الحمد لله رب العالمين حمدًا يوافي نعمه، ويدفع نقمه، ويكافئ مزيده والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ، أرسله الله ﷾ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وآتاه الكتاب ومثله معه، وكلّفه بأن يبين للناس ما نزل إليهم. فكان له ﷺ وحي متلو معجزا هو القرآن، ووحي غير متلو وهو السنة المطهرة التي بين بها قولا وعملًا وإقرارًا للناس ما نزل إليهم، وكان الوحي رائدًا له في كل ذلك.
ولولا السنة ما عرفنا عدد ركعات الصلاة ولا هيئاتها، ولا تحديد أوقاتها وكذا باقي تشريعات الإسلام في مختلف نواحي الحياة؛ حيث تعرض القرآن لها بالإجمال والإشارة وجعل البيان راجعًا إلى سنة الرسول ﷺ.
ومن هنا واكبت العناية بالسنة العناية بالقرآن الكريم منذ عصر الرسول ﷺ وحتى الآن.
ولقد امتن الله عليّ أثناء دراستي الجامعية بالاتجاه إلى التخصص في التفسير والحديث فدرست ما تيسر لي من علوم القرآن والسنة، فلما كانت مرحلة الدراسات العليا، أنعم الله عليّ بالتخصص بدراسة علوم السنة.
وحصلت بفضل الله تعالى على درجة التخصص «الماجستير» في الحديث وعلومه بتقدير «جيد جدًا».
[ ١ / ٥ ]
ووقع اختياري بعد استخارة الله تعالى على أن يكون «الحافظ العراقي» هو موضوع الرسالة، وذلك لأني نظرت فوجدت من سبقني أو لحقني من الأساتذة والزملاء الأفاضل، قد عنوا بالكتابة إما عن شيوخ العراقي ومعاصريه كابن كثير والذهبي والمزي، وإما عن تلاميذه ومن بعده كابن حجر والسيوطي، أما العراقي فلم أجد من تناوله من قبلي بالدراسة المتخصصة، رغم أنه كما أثبت في هذا البحث كان رائد مدرسة السنة في عصره داخل مصر وخارجها، حتى انتشر تلاميذه وذاعت مؤلفاته منذ عصره، من الأندلس غربًا حتى بلاد الهند وفارس شرقًا.
* لهذا لقبه الغزي في «بهجة الناظرين» بحافظ الدنيا (^١).
* وقال تلميذه ابن حجر في رثائه:
وَمِنْ سِتِّينَ عَامًَا لَمْ يُجَارَى … وَلَا طَمِعُ الْمُجَارِي فِي اللِّحَاقِ
* وقال أيضًا: إن الحافظ الكامل في المتأخرين بعد البيهقي شيخنا العراقي (^٢).
* وقال السخاوي: إنه منقطع القرين في فنون الحديث وصناعته (^٣).
كما عدّه السيوطي وغيره مجدد علوم السنة في القرن الثامن الهجري
* وقال السيوطي والذي أقوله: «إن المحدثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي والذهبي والعراقي وابن حجر» (^٤).
_________________
(١) البهجة ١٢٠.
(٢) إنباء الغمر جـ ١/ ٦٢.
(٣) فتح المغيث جـ ١/¬٩.
(٤) ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي/ ٣٤٨.
[ ١ / ٦ ]
لهذا عقدتُ العزم بعد خيرة الله وسجلت الموضوع بعنوان:
وقسمته بعد هذه المقدمة إلى: أربعة أبواب وخاتمة وفهارس.
وخصصت الباب الأول «للسنة وعصر العراقي».
وقسمته إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تحقيق مفهوم السنة: ويتضمن بيان مفهومها في اللغة وَرَدُّ القول بأخذها من اليهودية، ثم بيان مفهومها في اصطلاح علمائها وردُّ القول بقصرها على أعمال الرسول ﷺ المنقولة عنه بالتواتر. ثم بيان مفهومها في اصطلاح الأصوليين والفقهاء والوُعَّاظ، والتمييز بين اصطلاح هؤلاء واصطلاح علماء السنة. ثم بيان الألفاظ المرادفة للسنة عند علمائها وإقرار العراقي لها.
القسم الثاني: بيان علوم السنة: ويتضمن بيان مفهوم علوم السنة عند المتقدمين والمتأخرين حتى عصر العراقي وتقسيمها إلى علوم رواية وعلوم ودراية ومشتملات كل منهما، ثم بيان مخالفة المتأخرين منذ عصر العراقي للمتقدمين في التقسيم الموضوعي لعلوم الرواية والدراية، وتعريفهم العلمي للرواية والدراية. وتسميتهم لكل منهما.
