عاش الحافظ العراقي واحدًا وثمانين عاما هجريًا وبضعة شهور، ابتداءً من سنة ٧٢٥ هـ حيث ولد بضاحية بين مصر والقاهرة، حتى توفي بالقاهرة سنة ٨٠٦ هـ على الصحيح، كما سيأتي، وقد قضى معظم حياته بين ربوع مصر وتنقل في اليسير منها بين الشام والحجاز، وبذلك كانت حياته فيما يُعرف تاريخيا بعصر المماليك، وإقاماته في رحاب دولتهم التي شملت حينئذ مصر، والشام والجزيرة العربية وما يتبعهم.
وتقع أكثر حياة العراقي في عصر المماليك البحرية (^١) الأتراك الأصل الذين بدأ حكمهم سنة ٦٤٨ هـ، وانتهى في سنة ٧٨٤ هـ، ثم تلاهم المماليك البُرْجِيَّة (^٢) الشراكسة الأصل، وقد عاصر العراقي منهم اثنين: هما الظاهر
_________________
(١) عُرفوا بالبحرية نسبة إلى المكان الذي تربوا به في مصر وهو جزيرة الروضة في بحر النيل.
(٢) تعرفوا بالبرجية نسبة إلى مكان تربيتهم بمصر وهو أبراج قلعة صلاح الدين الباقية حتى الآن.
[ ١ / ٨٥ ]
برقوق، الذي ذهب بنفسه إلى العراقي، وطلب منه تولي قضاء المدينة المنورة كما سيأتي، ثم ولده الناصر فرج الذي خَلَفَهُ سنة ٨٠١ هـ وقد توفي العراقي في عهده.
ورغم أن الطابع العام العصر المماليك هو الحروب الخارجية والفتن والمنازعات في الداخل، وتأثير ذلك في حياة الأمة، فإننا نجد أن الفترة التي عاشها العراقي تُعد أكثر فتراته استقرارًا ورخاء وازدهارًا عمرانيا وثقافيا. وذلك لما يأتي:
١ - أنه كان قد تم إنهاء الوجود الصليبي في الشام ومصر بعد معارك ضارية لقرنين من الزمان، كان آخرها سنة ٦٩٠ هـ حيث تمكن السلطان خليل بن قلاوون من الاستيلاء على آخر معاقل الصليبيين بالشام (^١) ولم يعد لهم أية إمارات بالمنطقة، وكانت معاركهم المتفرقة بعد ذلك يشنونها من بلاد أوروبا الساحلية القريبة، وخاصة قبرص ثم يعودون من حيث أتوا.
٢ - أنه كان قد تم أيضًا صد الغزو التتري، الذي بدأ في سنة ٦١٥ هـ اجتياحه لشرق العالم الإسلامي من حدود الصين حتى بغداد عاصمة العالم الإسلامي حينئذ، فأسقطوها وقتلوا الخليفة وخيرة العلماء وأعدموا الرصيد العلمي للمسلمين، ثم اجتاحوا الشام بنفس الروح الوحشية، وتقدموا نحو مصر فَخَفَّتْ إليهم بجيوشها، وأذاقتهم لأول مرة في عين جالوت سنة ٦٥٨ هـ طعم الهزيمة، وعرفتهم طريق الفرار، مما جعلهم يكتفون بإقامة دولة لهم على ما استولوا عليه من فارس والعراق، وأصبحوا جيرانا للشام، وسرعان ما فتح
_________________
(١) «دولة الخلافة العباسية»، القسم الثالث، لشيخنا الفاضل الدكتور زكي محمد غيث، و«الأيوبيون والمماليك في مصر والشام» دكتور سعيد عبد الفتاح عاشور.
[ ١ / ٨٦ ]
الإسلام بذاتيته قلوبهم القاسية، فأسلم حكامهم من أبناء هولاكو، وتبعهم جنودهم وأهلوهم، وبدأوا يعمرون بأيديهم ما خربوه حتى إن غازان محمود ابن هولاكو وصاحب الهجوم الشرس على الشام مرة سنة ٦٩٩ هـ (^١)، وقد انزعجت بسببه أسرة الحافظ العراقي وهاجرت من العراق إلى مصر كما سيأتي ومرة سنة ٧٠٣ هـ، وجدناه يعمر الكثير ببغداد وإيران حتى شيد بهما دورًا للحديث والقرآن، ومدارس وخوانق للصوفية (^٢)، ومكاتب للتعليم وأقام حد السكر، وجمع الجبايات بمقتضى الشرع (^٣).
