أسهم في تكوين شخصية العراقي الحديثية، وفي مضاعفة حصيلته من الرواية، كما يدل على عمق استفادته من الميدومي.
أما القسم الإجمالي: فهو عبارة عن تلقيه بعض المشيخات عن الميدومي. والمشيخة - كما سيأتي بيانها في مؤلفات العراقي - عبارة عن كتاب يجمع
_________________
(١) هـ «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«المعجم المفهرس» لابن حجر/ ٤ أ، وهـ «الفهرست الأوسط» لابن طولون الحنفي/ ٢٠٠ ب.
(٢) انظر (أمالي العراقي) / ٢ و(محجة القرب) / ٢٣٣ أو (قرة العين) / ٢٠، وهـ «فتوى: عاشوراء» / ٣٨، ٣٩، ٠٣
(٣) «المجمع المؤسس» ١/ ١٨٤
(٤) «محجة القرب» ٢/¬٥ ب.
[ ١ / ٣٣٦ ]
أسماء شيوخ الشخص، وأسماء وأنواع مروياته عنهم بأسانيدهم. فإذا تلقاها الطالب عن شيخه اتصل سنده بما ذكر فيها من المرويات إجمالا، دون أن يقرأ أو يسمع نفس الكتب المذكورة أسماءها في المشيخة، وبذلك يتاح له اتصال السند بمئات الكتب والأجزاء الحديثية جملة، وهذه ميزة تلقي المشيخات، بينما لو أراد الطالب تلقي نفس الكتب بالقراءة أو السماع لفني عمره، وعمر شيخه، دون استيعاب ما تحويه مشيخة واحدة، وقد تلقى العراقي عن الميدومي عدة مشيخات، في مقدمتها مشيخة الميدومي نفسه، تخريج الحسيني (^١)، ومشيخة ابن كليب، صرح العراقي بقراءتها على الميدومي بنفسه، ومشيخة النجيب الحراني الكبرى، تخريج الحافظ ابن الظاهري، صرح العراقي أيضًا بقراءتها بنفسه عليه، وذكر غيره أنه سمعها أيضًا (^٢)، ولعل هذا النشاط المكثف في تحصيل المرويات على الميدومي فضلا عن غيره، هو الذي جعل الحافظ ابن حجر يستقل نشاط العراقي فيما قبل سنة ٧٥٢ هـ، كما قدمنا.
ويتضح أثر كثرة مرويات العراقي عن الميدومي من شيوعها في عامة مؤلفاته، بحيث نجد فيها كثيرًا مما رواه عن الميدومي، سواء بالقراءة عليه، أو السماع منه مشافهة، أو السماع عليه بقراءة غيره، أو إجازته منه، ومن أكثر مؤلفاته التي اشتملت على ذلك ما ضمنه مروياته العالية، نظرًا لعلو سند الميدومي، وذلك مثل الأربعين حديثا العشارية الإسناد، وقد افتتحها بأول حديث سمعه من الميدومي مسلسلا بالأولية (^٣)، ومثل (أماليه الحديثية)، وكتاب (محجة
_________________
(١) (المعجم المفهرس) لابن حجر/ ٩٠ أ.
(٢) هـ «ذيل التقييد» للفاسي/ ٢١٩ ب.
(٣) و«الأربعين العشارية» ورقة ٢ أ - ب.
[ ١ / ٣٣٧ ]
القُرب)، و(قرة العين)، وقد مرت الإحالة بالهامش على بعض مواضع منها.
وقد عرف العراقي لشيخه الميدومي قدره، فخرج له (٤٠) حديثا من مروياته العالية، تساعية الإسناد (^١)، لكي يسهل عليه التحديث بها، ولما توفي حضر جنازته، وصلى عليه وودعه لمثواه الأخير، ثم ترجمه في مؤلفاته في الرجال كـ «ذيل العبر» للذهبي (^٢)، ورجال كتاب «تقريب الأسانيد» (^٣)، وقال عنه: «شيخنا المسند، الرحلة، مسند الديار المصرية»، ثم وثقه فقال: «كان رجلا جيدا ثقة، صحيح السماع، صدوقا خيرا … وافر العقل متين الديانة، ولم يخلف في الشيوخ بعده مثله»، ومن هنا آثر العراقي التلقي عن الرجل كما وصفنا، إلى أواخر حياته، ولم يرحل إلى خارج مصر إلا قبل وفاة الميدومي بشهور، كما سنفصله في الفقرة التالية.
_________________
(١) «لحظ الألحاظ» / ٢٣٢، والضوء اللامع جـ ٤/ ١٧٣.
(٢) «المنتقى من ذيل العبر» (وفيات سنة ٧٥٤ هـ) (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية).
(٣) «طرح التثريب في شرح التقريب» للعراقي وولده ج ١/ ١٠٧، ١٠٨.
[ ١ / ٣٣٨ ]