قدمنا في كيفية طلب السنة في عصر العراقي أن تدوين علومها في مؤلفات متداولة لم يغن عن تلقيها من أفواه المسندين والحفاظ، وقراءتها وبحثها عليهم، وهكذا يقال بالنسبة للرحلة في سبيلها، فقد ظلت لها أهميتها عند حفاظ السنة، واعتبارها في تكوين شخصيتهم حتى عصر العراقي، وذلك لما يأتي (^١):
١ - تحصيل مرويات السنة بسند عال أو أعلا من سند أهل بلد الشخص.
٢ - تحصيل مرويات لا يوجد في بلد الشخص من له بها رواية متصلة السند، خاصة بالسماع.
٣ - مباحثة حفاظ السنة ومذاكرتهم في فنون الدراية، المتعلقة بسند الحديث ومتنه، ومصطلح أهله.
٤ - الرغبة في الثواب الجزيل الذي وعد الله به الراحلون في سبيل العلم، والتأسي بمن رحل في سبيل السنة، من الصحابة والتابعين وأئمة الحفاظ، ومن أجل تحقيق تلك المقاصد، رحل العراقي كثيرا، وبذل أقصى جهده لدرجة المخاطرة بحياته، فشكلت الرحلات ركنا أساسيا، لا تكتمل ولا تستبين جوانب شخصيته باعتباره حافظا للسنة على مستوى عصره، بدون وضعها في الاعتبار، وبيان نتائجها تأثرا وتأثيرا، وأول ما يطالع الباحث في رحلات العراقي كثرتها، حتى صعب على مؤرخيه إحصاؤها، وفي مقدمتهم تلاميذه.
_________________
(١) انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/ ٦٦ أصل وهامش وجـ ٣/ ٨٦، ٨٧ و«المحدث الفاصل» للرامهرمزي/ ٢١٤ - ٢٢٨ و«الرحلة في طلب الحديث» للخطيب البغدادي ضمن مجموعة «رسائل في علوم الحديث» / ٤٢ - ٧٢ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٣١٤ - ٣١٧.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وولده ولي الدين أحمد، الذي صاحبه في غالبها.
فيذكر ابن حجر: أن شيخه العراقي أكثر الترحال إلى الشام والحجاز، ورحل إلى الإسكندرية (^١)، ونحو هذا ذكر البدر العيني (^٢)، وذكر ابن حجر أيضًا أن تولية العراقي قضاء المدينة المنورة كما سيأتي، كان سببه ما لاحظه المسئولون من كثرة مجاوراته بالحرمين (^٣) أي إقامته فترات متعددة، لتحصيل فضل العبادة في الحرمين بمكة والمدينة، وكذلك أشار ولي الدين بن العراقي إلى تعدد حجات والده ومجاوراته (^٤)، أما ابن فهد والسخاوي، فبعد أن ذكرا بعض رحلاته تفصيلًا، لجا للتقدير الإجمالي، بأنه منذ رحلته الأولى للشام سنة ٧٥٤ هـ، مكث مدة لا تخلو له سنة - غالبًا - من الرحلة، إما من أجل الحديث وإما من أجل الحج (^٥).
وسيأتي بيان اشتمال رحلاته للحج والمجاورة على الاشتغال بالسنة، بجانب أداء الشعائر، وكذلك الأمر بالنسبة لتولي قضاء المدينة، ولذا عدت جميع رحلاته تلك رحلات حديثية، وتلك المدة التي أجملها ابن فهد والسخاوي وقررا أنها شهدت نشاطه الدائب في الرحلات، أستطيع من جانبي تحديدها بالفترة من ٧٥٤ هـ حيث قام بأول رحلة للشام، إلى سنة ٧٩١ هـ حيث عزل.
_________________
(١) «ذيل الدرر الكامنة» / ٧٠ و«إنباء الغمر»، جـ ٢/ ٢٧٦.
(٢) وعقد الجمان للعيني وفيات سنة ٨٠٦ هـ ترجمة العراقي (مخطوط مصور).
(٣) والمجمع المؤسس» / ١٧٨.
(٤) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٨٣ هـ (ترجمة أم أحمد عائشة) وسنة ٧٨٤ هـ (ترجمة الحاجة أم عمر).
(٥) ولحظ الألحاظ» / ٢٢٥ و«الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٣.
[ ١ / ٣٤٠ ]