على ضوء ما تقدم من دراسات العراقي للفقه والأصول وتأثير أبرز شيوخه فيه وشهادتهم له بصواب النظر وجودة الفهم وتوثيقهم لعلمه ومؤلفاته، يمكننا أن نقرر أنه وإن لم يتخصص في هذين العلمين إلا أنه شارك المتخصصين فيهما من شيوخه فضلا عن أقرانه مشاركة جيدة، فقام بما سنفصله من الفتوى والتدريس في حياة شيوخه وتولى القضاء والتأليف في العلمين تتميما لأعمال البارزين من شيوخه كالسبكي والإسنوي، ومن أئمة المذهب كالبيضاوي والنووي كما قدم بحوثا متعددة وجيدة في الفقه والأصول عند تناول ما يتصل بهما في مؤلفاته في السنة وعلومها، وظهر في هذه المجالات العلمية والعملية إلمامه بأصول المذهب وفروعه.
وبرزت شخصيته الفقهية والأصولية واضحة بجانب من اعتمد عليهم أو ناقش آراءهم من المتقدمين والمتأخرين حتى شيوخه وأئمة عصره كما سنوضحه في محله.
فلا غرابة أن نجد السيوطي وغيره يعدونه من المجتهدين في عصره (^١) فمع ما قدمناه من فرض الحكام الانتساب لأحد المذاهب الأربعة فإنه كان من أئمة العصر من يوصف بالجمع بين الاجتهاد المطلق، والمقيد بأصول المذهب المنتسب إليه، فوصف بذلك من شيوخ العراقي: السبكي والإسنوي كما
_________________
(١) ١ «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة» للسيوطي ص ٥١ (مخطوط بدار الكتب المصرية)
[ ١ / ٢٣٣ ]
أشرنا في ترجمتهما، ومن أقرانه: سراج الدين البلقيني المتوفى سنة ٨٠٥ هـ فجاء في ترجمته: أنه قد جمع الله فيه بين وصفي الاجتهاد من الإطلاق والتقييد وذلك بتمكنه من استخراج العلم بالاستنباط من الدليل بالرأي السديد، ومن تخريج الفروع على قواعد الإمام الشافعي (^١).
ومن يتتبع نشاط العراقي العلمي وآثاره يجد أنه قد توفر له في كثير من المسائل والأحكام ما توفر الشيوخه وأقرانه من حقيقتي الاجتهاد المطلق والمقيد بأصول مذهبه الشافعي.
أما حقيقة الاجتهاد المطلق، فلما سيأتي له من الفتوى واستنباط بعض الأحكام بالاعتماد رأسا على أدلة الكتاب والسنة وما تفرع عنهما من أصول التشريع (^٢) سواء وافقه في ذلك أو خالفه غيره من المتقدمين أو المتأخرين حتى شيوخه وأقرانه وأئمة عصره، وتلك هي حقيقة الاجتهاد المطلق كما ذكرت في وصف البلقيني المتقدم، وفي اصطلاح العلماء (^٣)، وهو مطلوب شرعا وثابت بالنسبة لمن تأهل له من المتأخرين كما كان مطلوبا وثابتا بالنسبة لأصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم من المتقدمين، والفارق المميز: أن اجتهاد المتقدمين بحكم سبقهم الزمني والعلمي، كان كليا شاملا للنظر في عامة المسائل التي هي محل نظر، ووضع قواعد عامة تفرع عليها الأحكام، وبذلك كان لهم مذهب كامل.
_________________
(١) «بهجة الناظرين» للغزي ص ٥.
(٢) انظر «الرسالة» للشافعي ص ٢٥.
(٣) «نهاية السول» للأسنوي و«حاشية المطيعي عليه» جـ ٤/ ٢٢٤ - ٢٢٧ و«تاريخ التشريع» للخضري ص ١١٣.
[ ١ / ٢٣٤ ]
أما اجتهاد المتأخرين فهو جزئي، ينصب على النظر في بعض المسائل والأحكام بناءً على القول الراجح بتجزؤ الاجتهاد (^١).
وأما توفر حقيقة الاجتهاد المقيد بالمذهب، فلما سيأتي له أيضًا في بحث مؤلفاته: من الترجيح والتضعيف والتخطئة والتصويب لآراء وترجيحات من تقدمه من الأئمة، وهذا ما تضمنته حقيقة الاجتهاد في المذاهب (^٢) كما تضمنت بيان أحكام الوقائع المتجددة والمسائل الفرعية استنادا على أصول المذهب وقواعده، كما تقدّم في وصف البلقيني، وقرره العلماء، وهذا ما قام به العراقي بحكم توليه القضاء على مذهب الشافعي عدة سنين كما سيأتي