القسم الثالث: عصر العراقي ومكانة السنة فيه: وتناولت فيه بإيجاز، سياسة العصر وأحواله داخل وخارج مصر في عهد المماليك، وصلة العراقي
[ ١ / ٧ ]
بذلك، وانتقلت إلى الحالة العلمية فتناولتها بإيجاز أيضًا مع التركيز على مكانة علوم السنة آنذاك وعوامل إزدهارها في مسرح حياة العراقي وهو مصر والشام والحجاز، وأثر ذلك في المساعدة على التكوين العلمي للعراقي، كما رددت القول بجمود الحالة العلمية والعلماء في ذلك العصر، وبينت بعض مظاهر العناية بالسنة حينذاك تعلما وتعليمًا وتأليفا، حتى شاركت فيها المرأة الرجل، كما شارك الأمراء والحكام. حتى كان من شيوخ العراقي وتلامذته بعض أمراء المماليك الكبار.
* أما الباب الثاني: فتناولت فيه: «شخصية الحافظ العراقي من جوانبها المختلفة».
وقد استغرق هذا الباب قدرًا كبيرًا من الرسالة وبذلت في عرضه وتحقيق نقاطه جهدًا شاقا؛ نظرًا لأن شخصية العراقي لم يسبق دراستها كما أسلفت، كما أن جوانبها متسعة ومتشعبة. ولا عجب فهو رائد مدرسة، ومجدد جيل بالإضافة إلى أنه قد علق بجوانب شخصيته كثير من الأخطاء والأوهام والغمزات التي يعتبر هذا البحث أول تصدّ لها فيما أعلم.
* وقد قسمت هذا الباب إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مُشَخّصات عامة: تناولت فيها فرار بعض أسرة العراقي من العراق إلى مصر وتوطنهم بها. وبينت تاريخ ولادة العراقي وتسميته وتحديد مكان الولادة حاليًا بالقاهرة، مع تصحيح الخطأ في ذلك، ثم بينت نسبه وصححت سلسلته، وحققت أصله وبينت كنيته ولقبه، ثم أوضحت تعدد نسبته واشتباهه في بعضها بغيره وأثر ذلك، مع بيان ما يمكن تمييزه به عن غيره في هذا.
[ ١ / ٨ ]
ثم انتقلت إلى القسم الثاني: وجعلته عن جوانب شخصية العراقي:
فبدأت بذكر نشأته ومؤثراتها، وصححت خطأ القول بأنه نشأ يتيما، ثم بينت حياة العراقي الزوجية والأسرية وأثرها في السنة، ولما كان توثيق المحدِّث أمرًا أساسيا فإني عنيت ببيان توثيق العراقي من خلال أوصافه الظاهرية ومواهبه العقلية وعقيدته وأخلاقه. ثم انتقلت إلى بيان دراسات العراقي الأولى والعامة حيث حفظ القرآن الكريم في صغره، ثم درس على عادة عصره الفقه وأصوله وكان شيوخه فيه من أبرز علماء عصره، كتقي الدين السبكي وجمال الدين الإسنوي، فعرفت بهما بإيجاز، مع الاهتمام ببيان أثرهما في العراقي وختمت ذلك ببيان مكانة العراقي في علمي الفقه والأصول.
* ثم بينت دراساته اللغوية والأدبية، نظرًا لصلتها الأكيدة بتخصصه ونتاجه في علوم السنة.
وبينت في ذلك مكانته في معرفة علوم اللغة وملامح أسلوبه النثري في مؤلفاته، ثم بينت درايته بقواعد النظم، وتركز شعره في علوم السنة وما يتصل بها، وتوظيف شعره الأدبي لخدمة السنة وشرح معانيها، ولما كان شعره الأدبي هذا لم يُدوَّن في تأليف مستقل، فإني بينت بعض المصادر التي يمكن الوقوف فيها على قدر كبير منه.
* وانتقلت من ذلك إلى القسم الثالث والأخير: حيث تناولت فيه اختصاص العراقي بعلوم السنة وأهم شيوخه وأثرهم فيه، وتلاميذه، وأثره فيهم، ثم مكانته.
* وبينت أنه اتجه أولا للتخصص في علم القراءات، ثم عدل عنه بتوجيه.
[ ١ / ٩ ]
شيخه عز الدين بن جماعة، لما رأى حبه للسنة وذكاءه فقال له: «إني أراك متوقد الذهن؛ فاصرف نفسك إلى علم الحديث».
ثم أوضحت بداية طلبه للحديث ومعوقاته في ذلك واجتيازها، مع الرد على تلميذه ابن حجر في وصف شيخه العراقي بالتراخي في بداية الطلب.
