وقد تجاوزت شاعرية العراقي النظم في علوم السنة وغيرها إلى النظم الأدبي؛ لكن لم يظهر لنا تكسبه أو تزلفه بشعره لدى حاكم، أو ذي منصب، أو جاه أو مال، رغم ما كان يعانيه من ضيق العيش كما أسلفنا، وهذا يؤكد ما تقدم في أخلاقه، من التحلي بعفة النفس والورع والقناعة، فبرئ من نفاق القلب والقلم؛ ولذا فإن شعره الأدبي قد انصب - بحسب الاستقراء - على جانبين: أولهما جانب الموعظة والأخلاق المتضمنة في الكتاب والسنة وذلك مثل قوله:
اتقوا الله جودوا … من يجد ليس بمفتون
لن تنالوا البر حتى تنفقوا … مما تحبون (^٢)
ويلاحظ أن البيت الثاني مقتبس - بنصه - من القرآن الكريم ﴿آية ٩٢ آل عمران﴾.
أما السنة النبوية: فمن أظهر الأمثلة على تضمين معانيها في شعره، وربطه بإنتاجه فيها إيراده الكثير من نظمه في أماليه الحديثية العديدة، وذلك تبعا لما جرى به الاصطلاح من ختم مجالس الإملاء ببعض الأشعار.
_________________
(١) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٧ و«الإعلان بالتوبيخ» ص ٧٢٣ كلاهما للسخاوي و(البدر الطالع) للشوكاني جـ ١/ ٣٥٦ و«الأعلام» لابن قاضي شهبة جـ ١/ ٩٠ ب.
(٢) «المجمع المؤسس» ص ١٧٨.
[ ١ / ٢٤٣ ]
الأخلاقية المناسبة (^١)، فكان العراقي يورد عقب ما يمليه من الأحاديث والآثار ما يناسب معناها في صورة شعرية من نظمه (^٢)، وذلك مثلما فعل في المجلس ٤١٣ من أماليه، حيث أملاه فيما يتعلق بطول العمر، وختم بقصيدة من نظمه في نفس الموضوع تزيد على ٢٠ بيتا ومطلعها:
بَلَغْتُ في ذا اليوم من الهرم … تهدم العمر كسيل العرم (^٣)
وأملى أيضا المجلس ٤١٦ وهو الأخير من أماليه، فميا يتعلق بالاستسقاء وأدعيته المأثورة، وذلك بسبب توقف النيل حينئذ، ثم ختمه بقصيدة في نفس المعنى أولها:
أقول لمن يشكو توقف نيلنا … سل الله يمدده بفضل وتأييد
وآخرها:
وأنت فغفار الذنوب وساتر الـ … عيوب وكشاف الكروب إذا نودي (^٤)
وقد دون تلاميذه تلك القصائد المتعددة ضمن أماليه الحديثية ورووها كذلك عنه لمن بعدهم، بحيث رافقت نتاجه في السنة في تداوله وانتشاره، حاوية لعنصري التأثر والتأثير، ويعتبر المترجمون تلك الأمالي هي المصدر الجامع لكثير.
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٨٣ و«تقريب النواوي وشرحه»، للسيوطي ص ٣٤٢، ٣٤٣.
(٢) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٣٠٨ وأمالي العراقي مجلس ٨٦.
(٣) «المجمع المؤسس»، ص ١٧٧ و«الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٤.
(٤) «المجمع المؤسس» ص ١٧٨ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٤ و«البدر الطالع» جـ ١/ ٣٥٦.
[ ١ / ٢٤٤ ]
من نظمه (^١)
وهذا يدل أيضًا على احتضان السنة للشعر الأدبي الهادف، وعلى ارتباط العلوم الإسلامية والعربية بعضها ببعض ارتباطا أصيلا.
أما الجانب الثاني الذي تناوله العراقي في شعره الأدبي فهو المعاني والمشاعر الإنسانية الرفيعة التي لا تنافي أيضًا روح الكتاب والسنة، مثل تعبيره عن عاطفة الأبوة بالنسبة لولده أبي زرعة لما ظهر نبوغه العلمي وهو شاب ودرس في حياة والده وشيوخه فقال:
دروس أحمد خير من دروس أبه … وذاك عند أبيه منتهى أربه (^٢)
ومثل تعبيره عن الحنين إلى وطنه مصر وأحبابه فيها كما قدمنا البيتين في نسبته لمصر.
وعندما مَدَحَ كما هو شأن الشعراء، مدح العلم، مثل البيت الذي قدمناه في مدحه لكتاب المهمات لشيخه الإسنوي، ومدح أيضًا بعض أقرانه من العلماء المشهود لهم بالعلم والفضل، كسراج الدين البلقيني الذي مدحه بمقطوعة يقول فيها:
الله يبقي شيخ المسلمين لنا … غناء عن الماضين للمتجدد (^٣)
ثم كان رثاؤه أيضًا لبعض أفاضل شيوخه وأصدقائه.