وما أن جاءت سنة ٧٢٠ هـ حتى أرسل حكامهم وفدًا إلى الناصر محمد بن
_________________
(١) «عصر الانحدار» للدكتور محمد سعد أطلس ص ١٩، ٢٠.
(٢) من يستعرض تاريخ البلاد الإسلامية، عمومًا، في هذه الحقبة التاريخية، وما تلاها، فإنه يجد أن المنتسبين للتصوف، يمثلون عنصرًا متداخلا، بعمق وتأثير - في مختلف جوانب حياة الشعوب التي استظلت بظل الإسلام، شرقًا وغربًا، ولا سيما العامة منهم، بما لهم من كثافة وانتشار؛ لهذا، فإنه كان لا يتأتى تخطيهم، أو تجاهل وجودهم، ومطالبهم، لا من حاكم يريد الإمساك بزمام الأمور، وسياسة الجمهور، ولا من محكومين يرتبطون بطوائفهم، نسبًا، وصهرًا، ويعايشونهم في مختلف مناشط الحياة، عسرا، ويُسرًا، كما سنرى بالبسبة للحافظ العراقي وأسرته. وعليه، فإن من يتصدى لمثل دراستنا هذه، يحتاج في تكاملها، وتوضيح ملابساتها، إلى التعرض لما له تعلق مباشر بالواقع التاريخي لوجود التصوف والصوفية، في مسرح حياة العراقي وأسرته، وفي التراث العلمي الذي تعامل معه أخذا وعطاء، كما سيجيء في موضعه. وبالتالي فإني تعرضت لما دعت إليه حاجة هذه الدراسة، في حدود خطتها فقط، وهو تعرض جزئي، لا يمثل إقرارًا، ولا إظهارا المبتدعات الصوفية، ومخالفاتهم، وسيأتي ص () نقل ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، في بيان أقسام الصوفية في عصره، الذي لحق جانب منه، نشأة والد العراقي، ومولد ابنه الحافظ، الذي نحن بصدد التأريخ لجوانب حياته بمؤثراتها، وتأثيرها.
(٣) المرجع السابق نفس الموضع.
[ ١ / ٨٧ ]
قلاوون، يقدم الهدايا ويطلب تسكين الفتن القديمة، وإقامة وحدة الملة الإسلامية من جديد، واستجاب الناصر فعلا لهذا وتم توقيع الصلح بين الطرفين سنة ٧٢٣ هـ أي قبل مولد العراقي بعامين، وبهذه الاتفاقية هدأ العراقان: الشمالي والجنوبي وبلاد الشام ومصر، بعد فترة طويلة من المعارك الطاحنة والاضطراب، وفتحت بموجبها الحدود واستؤنفت التجارة، وانفتحت الطرق حتى استطاع الرحالة ابن بطوطة زيارة العراق حينئذ (^١) وحتى رأينا الحافظ العراقي عند رحلته لسماع الحديث ببلاد الشام يعزم على الرحلة لبغداد لسماع الحديث من شيوخها بعد عودة الحياة العلمية إليها حينئذ (^٢)، وإن لم ترجع لسالف مجدها العلمي، لأن المغول جعلوا عاصمتهم «تبريز» وكانت بغداد مجرد واحدة من عواصمهم، واستمر ذلك الهدوء بين العراق والشام ومصر من سنة ٧٢٣ هـ إلى سنة ٨٠٣ هـ، أي نحو ٨٠ عاما هي معظم عصر العراقي، أما في سنة ٨٠٣ هـ، فقد عاد اكتساح التتار للشرق الإسلامي من جديد على يد تيمورلنك كما سنبينه.
٣ - أنه كان قد تم إقامة الخلافة العباسية بمصر بعد إسقاط هولاكو التتري لها في بغداد سنة ٦٥٦ هـ كما أشرنا، وانتقل من نجا من بني العباس إلى القاهرة وبويع أول خليفة عباسي بمصر سنة ٦٥٩ هـ في عهد الظاهر بيبرس، وهو أبو القاسم أحمد بن الظاهر، ولقب بالمستنصر بالله (^٣) وتوالى الخلفاء من بعده حتى الفتح العثماني، وكان مولد العراقي في عهد ثالث خليفة، وهو أبو
_________________
(١) نفس المرجع ص ٢٥ - ٢٨ - .
