اصطلح علماء السنة على استعمال عدة ألفاظ أخرى بمعنى السنة، بحيث
_________________
(١) «الفصل» لابن حزم جـ ٢ ص ٨٤ وما بعدها.
(٢) «علم رجال الحديث» لتقي الدين الندوي ص ٢٢، ٢٣.
[ ١ / ٥٥ ]
إذا وردت في كتبهم مطلقة يكون المراد بها هو المراد بالسنة التي قدمنا تعريفها عندهم، وتلك الألفاظ هي: الحديث والخبر والأثر، ورغم ما قد تجده من الاختلاف بالعموم والخصوص، أو التقابل، في استعمال هذه الألفاظ أحيانًا، إلا أن الجمهور اصطلح على ترادفهم جميعًا مع السنة، واستعمال كل منهم بمعنى الآخر (^١)، ويؤيد هذا استعمال القرآن الكريم والرسول ﷺ ومن بعده من الصحابة والتابعين وأئمة العلماء.
فيقول الله تعالى عن الأرض عند زلزلتها: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (^٢) فوصف الخبر بالحديث واستعمل الرسول ﷺ السنة والحديث والخبر فيما أضيف إليه وإلى صحابته، فقال فيما قدمناه: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»، وقال: «يوشك رجل متكئ على أريكته يُحدث بالحديث من حديثي» وفي حديث «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المؤمن، قال ﷺ لأصحابه: فحدثوني ما هي؟ فقالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة»، وفي رواية قال: «أخبروني ما هي؟» وفي رواية أن أصحابه قالوا له أَخْبِرنا ما هي (^٣)؟
وعلى هذا: جرى الأئمة المشتغلون بالسنة وعلومها في مؤلفاتهم، سواء في
_________________
(١) «حاشية لقط الدرر على شرح ابن حجر لنخبته في مصطلح أهل الأثر» للشيخ حسن خاطر ص ٣، ٢٣، ونخبة ابن حجر وشروحها بهامش الحاشية ص ١٩، ٢٢، ٢٣، و«فتح المغيث» للسخاوي ج ١ ص ١٢، ١٠٣، ١٠٤، ٢٦٨، و«المختصر في علم الرجال الأثر» لشيخنا الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ ص ٤ و«علوم الحديث ومصطلحه» للدكتور صبحي الصالحي ص ١١٠، ١١١.
(٢) آية ٤ من سورة الزلزلة.
(٣) «البخاري» كتاب العلم باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا مع «فتح الباري» جـ ١ ص ١٥٣، ١٥٤.
[ ١ / ٥٦ ]
كلامهم أو فيما نقلوه من كلام غيرهم، كالإمام الشافعي في «رسالته» (^١) وأبو عبيد في «كتاب الأموال» (^٢)، وأبو جعفر الطحاوي في كتابيه «مشكل الآثار» و«شرح معاني الآثار»، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (^٣) والخطيب في «الكفاية» (^٤)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (^٥)، والنووي في «التقريب» (^٦)، والطيبي في «الخلاصة» (^٧) والذهبي في «زغل العلم» (^٨)، وغير هؤلاء من المتقدمين والمتأخرين.
وقد جرى العراقي على ما ذهب إليه الجمهور فاستعمل الألفاظ الأربعة عند الإطلاق بمعنى واحد، ففي أول ألفيته في المصطلح نسب نفسه إلى الأثر فقال: «عبد الرحيم بن الحسين الأثري».
وقال في شرحها: الأثري بفتح الهمزة والثاء المثلثة نسبة إلى الأثر، وهو الحديث، ثم عاد فعبَّر بالحديث فقال: في وصف الألفية «توضح من علم الحديث رسمه» (^٩).
_________________
(١) انظر مثلًا ص ١٨٣ - ١٨٤ - ١٨٧ - ١٩٤ - ١٩٥.
(٢) انظر مثلًا ص ٤٥١، ٦٩٢.