_________________
(١) والضوء اللامع، جـ ٤/ ١٧٨.
(٢) والضوء اللامع، جـ ١/ ٣٣٧.
(٣) انظر (بهجة الناظرين) ص ١٠، وقد أورد المؤلف المقطوعة في ٧ أبيات ضمن مراثي البلقيني مع أنه يدعو له فيها بالبقاء كما ترى وبقية الأبيات مطابقة لهذا البيت ولذا كتب مقابلها بهامش النسخة ما نصه: (يظهر أنها مدح له ﵀ وليست بمرثية).
[ ١ / ٢٤٥ ]
فرثى شيخه الإسنوي المتقدم ذكره بقصيدة تبلغ ٢٦ بيتا، مطلعها:
تنكرتِ الدنيا فلستُ أخالُها … لِفَقْدِكُم إلا تداني زوالِها
وقد أشاد فيها بمآثره العلمية والخلقية مثل قوله:
لقد فجعتنا الحادثات بشخصه فآثاره فينا يدوم اتصالها (^١)
كما رثى صديقه البار العالم إبراهيم الإبناسي المتوفى سنة ٨٠٢ هـ بقصيدة دالية، ذكر ابن حجر في المجمع أنها عدة أبيات، ولم يذكر شيئًا من محتواها لكنه كتب لابن قاضي شهبة أنها قصيدة طويلة، وأنه قرأها بخط شيخه العراقي، فوجده أثنى فيها على الأبناسي كثيرا (^٢).
فلعل ما ذكره في المجمع، كان قبل وقوفه عليها، ويلاحظ أنه لم يوجه انتقادًا لشيخه فيها، مع خبرته بأدب العصر (^٣)، بينما ذكر عن شيخ آخر له أنه كان يحب الآداب، ولكن ما كان يدرك الوزن، وأنه راجعه في بعض أبيات أنشدها أمامه وبَيَّنَ له موضع الخطأ فيها، وقرر نقص بضاعته في ذلك (^٤)، ويُعد مدح العراقي لأقرانه، ورثاؤه لمن رحل عنه إلى دار البقاء دليلا على ما قدمناه في أخلاقه من صفاء النفس والوفاء والعرفان.
وقد حظي شعر العراقي في هذا الجانب أيضًا بالتداول والانتشار، وأقرب دليل على ذلك، أن النماذج التي قدمناها له، وغيرها مما اطلعت عليه أكثرها موجود في مؤلفات حديثية وعلمية لغيره، ولمن بعد عصره بفترة.
_________________
(١) «بهجة الناظرين» ص ١٤١.
(٢) «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة ورقة ١٠٧ ب.
(٣) «الجواهر والدرز» ورقتي ٨/¬٢ أو ٩/¬٢ أ.
(٤) «المجمع المؤسس» ص ٦٢.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وعلى ضوء هذه النماذج وغيرها مما وقفت عليه أو أشار له المترجمون للعراقي، أو الناقلون عنه يتضح لنا أن الشعر الأدبي له في مجموعه قليل جدا بالنسبة لشعره العلمي، حيث يتدرج من البيت والبيتين إلى القصيدة التي تجاوز العشرين بيتا، بينما يصل العلمي في تدرجه إلى ما فوق الألف بَيْتٍ، ولعدة منظومات كما ستأتي.
وبالنسبة للخصائص الفنية للشعر، تفوق جودة شعره العلمي أيضًا شعره الأدبي؛ ذلك أنه رغم جودة الألفاظ والعبارات التي يستعملها بحكم درايته اللغوية واقتباسه من الكتاب والسنة، وتأثره بمعانيهما، كما أشرنا، رغم ذلك فإنه يعوزه كثيرا الحبكة الشعرية، وسبك الأسلوب، وتركيب الصورة الخيالية المبتكرة، بواسطة المجازات والتشبيهات والإستعارات، حتى وجدناه في النماذج السالفة يحول الآية القرآنية كما هي إلى بيت منظوم دون تصرف من جانبه مطلقا، كما أني وجدت تعليقا لشخص مجهول، مقابل الأبيات السبعة التي ذكرت عنه في رثاء البلقيني بما نصه «سامحك الله يا شاعر، لو رثيته نثرا!» (^١)
وهذا يدل على إحساس المعلّق بأن عبارة الأبيات يعوزها الحبك والترابط، وما وجدناه من شعره مشتملا على التصوير القوي للمشاعر والمشاهد، وجدناه مسبوقا إليه، وذلك مثل قوله في الحنين لمصر:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بمصر ففيها من أحب نزول
وهل أردن يوما موارد نيلها … وهل يبدون لي روضة ونخيل؟
_________________
(١) (بهجة الناظرين) ٤/¬١٠ نسخة دار الكتب السابق الإشارة لها.
