بعد أن فرغنا من بيان المفهوم الاصطلاحي للسنة ومشتملاتها عند علمائها وغيرهم ممن شاركهم في بحث جوانبها والاستفادة بها، وبينا وجوه التمايز والالتقاء بينهم ومرجعه، آن لنا أن نبين أن السنة في عموم مفاهيمها الاصطلاحية المتقدمة، ترجع إلى المعاني اللغوية التي استعملت بها الكلمة في اللسان العربي من قبل الإسلام ومن بعده، وذلك أنه تقدم إطلاق السنة في الاصطلاح، على أوامر الله ونواهيه وأحكامه التي بينها في كتابه وبواسطة رسوله، ورسم بها الطريق القويم لصلاح المعاش والمعاد، وقد ذكر صاحب «اللسان» أنه يقال في اللغة: «سنة الله، أي أحكامه وأمره ونهيه، ويقال
[ ١ / ٤٣ ]
سَنَّها، للناس أي بَيَّنها، ويقال: سَنَّ الله سنة، أي بَيَّن طريقًا قويما»، واستشهد بقول الله تعالى: «﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْل﴾ (^١) وقال: أي سَنَّ الله ذلك» (^٢).
كذلك تقدم إطلاق السنة في الاصطلاح على أقوال الرسول ﷺ وسيرته العملية وطريقته التي سلكها في عموم حياته، طبيعة واعتيادا .. وتشريعا وبيانا لطريق الإيمان بالله، والعمل الصالح، فصار ذلك طريقًا مسلوكًا ممهدًا لأمته وهو رائدهم الأول فيه، ثم تبعه صحابته وأتباعهم على ذلك، مراعين التأسي به على أتم وجه.
وقد قال رجل لابن مسعود: «ما الطريق المستقيم؟ قال: تركنا محمد في أدناه وطرفه الجنة» (^٣).
وقد استعملت السنة في لغة العرب بهذه المعاني، قال صاحب «اللسان»: وكل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم بعده، قيل: هو الذي سَنَّه، واستشهد بقول الشاعر العربي:
كأني سَنَنْتُ الحب أول عاشق … من الناس اذ أحببت من بينهم وحدي (^٤)
_________________
(١) انظر الآية ٣٨ من سورة الأحزاب، و«لسان العرب» جـ ١٧ ص ٨٩.
(٢) أخرجه الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه﴾ الآية ١٥٣ من سورة الأنعام جـ ٨/ ٨٨، ٨٩
(٣) «لسان العرب» جـ ١٧ ص ٩٨.
(٤) «لسان العرب» جـ ١٧ ص ٩٠.
[ ١ / ٤٤ ]
ونقل أيضًا عن «تهذيب اللغة» للأزهري: «أن السنة في اللغة الطريقة المحمودة .. والمستقيمة، ولذلك قيل: فلان من أهل السنة، معناه من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة، وهي مأخوذة من السنن وهو الطريق. والسنة: الطبيعة»
ثم نقل عن شمر قوله: «السنة في الأصل: سنة الطريق، وهو طريق سَنَّه أوائل الناس فصار مَسْلَكًا لمن بعدهم، وَسَنَّ فلان طريقًا من الخير يسنه، إذا ابتدأ أمرًا من البر لم يعرفه قومه فاستنوا به وسلكوه»
وأيضًا: ذكر صاحب «اللسان» إطلاق السنة على الوجه الحسن الخالي من العيوب، وعلى صورته الصافية وإطاره المحدد فقال: «ورجل مسنون الوجه حَسَنُهُ سَهْله، وسنة الوجه دوائره، وسنة الوجه صورته».
واستشهد بقول ذي الرمة:
تريك سنة وجه غير مقرفة … ملساء ليس بها خال ولا ندب (^١)
ولا شك أن الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم بإحسان، قد رسموا بشنتتهم القولية والفعلية، أحسن صورة للإسلام وأنقاها، مجردة عن البدع والخرافات وما لم يأذن به الله، وحددوا ملامح الدين واضحة لا لبس فيها، كما أن علماء السنة قد بذلوا أضنى الجهود لتخليصها من كل شوب ودخيل، فصارت أنقى ما تكون، وهكذا لا نأخذ جانبًا من جوانب السنة وما يتعلق بها، وننظر في مدلوله، إلا نجد له وجها أصيلا، ومناسبة في الاستعمالات اللغوية لها، سواء في الجاهلية أو الإسلام.
_________________
(١) «لسان العرب» جـ ١٧ ص ٨٧.
[ ١ / ٤٥ ]
بل الطريف أني وجدتُ من تعبيرات اللغة بالاستنان ما يصدق بحقيقته على أحد أنواع السنن في الاصطلاح في نفس الوقت، فالعرب تقول: ««فلان استن» إذا استاك فدعك أسنانه بالسواك» (^١).
وهذا العمل نفسه أحد السنن المعروفة، وفيها قوله ﷺ: «لولا أن أشق على أُمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (^٢).
وفي البخاري عن أبي بردة عن أبيه قال: «أتيت النبي ﷺ فوجدته يستن بسواك بيده» (^٣).
وهكذا لم تضق اللغة بالسنة في أي من معانيها الاصطلاحية وجوانبها الواقعية، كما لم تضق السنة بعموم الاشتقاقات اللغوية للكلمة وجماع معانيها، حتى تلاحمت اللغة والاصطلاح في التعبير الواحد كما رأيت.
فهل بعد هذا من وجه الدعوى استجلاب اسم السنة من لغة أعجمية؟ - أيا كان التعليل - ليكون عنوانا على السنة المطهرة؟
يقول الإمام الشافعي ﵁: «وأولى الناس بالفضل في اللسان، لسان النبي ﷺ، ولا يجوز. والله أعلم - أن يكون أهل لسانه أتباعا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد، بل كل لسان تبع للسانه، وكل أهل دين قَبْلَهُ، فعليهم اتباع دينه» (^٤)
_________________
(١) لسان العرب جـ ١٧ ص ٨٧.
(٢) «صحيح مسلم» كتاب السواك جـ ١ ص ١٥١، ١٥٢ والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» باب السواك جـ ١ ص ١٨٤.
(٣) «صحيح البخاري» كتاب الطهارة باب السواك مع فتح الباري ج ١ ص ٣٦٩.
(٤) «الرسالة» للشافعي ص ٢٩.
[ ١ / ٤٦ ]
ولسنا واجدين في هذا تضييقا أو تعصبا، وإنما هو وضع الشئ في إطاره الصحيح، الذي ارتضته الحكمة الإلهية بجعل الدين قرآنا وسنة بلسان عربي مبين، كما أن عربية اسم السنة والألفاظ التي وردت بها، لم ولن تمنع عالمية المضمون، وإباحة ترجمته بوعي وأمانة، إلى عموم اللغات واللهجات، بمقتضى عموم إرسال صاحب السنة ﷺ للناس كافة، وختمه للنبيين.
وقد أرسل ﷺ رسائل لملوك العجم من فرس وروم وقبط بلغته العربية، وتُرجمت لهم فَبَلَغتهم بها الدعوة هم وأقوامهم دون حرج.
أما التعليل لأخذ تسمية السنة من «المشناة» اليهودية بالمشابهة، فَسَنُبين بطلانه ضمن الفقرة التالية، ليتم زوال الدعوى وعلتها.