على أن القصور في إيضاح جوانب دراسة العراقي لعلوم اللغة وأدبها لا ينبغي أن يفهم منه ضآلة محصوله منها، بدليل ما وصلنا من رصد النتيجة العامة.
_________________
(١) «غاية النهاية» لابن الجزري ج ١/ ٥٩٧، ٥٩٨.
(٢) «بغية الوعاة» للسيوطي جـ ١/ ٤٠٢ و«الدرر الكامنة» جـ ١/ ٣٣٩، ٣٤٠.
(٣) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«لحظ الألحاظ» ص ٢٢٢.
(٤) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٢.
[ ١ / ٢٣٧ ]
لتلك الدراسة، وما أمكن الوقوف عليه من نتاجه ونشاطه العلميين
فبالنسبة للنتيجة العامة نجد من تلاميذه - وهم أخبر به - التقي الفاسي يقرر: أنه كان عارفًا بعلوم «العربية» عمومًا (^١) وينص ابن فهد والبرهان الحلبي على علمه بالنحو واللغة والغريب (^٢)، ويضيف البرهان الحلبي أن له نظما وسطًا وقصائد حسان (^٣) وبذلك تكتمل الشهادة له بالدراية اللائقة لعامة فروع اللغة وأدبها.
وبالنسبة لنتاجه ونشاطه العلميين، فإن فيهما مصداق ذلك واضحا وسنورد هنا بعض الأمثلة العامة لما سيأتي تفصيله في محله، وبعض النماذج التفصيلية لغيره.
فمن ذلك: ما قدمناه من بلوغه في الفقه وأصوله درجة الباحث المجتهد، وهي درجة لا يتأهل لها إلا بمعرفة جيدة للدلالات المنطوقة والمفهومة لما تضمنته آيات وأحاديث الأحكام من الألفاظ والعبارات والأساليب، وما في كل منها من الحقيقة والمجاز، والخصوص والعموم والأمر والنهي والتوكيد وغير ذلك، وهذا يتوقف على معرفة قدر كاف من فقه اللغة وغريبها، وشعرها ونثرها ونحوها وصرفها وبلاغتها من بيان ومعان وبديع (^٤).
كذلك سيأتي تأليفه في غريب الحديث، ونظمه ألفية في غريب القرآن الكريم مع ترتيب ذلك ترتيبا فنيًا على حروف المعجم، ورتب أيضًا عددًا من
_________________
(١) «ذيل التقييد لتلميذه التقي الفاسي» ورقة ٢١٩ ب.
(٢) «لحظ الألحاظ» ص ٢٢٧ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥.
(٣) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٦.
(٤) انظر «نهاية السول في شرح منهاج الأصول» للأسنوي و«حاشية المطيعي عليه» جـ ٤/ ٥٤٧ وما بعدها و«الرسالة» للشافعي ص ٢٣، ٢٤.
[ ١ / ٢٣٨ ]
مؤلفاته في الرجال على حروف المعجم، مما يمثل ظاهرة معجمية في نتاجه العلمي. ويضاف لذلك ما سنعرض له في بحث مؤلفاته المختلفة في علوم السنة وشروحها من أبحاثه القيمة في المعاني اللغوية وفي الجوانب النحوية والصرفية والبلاغية والعروضية، وكلها تظهر إلمامه الجيد بتلك العلوم وتنبهه لدقائقها، ومناقشته لكثير من آراء أئمتها ترجيحًا وتضعيفًا، وإطلاعه الواسع على مصادرها المتعددة واعتماده المناسب عليها (^١).
ملامح أسلوبه النثري:
ويظهر لنا من مؤلفاته بصفة عامة، ومما وقفنا عليه من خطبه التي أداها خلال اشتغاله بذلك، تقلله كثيرًا من نزعة السجع، والصناعة اللفظية اللتين سادتا في عصره، بحيث لم يلجأ لذلك إلا في مقدمات بعض كتبه، وفيما وقفت عليه من خطبه الوعظية، وهذا استعمال في محله، خاصة وأننا نلاحظ خلوه من التكلف والركاكة، واختياره للألفاظ الدقيقة المعاني والعبارات القوية المترابطة، مثل قوله في مقدمة «تكملة شرح الترمذي»: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبيض وجوه آتيها إذا اربَدَّتْ وجوه أبيها فارتدت كالحات» (^٢) ومثل قوله في بعض خطبه الوعظية: «ابن آدم: ما هذه الغفلة ونُذُرِ الرحلة بك قد ألمت، وما هذه المهلة ومدة النقلة قد أظلت، استبطأت المنايا، فكأنك بها والله قد حلت، واغتررت بشبابك وصحتك، كأنك بقدمك والله قد زلت … فرحم الله عبدا حاسب
_________________
(١) انظر مثلا «التقييد والإيضاح» ص ١٢ و«فتح المغيث» جـ ٢/¬٤٤، ٥٨ وج ٣/ ٩٥ وكلاهما للعراقي.
(٢) «تكملة شرح الترمذي» له جـ ١/ ورقة ا ب (مخطوط مصور).
[ ١ / ٢٣٩ ]
نفسه على الذرة والخطوة، وما عزمت عليه وهمت، وناقشها على النّقير والقِطْمِير، وما أظهرت وأكنَّت» (^١). ونلاحظ أيضًا رعايته لمقام الكلام وحال المخاطب به، فيتخير العبارة والمضمون المناسبين (^٢) ويوجز أو يتوسط أو يتوسع، ويُطْنِب وينتقد من خالف ذلك (^٣) وعندما يلاحظ أنه أوضح ما قد يعدو واضحًا أو استطرد بما يخرج عن الموضوع، ينبه على وجهة نظره فيما أقدم عليه (^٤).