* وفصلت القول في دراساته لعلوم السنة باعتبارها مبعث مجده العلمي وتكوينه، وبينت تخرجه في علوم السنة رواية ودراية، ومن خرجه من حفاظ عصره، مع الرد على ابن حجر في قوله: إن العراقي لم يكن له من يُخرجه، ثم عرفت بأربعة من شيوخه البارزين في علوم السنة وبيان تأثيرهم فيه.
* وانتقلت من ذلك إلى بيان رحلاته في سبيل السنة تعلما وتعليما ونتائجها وهي عبارة عن رحلات إلى الشام والحجاز، ورحلات محلية داخل مصر وعرفت خلال ذلك بأهم شيوخه وشيخاته في تلك البلاد، مع الرد على المستشرقين، في تفسير قيام المرأة برواية السنة وتدريسها للرجال.
* كما أوضحت تغير طابع رحلاته عن بعضها، حيث أخذت رحلاته الحجازية طابع الإفادة لغيره من أهل الحجاز والواردين عليه.
* ثم بينت مدى حرص العراقي على الرحلة في سبيل تحمل السنة ونشرها، حتى عزم على الرحلة إلى بغداد وتونس فحالت دونه المقادير.
* وأوضحت أنه فيما بين تلك الرحلات كان يقوم بنشاطه الحديثي تعلما وتعليما وتأليفا في مقره الأصلي وهو القاهرة، ونظرًا لضخامة ما وقفت عليه من دراساته للسنة وشيوخه فيها، فإني بينت أهم المصادر التي يمكن الوقوف منها على ذلك؛ ليدرك القارئ والباحث أن ما ذكرته قليل جدا من كثير جدا.
[ ١ / ١٠ ]
* ثم لفت نظري عناية العراقي هو والمؤرخون له بالإشادة بمكتبته الخاصة، حتى كان يُضرب بها المثل في القاهرة، فألقيت بعض الضوء عليها، مع بيان أثرها في تكوينه العلمي ونتاجه.
* وختمتُ ذلك كله ببيان وظائف العراقي العلمية التي تقلدها رسميًا أو تطوعًا داخل مصر وخارجها لعشرات السنين، ومدى تأثيرها في نشر وإفادة علوم السنة: تدريسًا وتأليفًا ومقابلة وتصحيحًا وإجازة وإملاء، بين الحرمين المكي والمدني والقاهرة، حيث أحيا سُنَّةَ إملاء الحديث بها لأكثر من عشر سنوات.
* وبينتُ في ذلك ريادته لمدرسة السنة، ومواقفه المشهودة، وجهوده من أجلها، وأستاذيته لجيل المُحدِّثين والمُحدَّثات وحُفَّاظ السنة من بعده في العالم الإسلامي، وكيف قام بالإشراف العلمي والتوجيه بالنسبة لبعض طلابه في مؤلفاتهم كما نفعل اليوم في نظام دراستنا العليا، وخَرَّج من تحت يده بذلك ثمارًا علمية، ومراجع هي عمدتنا إلى اليوم، (كمجمع الزوائد) وغيره لتلميذه نور الدين الهيثمي.
* ثم عَرَّفْتُ بأبرز تلاميذ العراقي والمُتَخَرِّجين على يديه، مع بيان تأثيره فيهم، وبيان انتشارهم في حياته ومن بعده، حاملين لواء السنة بين المراكز العلمية في العالم، من بلاد المغرب غربًا، حتى فارس والروم والهند شرقًا، ثم قدمتُ خلاصة لنتائج وظائف العراقي العلمية وأثرها في السنة، وأنهيتُ الباب ببيان وفاة العراقي وتصحيح تأريخها، وتحديد مكانها بالقاهرة حاليًا، ثم تحديد مكان مدفنه الآن بالقاهرة أيضًا، ثم ذكرتُ بعض تقدير العلماء وغيرهم للعراقي، مع تعقيب ختامي انتهى به ذلك الباب بحمد الله.
[ ١ / ١١ ]
أما الباب الثالث: فتضمن أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في مصطلح علوم السنة وعلم رجالها.
وقد قسمته إلى قسمين:
القسم الأول: في مصطلح علوم السنة:
وتناولت فيه خمسة مؤلفات للعراقي في ذلك، وهي:
١ - ألفيته المسماة بـ «التبصرة والتذكرة» و«شرحه الكبير» لها.
٢ - و«شرحه المتوسط».
٣ - و«التقييد والإيضاح لما أُطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح».
٤ - و«نظم كتاب الإقتراح» لابن دقيق العيد.