(٣) ص ٢ - ٨٤ - ٨٥ - ١١٩ - ٢٣٨.
(٤) ص ٣٢ - ٣٤ - ٣٥ - ٣٧ - ٤٥ - ٥٠ - ٥٨ - ٥٣١ - ٥٣٢ - ٥٣٣ - ٥٧٠ - ٥٩٦.
(٥) جـ ١ ص ٩٢، وجـ ٢ ص ١٣٢، ٢٣٥، ٢٣٨، ٢٠٨.
(٦) انظر «تقريب النووي بهامش تدريب الراوي» للسيوطي ص ١٠٩ و«التدريب» أيضًا نفس الموضع وص ٦.
(٧) «الخلاصة» ص ٣٠.
(٨) «زغل العلم والطلب» ص ١١.
(٩) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١ ص ٧.
[ ١ / ٥٧ ]
ثمّ عنون الموضوع الأول في الألفية «بأقسام الحديث»، كما عبر بذلك من قبله ابن الصلاح، وعبر في بيان الأقسام «بالسنن» بدل الحديث فقال: «وأهل هذا الشأن قسموا السنن … إلى صحيح وضعيف وحسن».
ثم شرح قوله: أهل هذا الشأن بقوله: «أي وأهل الحديث»، ثم نقل كلام الخطابي في هذا التقسيم، وفيه التعبير بالحديث بدل السنن التي عبر هو بها (^١).
وفي حكم الصحيحين والتعليق (^٢) وفي باب المدرج (^٣)، ذكر الخبر بمعنى الحديث، واستعمل أيضًا الخبر والحديث بمعنى واحد (^٤)، ثم استعمل الخبر والأثر بمعنى الحديث (^٥)، واستعمل السنة بمعنى الأثر (^٦)، حيث وصف الإمام مالكا بأنه نجم السنن، وقال: إنه اقتدى في ذلك بقول الإمام الشافعي: «إذا ذكر الأثر فما لك النجم» (^٧)، وفي «مقدمة تكملته لشرح الترمذي» (^٨) عبر بالآثار عن الأحاديث، ولم يخرج العراقي عن هذا إلا فيما خرج أحاديثه، وهو «إحياء علوم الدين» و«تخريج أحاديث منهاج البيضاوي»، فقد جرى في تخريجها على تخصيص الخبر والحديث بما روي عن الرسول ﷺ وتخصيص الأثر بما روي عن غيره من الصحابة والتابعين كما سيأتي، وقد فعل ذلك رعاية.
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١ ص ٩، ١٠.
(٢) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١ ص ٣٠.
(٣) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١ ص ١٢٢.
(٤) «متن الألفية مع فتح المغيث» للعراقي جـ ٢ ص ٢٨.
(٥) «متن الألفية مع فتح المغيث» للعراقي جـ ٢ ص ٢.
(٦) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢ ص ٥.
(٧) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢ ص ٩.
(٨) ورقة (ا ب) مخطوط مصور.
[ ١ / ٥٨ ]
لما جرى عليه صاحبا الكتابين، وَهُمَا: «الغزالي» و«البيضاوي» من إطلاق الأثر على المضاف للصحابة والتابعين، وإطلاق الخبر والحديث على المرفوع للرسول ﷺ، وهذا يلتقي مع اصطلاح لبعض الفقهاء حيث يُطلقون الأثر على ما جاء عن الصحابة أو جاء عن السلف عمومًا (^١).
قال النووي: «وعند المحدثين كل هذا، أي المرفوع للرسول والموقوف على الصحابة، يُسمَّى أثرًا، ووجهه السيوطي بالمأخذ اللغوي فقال: «لأنه مأخوذ من أثرت الحديث أي رويته، فكلاهما صادق عليه أنه مروي ومأثور، سواء عن الرسول أو عن الصحابة، وكذلك عن التابعين، ولذلك اعتمد المحققون من المتأخرين ترادف الحديث والأثر كما قدمنا»» (^٢).