(٢) «عصر الانحدار» للدكتور محمد أطلس ص ١٥٩ - ١٦٤.
(٣) انظر «لب التاريخ» لمحمد أفندي غنيم جـ ٣/ ١١٥.
[ ١ / ٨٨ ]
الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله والملقب بالمستكفي بأمر الله، وقد بقي في الخلافة ٣١ سنة.
ومهما قيل عن دافع المماليك لإحياء الخلافة بمصر، ومع اعترافنا بأنه لم يكن للخليفة سلطان سياسي ولا عسكري، بل كان السلطان من المماليك يولي ويعزل وينفي (^١) ويحبس (^٢) من شاء منهم، رغم هذا، فإنه كان لإحياء الخلافة الإسلامية التي تعلق بوجودها فكر المسلمين وعقيدتهم ووحدتهم، من عهد الخلفاء الراشدين أثر محمود في نفس كل مسلم، سواء من يتبع مصر أو غيرها، نظرًا لجو العصبية الدينية، التي حكمت العالم كله حينئذ، واكتسحت حروبها العالم الإسلامي، من الغرب على يد الصليبيين، ومن الشرق على يد التتار، واستهدفت دائما مساجده وعلماءه وتراثه الديني حتى أطبقت على قلبه في مصر والشام في وقت واحد، بعد إسقاط خلافتهم، فكان لإحيائها من جديد على أي وضع، وفي العاصمة التي كسرت شوكة الصليبيين والتتار على السواء، وقع عظيم، وغدت كل القلوب تهفو إلى القاهرة مقر خلافة المسلمين وملاذهم، وحامية مقدساتهم، ورائدة تضحياتهم وانتصاراتهم على الدوام، كما كان لإقامتها أثره في إحياء السنة ومحاربة الفرق الأخرى من شيعة ورافضة وغيرهم كما سيجيء.
٤ - يضاف إلى ذلك أن الحافظ العراقي ولد ونشأ في عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون الذي تولى الحكم للمرة الثالثة سنة ٧٠٩ هـ واستمر حتى وفاته سنة ٧٤١ هـ حيث كان العراقي في السادسة عشرة من عمره، ويجمع
_________________
(١) المرجع السابق ص ١١٦.
(٢) نفس المرجع ص ١١٨.
[ ١ / ٨٩ ]
المؤرخون على أن عصر الناصر هذا كان أزهى عصور المماليك فقد دام حكمه ٣١ سنة، ولم يماثله في ذلك سلطان من المماليك، كما كانت الدولة في أقصى اتساعها، بعد قهر التتار وطرد الصليبيين، فقد امتد نفوذه من بلاد المغرب غربا ثم الشام والحجاز شرقا، ومن بلاد النوبة التي أقام عليها أول حاكم مسلم جنوبًا، حتى آسيا الصغرى شمالا (^١) كما عقد معاهدة الصلح والأمان مع العراق كما أسلفنا.
أما في الداخل، فإصلاحاته ومظاهر الرخاء وإنشاءاته العمرانية والثقافية عديدة وهامة، مما جعله يحظى بشعبية كبيرة في الشام ومصر حتى تظاهر الشعب بالقاهرة على غير العادة في عهد المماليك، يطالب ببقائه في الحكم عندما تعرض للتآمر على خلعه، فاضطر المتآمرون للتراجع (^٢).
بل لقد كان بقاؤه الطويل في الحكم، وحسن سيره فيه داخليا وخارجيا، مما جعل الناس يتعلقون بذريته من بعده، ويرون فيهم رمز الهدوء والرخاء، فظل الحكم وراثيا فيهم حيث تولاه ثمانية من أبنائه و٤ من أحفاده، وبانتهاء حكم آخرهم سنة ٧٨٤ هـ انتهى عصر المماليك البحرية (^٣)، إلا أنه كان معظمهم بمقتضى الوراثة يُولَّى السلطنة طفلًا أو صبيا (^٤) ويعين وصي أو نائب من أمراء المماليك للقيام بمهمات الحكم ريثما يتأهل ولي العهد لذلك، فكان هذا مولدا.
