يفهم من إثبات أقدم سماع له سنة ٧٣٧ هـ على الجاولي والإخنائي وغيرهما كما تقدم، ومن متابعة خطواته التعليمية بعد هذا، أنه تجاوز مرحلة الإسماع بتوجيه والده إلى السعي بنفسه هو للسماع، وإختيار الشيوخ للتلقي عنهم، ويوضح ذلك تصريح ابن قاضي شهبة (^١) والغزي (^٢) لسماعه الحديث على ناصر الدين محمد بن سمعون وهو أقدم شيوخه في القراءات كما تقدم، ولذا استدل تقي الدين السبكي على قدم إشتغال
_________________
(١) «الأعلام» له جـ ٤/ ٢١٩.
(٢) «بهجة الناظرين» ص ١٢٩.
[ ١ / ٢٧٦ ]
العراقي بالحديث بأخذه عن ابن سمعون هذا (^١).
كذلك نجد ابن فهد بعد ذكره أقدم سماع وجد للعراقي في سنة ٧٣٧ هـ وأن أول اشتغاله كان في القراءات والعربية يقول: «وكان متشوقًا للأخذ عن الأستاذ أبي حيان والاجتماع به فبلغه عنه سوء خلق، وحَطَّ على الفقراء - يعني الصوفية - فغير عزمه عن ذلك غيرة للفقراء، لِصُحبته إياهم، وخدمته لهم، فحصل له بذلك العناية التامة» (^٢).
وقد أورد السخاوي أيضًا هذا الموقف ضمن نشاط العراقي في سماع الحديث حين اشتغاله بالقراءات، فقال: «بل كان هَمُّه حين اشتغاله في القراءات بالتوجه لأبي حيان فصده عن ذلك حسن قصده» (^٣).
ودلالة موقفه هذا من أبي حيان على تعاطفه حينئذ مع أهل التصوف، بحكم بيئته وتوجيه والده له من الصغر كما تقدم، لم يمنعه - فيما بعد - من نقد ما رآهم مخالفين فيه للكتاب والسنة، كما سيأتي.
أما ما نحتاجه هنا فهو دلالة الموقف بوضوح على بلوغ العراقي في حياة أبي حيان الأندلسي المتوفى في أوائل سنة ٧٤٥ هـ (^٤) مرحلة الطلب للحديث.
_________________
(١) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.
(٢) «لحظ الألحاظ» ص ٢٢٢.
(٣) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢
(٤) هو محمد بن يوسف بن علي الغرناطي الأندلسي، أتقن الحديث والعربية والقراءات وتتلمذ له شيوخ العراقي، كالسبكي والأسنوي وتولى مشيخة الحديث بالقبة المنصورية وكان يطلق لسانه في الناس إلى آخر عمره: لحظ لحظ الألحاظ، لابن فهد ص ٢٣٠ وما بعدها و«شذرات الذهب،» ج ٦/ ١٤٠.
[ ١ / ٢٧٧ ]
بنفسه والسعي للشيوخ، وانتقاء من يقبل على التلقي منه أو يعرض عنه مهما كانت شهرته العلمية، كأبي حيان الذي تتلمذ له كبار شيوخ العراقي كالسبكي والإسنوي.
كما أن هذا الموقف يشترك مع ما ذكرنا من سماع العراقي من ابن سمعون في الدلالة على أن تلقيه للحديث في بداية طلبه بنفسه، لم يكن مكثفا، لوقوعه خلال اشتغاله بغيره من العلوم السابقة، بل وخلال اتجاهه للتخصص بالقراءات التي كان منهمكا في تحصيلها كما أسلفنا.
ولما كان الطلب على هذا النحو غير مركز، ولا يحقق الهدف المقصود لصاحبه، وهو التبريز في علم الحديث الذي أحبه العراقي وتعلق به، فإن جمهور المؤرخين للعراقي يقررون أنه في عام ٧٤٢ هـ تحول من الإنهماك في علم القراءات لكي يتخصص فيها، إلى الإقبال بكليته على طلب الحديث على وجهه المطلوب، والتفرغ له، ويعتبرون هذا التاريخ هو البداية الحقيقية لطلبه بنفسه، دون ما تقدم ذلك من التلقي غير المنتظم، ويلاحظ أن العراقي في تلك السنة كان في السابعة عشر من عمره، وهو من ملائم لتلك المرحلة من الدراسة التي تحتاج بجانب الحفظ إلى الفهم والوعي، كما أنه يعتبر سنا وسطًا بالنسبة لعصره، فقد بدأ شيخه ابن جماعة الطلب بنفسه في السادسة عشر من عمره (^١) وطلب معاصره المزي في العشرين (^٢)
_________________
(١) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٦٧ هـ ترجمة عز الدين ابن جماعة.
(٢) «الأعلام» لابن قاضي شهبة جـ ١/ ١٣٦.
[ ١ / ٢٧٨ ]