٥ - و«شرح تقريب النواوي»، وهذا الأخير لم أجده.
أما الأربعة التي قبله فبحثت كلا منها، من حيث تسميته ونسبته إلى العراقي، وبيان ما للموجود من تلك الكتب، من نسخ خطية، وبيان ما طبع منها وتقويم الطبعة، وتفصيل منهج العراقي في كل كتاب مع التحليل والمقارنة، وذكر بعض النماذج من آرائه، ثم تقويم الكتاب عموما ببيان أهم مميزاته، وبعض المآخذ عليه إن وجدت، وبيان عناية العلماء بتلك الكتب، وأثرها فيما بعدها من المؤلفات في موضوعها، وفي الدارسين له.
وقد استدعى ذلك تناول عدد غير قليل من المؤلفات التي خدمت مؤلفات العراقي السابقة بالشرح أو التعليق أو الإختصار، وكثير من تلك المؤلفات ما يزال مخطوطا حتى الآن.
[ ١ / ١٢ ]
والقسم الثاني: تضمن أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في عِلْم رجال السنة واشتمل ذلك على بيان تأليفه وآرائه في معرفة الصحابة، وفي المؤتلف والمختلف من أسماء الرواة وكُناهم وألقابهم، وفي الرواة الأكابر الذين رووا عن الأصاغر، وفي نقد رواة السنة عمومًا، وذلك في تذييله على «ميزان الاعتدال»، للذهبي، وفي الرواة المدلسين ورواة المراسيل، والوحدان من رجال الصحيحين، وردّ الجهالة عنهم، ورجال كل من: «صحيح ابن حبان» و«سنن الدارقطني» و«تقريب الأسانيد للعراقي» نفسه، وتذييله على بعض كتب تاريخ الرجال ووفياتهم، ويشمل ذلك: تذييله على كتاب «العِبَر» للذهبي، وتذييله على «وفيات نقلة العلم وذوي الشأن» للحافظ ابن أَيْتك الدّمياطي، وتذييله على ذيل آخر لابن أيبك هذا على «وفيات الأعيان» لابن خَلَّكان، وتأليفه في التراجم المفردة لبعض شيوخه، ولبعض معاجم الشيوخ ومشيخاتهم.
* وقد تناولتُ تلك المؤلفات من جوانبها المختلفة: من حيث التسمية وإثبات النسبة للعراقي، وتصحيح ما قد يكون في ذلك من خطأ، وكشف ما وَجَدتُه منها مجهول النسبة لمؤلّف، وبيان ما وقفت عليه من نسخ الكتاب أو نصوصه المتضمنة في غيره، وتحديد موضوع الكتاب وأهميته العلمية، وعناصر منهج العراقي فيه، ونماذج من آرائه، مع المقارنة والتقويم، بذكر أهم المميزات وبعض المآخذ، ثم ما توصلت إليه من أثر لكل كتاب فيما بعده.
* والباب الرابع: خصصته لبيان أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في علم التخريج وفقه السنة، ونقدها، وشرحها، والسيرة النبوية.
[ ١ / ١٣ ]
وجعلته في خمسة أقسام:
القسم الأول: تأليف العراقي وآراؤه في أنواع علم التخريج، وأثر ذلك: وتناولت فيه بيان مفهوم التخريج، ثم كتب التخريج التي ألفها العراقي، مخطوطة أو مطبوعة أو مفتقدة، وما تمكنت من الوقوف عليه تناولته من حيث: التسمية والنسبة للعراقي، ومنهجه فيه، مع المقارنة والتحليل والتقويم، بذكر أهم المميزات والمآخذ، ثم أثر الكتاب فيما بعده.
القسم الثاني: في تأليف العراقي وآرائه في فقه السنة؛ من أحاديث الأحكام عموما، وبعض الموضوعات المفردة، وأثر ذلك.
القسم الثالث: تأليف العراقي وآراؤه في الأحاديث المنتقدة والموضوعة وأثر ذلك.
والقسم الرابع: تأليف العراقي وآراؤه في شروح كتب السنة، وغريب ألفاظ الحديث، وأثر ذلك.
والقسم الخامس: بيان تأليف العراقي وآراؤه في السيرة النبوية، وأثر ذلك.
* وسلكت في بحث تلك الأقسام الأربعة المنهج الذي انتهجته في بحث القسم الأول.
* وختمت الرسالة ببيان أهم النتائج التي توصلت إليها خلال الأبواب الأربعة
* ثم ذكرت فهرسا لأهم المراجع الخطية والمطبوعة، وفهرسا للموضوعات.
وبالله التوفيق.
* * *
[ ١ / ١٤ ]