_________________
(١) «الأيوبيون والمماليك» للدكتور سعيد عاشور ص ٢٨١، ٢٨٢.
(٢) المرجع السابق ص ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٧٧ و«العصر المماليكي» ص ١٠٤، ١١٢، ١١٣، ١١٧، ١٢٠، ١٢١ كلاهما للدكتور سعيد عاشور.
(٣) «العصر المماليكي» ص ١٢١، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٨.
(٤) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده على العبر» حوادث سنة ٧٨٣ مخطوط منصور.
[ ١ / ٩٠ ]
للاضطرابات بعد وفاة الناصر، بحيث لو قسمت مدة حكم ذرية الناصر وهي ٢٣ سنة على عددهم وهو ١٢ لخص الواحد أقل من عامين، وذلك لأن النواب والأوصياء كانوا يتطلعون للانفراد بالحكم، وتظهر زعامتهم، فيتذرعون لإقصاء السلطان الأصلي بشتى الوسائل، أو قتله، حتى إن أول أبناء الناصر لم يتم في الحكم ٣ شهور وقبض عليه وقتل منفيًا (^١) كما قتلوا غيره من إخوته (^٢). وبذلك كانت تقوم المنازعات والقتال بين أنصار الفريقين أو غيرهم من الأمراء الطامعين في الحكم (^٣)، حتى كانوا يتقاتلون في شوارع القاهرة بين حين وآخر (^٤)، بل في الحرمين الشريفين (^٥)، وسجل العراقي (^٦) كثيرًا من ذلك في ذيله على «العبر» للذهبي، مما جعل عامة الشعب في مصر والشام والحجاز تعاني آثار ذلك، دون أن يملكوا تغيير الأمور، ويذكر لنا ولي الدين ابن العراقي (^٧) ثورة للعامة كانت سنة ٧٧٠ هـ ضد والي القاهرة «بكتمر» وبعض أعوانه، وتجمعوا حول القلعة فرسم السلطان بتفريقهم، فطاردهم الجند،
_________________
(١) «العصر المماليكي»، ص ١٢٣.
(٢) المرجع السابق ص ١٢٤.
(٣) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده»، حوادث سنة ٧٨١ هـ مخطوط مصور.
(٤) «العصر المماليكي» ص ١٢١، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٨.
(٥) «ذيل ولي الدين على ذيل والده» وفيات سنة ٧٦٣ هـ وحوادث ٧٦٧ هـ و٧٧٩ هـ و٧٨٣ هـ مخطوط مصور.
(٦) انظر «المنتقى من ذيله على العبر» حوادث ٧٤٢ هـ ضمن مجموع ابن الخطيب الناصرية مخطوط مصور.
(٧) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده على العبر» للذهبي حواديث ٧٧٠ هـ مخطوط مصور.
[ ١ / ٩١ ]
حتى دخلوا بالخيل جامع الحاكم بأمر الله، وقتلوا بعضهم، ثم نودي في اليوم التالي بالأمان وعزل «بُكْتُمُر»، هذا بالإضافة لما كانت تقوم به القبائل العربية التي كانت تقيم في صعيد مصر، والبحيرة والشرقية، والشام من ثورات لانتزاع الحكم، أو الامتناع عن دفع الخراج للدولة، ومن غارات للسلب على عواصم المدن، كأسيوط والإسكندرية والقاهرة، وبذلك تضعضعت أحوال البلاد حتى تجرأ الصليبيون بعد تطهير البلاد منهم - كما أسلفنا - على غزو مصر سنة ٧٦٧ هـ في عهد الأشرف شعبان، ثاني أحفاد الناصر، وكان في الحادية عشر من عمره ووصيه الأمير «يَلْبُغَا» المعروف بظلمه وكبريائه، مما جعله يهزأ بخبر عزم ملك قبرص على القيام بتلك الحملة، بدلا من الاستعداد لها، وفعلا جاءت الحملة من قبرص، وهاجمت الإسكندرية في توقيت مقصود، وهو يوم الجمعة ٢٤ محرم، حين تجمع المسلمين في المساجد للصلاة، ولم يكن أمير الإسكندرية بها، لغيابه في الحج، فاحتلوا المدينة بسهولة، وأحرقوا المساجد، وخربوا الزوايا، واستباحوا المدينة عدة أيام، ثم أجلوا عنها مثقلين بالمنهوبات ومصطحبين كثيرا من الأسرى، من مسلمين ويهود ونصارى، ولم يصل «يلبغا» بجيشه الكثيف إلا بعد مغادرة الحملة للمدينة وهي خراب، تعج بجثث الشهداء، فأمر بإصلاح التخريب ودفن الشهداء (^١)، وتصنيع سفن حربية لقتال الفرنج (^٢).