[ ١ / ٢٤٧ ]
ففي البيت الأول تظهر مشاعر حنينه القوي للعودة لمصر والتقائه بأحبابه فيها. وفي البيت الثاني يجسد التصوير الماثل في ذهنه لمشاهد الطبيعة الرائعة بمصر، والمتمثلة في نيلها العظيم، وما أحفّ به من رياض نضرة، ونخيل باسقات، تطالع الناظر من بعيد بخضرتها الدائمة، ومنظرها العجيب. لكننا نفاجأ بأن العراقي لم يبتكر ذلك، وإنما هو ناسج على منوال سابق له (^١).
إلا أن هذا لا يعني جمود ملكته الشعرية أو أحاسيسه وتذوقه، بدليل إقباله على بعض أشعار عصره الجيدة، كقصيدة أديب عصره، برهان الدين القيراطي التي رثى بها الإسنوي شيخ العراقي، وهي تقارب مائة بيت ومطلعها:
نعم قُبضت روح العلا والفضائل … بموت جمال الدين صدر الفضائل
وقد تلقاها عنه العراقي على طولها، ثم أنشدها عنه لولده أحمد (^٢).
كما تتلمذ لابن نباتة أديب عصره، وروى عنه بعض أشعاره كما سيأتي، فهذا دليل على انفعاله بالشعر الجيد وتذوقه له، كما يظهر في شعره أيضًا إحساسه بأحداث عصره وتعبيره عنها بوضوح، مثل قوله في رثاء الإستوي:
لقد كان مأوى للغريب وملجأ … لذي عثرة حتى تراه يقالها (^٣)
فهذا تعبير منه عما قدمناه من أحداث عصره التي جعلت موطنه مصر ملجأ للغرباء وذوي الحاجة، مثل أسرته هو (^٤)، فأشاد بموقف شيخه من تلك.
_________________
(١) (الضوء اللامع، جـ ١/ ١٧٨)
(٢) (حسن المحاضرة) للسيوطي جـ ١/ ١٨١ - ١٨٤ و«وفيات ولي الدين ابن العراقي» سنة ٧٨١ (ترجمة برهان الدين القيراطي).
(٣) (بهجة الناظرين) ص ١٤١.
(٤) تنظر ص ١٠٤ - ١٠٦.
[ ١ / ٢٤٨ ]
الظاهرة، وأحس بمشاعر من عانوا الغربة والحاجة، كما قال عن شيخه أيضًا في تلك المرثية:
صحيح اعتقاد لم يكن متفلسفًا ولا شَانَهُ إرجاؤها واعتزالها (^١). وهذا تعبير واضح عن الصراع المذهبي الذي اشتد في عصره بين الطوائف والفرق الإسلامية، وإظهاره لشعوره المؤيد لاعتقاد أهل السنة والجماعة في مواجهة الفرق المذكورة، حيث جعلهم جميعًا بمنأى عن الاعتقاد الصحيح وجعل مذاهبهم شين لصاحبها، ومثل هذا في عصره الذي تقاتلت فيه تلك الفرق بالسيف كما أسلفنا يعد غاية في جرأة التعبير عن الرأي والحق.
ولعل هذا ما جعل تلميذه برهان الدين الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي يقول في تقييم شعره عموما: «إن له نظما وسطًا، وقصائد حسان».
وهذا الحكم الإجمالي له أهميته إذا عرفنا أن قائله من الشهود على أدب العصر، وقد لازم شيخه العراقي نحو عشر سنين في أواخر حياته، حيث النضج والاكتمال، وشارك في استملاء مجالسه الحديثية التي تضمنت كثيرًا من نظمه كما أسلفنا (^٢) وعبارةُ السِّبْطِ على وجازتها، دقيقة جامعة، حيث تشير إلى أن نظم العراقي الأدبي في طابعه العام متوسط كما وكيفا، ومنه قصائد حسان الكم والكيف، وهذا مطابق لما قدمناه من النماذج وتحليلها.
وبذلك يتقرر لنا أن العراقي وإن كان ألم بقواعد النظم، وطرق باب الشعر الأدبي، وأعمل ملكته في أغراض متعددة منه، وأجاد في بعض قصائده إلا
_________________
(١) المصدر السابق نفس الصفحة.
(٢) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٥.
[ ١ / ٢٤٩ ]
أنه لم يكن هو الميدان الذي ظهرت فيه موهبته العلمية، وإبداعه الفني، ويعد شعره العلمي أجود وأسلوبه النثري أقوى.
كما يتقرر لنا أن شعره الأدبي في عمومه ارتبطت معانيه وأسلوبه وأغراضه بثقافته النابعة من الكتاب والسنة تأثرًا وتأثيرًا، وأنه عبر فيه بوضوح عن شخصيته بأفكارها القويمة ونبالة أخلاقها وعواطفها، كما وَظّفَ شِعْرَه في حمل معاني السنة ونشرها.