قال ابن الأكفاني المعاصر للعراقي في «إرشاد القاصد»: «علم الحديث الخاص بالرواية علم بنقل أقوال النبي ﷺ وأفعاله بالسماع المتصل، وضبطها وتحريرها» (^٣).
وبناء على هذا التعريف يكون علم الرواية مخالفا كلية لما أطلقه عليه.
_________________
(١) «مفتاح السعادة» لطاش كبرى زادة جـ ٢/ ١٢٨.
(٢) «المختصر من علم رجال الأثر» ص ١٤.
(٣) «شرح السيوطي لألفيته» ورقة ٢ أو «التدريب» ص ٤ و«النكت الوفية» للبقاعي ورقة ٤ ب، ٥ أ، وابن الأكفاني هو محمد بن إبراهيم بن ساعد السنجاري المصري المتوفى سنة ٧٤٩ هـ كما في «الدرر الكامنة» لابن حجر جـ ٣ ص ٣٦٦، ٣٦٧.
[ ١ / ٧٢ ]
المتقدمون عن ابن الأكفاني، كالخطيب وغيره؛ لأنه عندهم كما مر، قواعد كلية، ومصطلحات، لبيان أحوال السند والمتن، بما في ذلك قواعد تحمل السنة وأدائها، أما هذا فهو عبارة عن تطبيق لقواعد التحمل والأداء، والتطبيق غير القاعدة، فهو تعريف أقرب إلى المعنى اللغوي للرواية، منه إلى الاصطلاح العلمي؛ لأنه غير جامع حتى لأنواع السنة المضافة للرسول ﷺ؛ لاقتصاره على الأقوال والأفعال دون ذكره بيان صفاته ﷺ وتقريراته وهي أحاديث مرفوعة بإجماع المحدثين (^١)، هذا فضلا عن عدم ذكره للمضاف للصحابة والتابعين، وهو من السنن كما قدمنا، وأيضا فقد قصر الرواية على النقل بالسماع فقط، دون باقي طرق التحمل المعتبرة، ومن شرط الحد أن يكون جامعا للمحدود.
ومع هذا فقد أقر ابن الأكفاني عليه عامة من جاء بعده حتى الآن فبعضهم ذكره كما هو وسكت عليه كالسيوطي (^٢) والبقاعي (^٣) والأستاذ صبحي السامرائي (^٤).
وبعضهم لاحظ قصوره الذي أشرنا إليه فأضاف إليه ما يجعله شاملا لعموم أنواع السنة فقال: «هو علم يشتمل على نقل ما أُضيف إلى الرسول ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة وكذا ما أضيف إلى أصحابه أو تابعيهم من قول
_________________
(١) «شرح السيوطي لألفيته في المصطلح» ورقة ٦ ب.
(٢) المرجع السابق ورقة ٢ أ، و«التدريب» ص ٢.
(٣) «النكت الوفية» ورقة ٤ ب، ٥ أ مخطوط.
(٤) «مقدمة تحقيق كتاب الخلاصة في أصول الحديث» للطيبي ص ٩.
[ ١ / ٧٣ ]
أو فعل أو تقرير، ومن هؤلاء: الشيخ زكريا الأنصاري (^١) وتبعه على هذا الشيخ عطية الأجهوري (^٢) والشيخ محمد الزرقاني (^٣) والدكتور صبحي الصالح (^٤)، ومنهم من أضاف ما يجعله شاملا للمضاف للرسول ﷺ فقط (^٥).
ولو أننا مشينا على أعم صيغ هذا التعريف الشاملة لنقل سنة الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم، كما ارتضاه الأنصاري ومن تبعه، فإنه سيبقى لدينا مباحث تختص بالمرويات ولا يشملها علم الرواية بمفهومه المذكور، كما لا يشملها علم الدراية في اصطلاح المتأخرين أيضًا كما سنذكره، من ذلك مثلا ما تضمنته مصادر السنة العديدة، من بيان درجة المروي فيها، من الصحة أو الحسن أو الضعف أو الوضع، وهذا زائد عن المتون المروية وهو أحكام جزئية ليست من قواعد علم الدراية، وإن كانت تطبيقا لها، ومن ذلك أيضًا: فقه السنة ومعانيها المتمثلين في تصنيفها على الموضوعات والأبواب، وفي الشروح العديدة لكتبها كشرحي صحيح البخاري ومسلم.
_________________
(١) في كتابه «فتح الباقي بشرح ألفية العراقي في المصطلح» ورقة ٣ أ مخطوط بدار الكتب المصرية برقم ١٣ مصطلح م.
(٢) في «حاشيته على شرح الزرقاني» للبيقونية ص ١١.
(٣) في «المنهل الحديث في علوم الحديث» ص ٣٥.
(٤) في «علوم الحديث ومصطلحه» ص ١٧.
(٥) كالشيخ نجا الإبياري في «نيل الأماني بتوضيح مقدمة القسطلاني» ص ١٦ والشيخ محمد الجيزاوي شيخ الأزهر في «الطراز الحديث» ص ٧ والشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف في «المختصر في علم رجال الأثر» ص ٥ والشيخ محمد المبارك شيخ علماء السودان في «الناقد الحديث»، ص ٧ والدكتور النعمان القاضي في كتابه «الحديث الشريف رواية ودراية» ص ٧٧.
[ ١ / ٧٤ ]