وقد أرّخ العراقي في «ذيله على وفيات النقلة» للمنذري، لبعض شهداء هذه المعركة من العلماء الذين سمع منهم الحديث في رحلته للإسكندرية قبل هذه
_________________
(١) «العصر المماليكي»، ص ١٣٣.
(٢) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده» حوادث سنة ٧٦٧ هـ.
[ ١ / ٩٢ ]
المعركة، لسماع الحديث كما سيأتي، وصور بشاعة استشهاده بأنه صعد مئذنة بعض المساجد للأذان، فصعد إليه أحد الصليبيين وألقى به من فوق المئذنة (^١). أما ولي الدين ابن العراقي فأرخ الموقعة وأحداثها ووصفها بقوله: «وكانت أَحَدُ الدواهي على الإسلام» (^٢).
وجدير بالذكر أنه في تلك الموقعة التي غاب فيها دفاع المماليك، ظهرت مقاومة الشعب، حيث تجمع - على عَجَل - عرب البحيرة، وحاولوا صد الهجوم عن المدينة، لكنهم لم يصمدوا (^٣) لعدم تكافئهم مع جيش نظامي كبير، ولم يكن من سياسة المماليك تكوين جيش من الشعوب المحكومة لهم في مصر أو غيرها، خوفًا من قضائه عليهم، وليس تقصيرًا أو قصورًا من الشعب.
كما كانت موارد مصر هي مصدر تموينهم وتسليحهم، في كل معاركهم، وتتابع حكم حفيدي الناصر الآخرين، على هذا المنوال، من الضعف والاضطراب، حتى غربت، بنهاية حكم آخرهم، شمس دولة المماليك البحرية، وذلك في سنة ٧٨٤ هـ وخلفتها دولة المماليك البرجية، الذين اشتد جانبهم حينئذ، وكان أول سلاطينهم: الظاهر برقوق، الذي تولى سنة ٧٨٤ هـ وهو الذي دخل بنفسه على الحافظ العراقي، وطلب منه تولي قضاء المدينة المنورة كما أشرنا، وقد توفي برقوق سنة ٨٠١ هـ، فخلفه ولده الناصر فرج، وفي عهده توفي الحافظ العراقي سنة ٨٠٦ هـ.
_________________
(١) المرجع السابق وفيات سنة ٧٦٧ هـ.
(٢) نفس المرجع حوادث سنة ٧٦٧ هـ.
(٣) «الأيوبيون والمماليك» ص ٢٩٠.
[ ١ / ٩٣ ]
ولم تفترق تلك المرحلة التي عاصرها العراقي من حكم المماليك البرجية عن الطابع العام للعصر المملوكي الذي أشرنا إليه، فقد قامت الحروب الداخلية بين أمراء المماليك وطوائفهم على أشدها، في مصر والشام على السواء، حتى قتل برقوق خصمه «مِنْطَاش» بحلب سنة ٧٩٥ هـ وحُمِلَت رأسه للقاهرة، فطيف بها الشوارع، وعلّقت على باب «زُوَيْلَة» (^١) أحد أبواب القاهرة، كما خَلَعَ الخليفة المتوكل، لتآمره عليه (^٢) وبلغت قسوة السلطان فرج أن استهل حكمه بقتل أخويه، ثم قُتِل هو الآخر قتلة شنيعة (^٣).
كذلك ثار العربان بمصر والشام، متعاونين على برقوق لاستلاب الحكم (^٤)، وبلغ به الأمر أن ينفجر باكيا أمام جنوده ومماليكه، لتعقد الأمور دونه (^٥)، وما كاد يتم التغلب على مصاعب الداخل، حتى داهم البلاد الشامية هجوم جديد للتتار، على يد تيمورلنك وذلك سنة ٨٠٣ هـ، وبعد أن كان الشرق الإسلامي كله قد استراح من شرورهم ثمانين عاما كما أسلفنا، وبدأ يعمر ما خربوه، ويسترد شيئًا فشيئًا نهضته العلمية والإسلامية، وقد سار تيمورلنك - رغم إسلامه - سيرة سلفيه جنكيز خان وهولاكو، فاكتسح بلاد الشرق الإسلامي حتى بغداد، ثم أسقطها وحرقها مرة أخرى (^٦)، ودخل الشام فدمر معظم
_________________
(١) «العصر المماليكي» ص ١٥٧.
(٢) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده»، حوادث سنة ٧٨٥ هـ.
(٣) «العصر المماليكي»، ص ١٦١، ١٦٢.
(٤) المرجع السابق ص ١٥٨.
(٥) نفس المرجع ص ١٥٦.
(٦) «العصر المماليكي» ص ١٥٨، ١٥٩.
[ ١ / ٩٤ ]
أطرافه، واستولى على حلب، وأحرق دمشق، دون أن يستطيع الشام وحده المقاومة (^١)، وكان السلطان حينئذ الناصر فرج، لكنه كان صبيًا، وأوصياؤه والقائمون بالأمر في نزاع مع بعضهم، مما جعل خروج السلطان الصغير، والخليفة العباسي على رأس جيش من القاهرة، لملاقاة تيمورلنك، لا يُجدي شيئًا، فهزم قرب دمشق، واضطر فرج لتوقيع صلح مع تيمورلنك، ليخرج بموجبه من الشام، وعاد فرج للقاهرة مهزومًا، على أمل الاستعداد للقاء جديد مع التتار، يزيل به تلك الوصمة التي لا تتفق مع انتصارات أسلافه في حطين وعين جالوت (^٢)، كما لا تُذكر بجانبهما.
ورغم هذا التدهور السريع في القوى الدفاعية والسياسة الخارجية، فقد كانت هناك مقاومة ناجحة من أمراء الشام لبعض حملات، انتهز الصليبيون تلك الظروف وقاموا بها على بعض سواحل الشام سنة ٧٦٩ هـ، بحيث ظلت المنطقة كما كانت نظيفة منهم (^٣)، كما أن هجوم تيمورلنك هذا جاء بعد هدوء استمر ثمانين عاما من عصر العراقي، أمنت فيها مصر والشام والعراق من غزو التتار كما أسلفنا، مما جعل عصر العراقي رغم هذا، أكثر عصور المماليك استقرارًا في سياسته وأحواله الخارجية.
أما في الداخل، فإن إنجازات العصر الإصلاحية والعمرانية والثقافية التي ما زالت روائعها باقية إلى الآن، تشهد بأنه رغم الأحداث العديدة السالفة، كان مجموع فترات الهدوء والإصلاح الداخلي أكثر.
_________________
(١) المرجع السابق ص ١٦٠.
(٢) نفس المرجع ص ١٦٠، ١٦١.
(٣) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده على العبر» حوادث سنة ٧٦٩ هـ مخطوط مصور.
[ ١ / ٩٥ ]
عَلى أن هُناك مُلاحظة في تَقييم عصر المَماليك عُمومًا، وَهي أن المُؤرِّخين يَصِلون بِشأن بَعض الحُكَّام لدرجة التَّناقُض، مَع مُعاصَرَتِهم لَهم أو قُربِهم الشَّديد مِنهُم، فمثلا يَصِف المَقريزي وابن تغري بردي، المَلِك الصَّالح إسماعيل، ابن النَّاصر محمد بن قَلاوون، بِأنهُ أعرض عَنْ تَدبير المُلْك، بِإقبالِه على النِّساء والمُطربين (^١)، بينما يَصِفهُ مُعاصِره الحافظ العراقي، بأنهُ مِنْ خَير المُلوك (^٢)، كَما يَذكر المُتتبعون لِلعَصر عُمومًا: أنهُ يتميز بِاقتران الأحداث والاضطرابات، بِالنشاط العُمراني والثقافي (^٣).
تِلك هي أَهَّم مَلامح الأَحوال السِّياسية في عصر العراقي وَسَيأتي تَفصيل مَوقِفُه مِنها في مَحَلِّه.
وننتقل للأحوال الدَّاخِلية: