مر بنا أن العراقي يسمى «عبد الرحيم» وأن والده يسمى «الحسين» ولكن لابد من تعريفنا بسلسلة نسبه إلى أبعد حد ممكن؛ لأن ذلك مما يميز الأشخاص عن بعضهم، ولهذا اعتنى به المحدثون في تاريخ الرواة والحفاظ، لتمييز مروياتهم ومؤلفاتهم، كما عني به المؤرخون للأعلام بصفة عامة.
وقد ذكر لنا العراقي نسبه بنفسه في ترجمته لابنه أحمد حيث قال: هو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم (^٣) وهكذا ساق أحمد نسبه في توقيعه (^٤) وساق أيضا نسب جده «الحسين» مرتين، ذكر فيهما أنه «الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم» (^٥) وعليه يقال إن العراقي: هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي
_________________
(١) انظر ترجمة الأستاذ إبراهيم حلمي القادري للعراقي في مقدمة تحقيقه لكتاب «القرب في محبة العرب»، المنسوب خطأ للعراقي ص ٧ (ط الإسكندرية ١٩٦٧ م).
(٢) «فهرس الفهارس» للكتاني جـ ٢/ ١٩٦.
(٣) «طرح التثريب في شرح التقريب» للعراقي وولده جـ ١/¬١٦.
(٤) المرجع السابق جـ ١/¬٩.
(٥) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٦٣ هـ ترجمة أبو عبد الله الحسين، وفيات سنة ٧٧٢ هـ ترجمة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسين.
[ ١ / ١٥٤ ]
بكر بن إبراهيم.
لكني وجدت في ترجمته في «معجم شيوخ الحافظ ابن حجر» وفي ترجمة ولده أحمد في كتاب «رفع الإصر عن قضاة مصر» لابن حجر أيضًا زيادة اسم «إبراهيم» بين «عبد الرحمن» وبين «أبي بكر».
فقيل: هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر ابن إبراهيم (^١) مع أن هذا الاسم غير موجود كلية في ترجمة ابن حجر له في بقية مؤلفاته كـ «ذيل الدرر الكامنة» الذي وقفت عليه بخطه (^٢) وكـ «إنباء الغمر» له أيضًا (^٣) فلعل زيادة هذا الاسم في كتاب «المجمع» و«رفع الإصر» سبق قلم من ابن حجر أو من الناسخ، ومع ذلك فإن بعض من ترجم للعراقي بعد ابن حجر مشي على زيادة الاسم، مثل ابن تغري بردي المؤرخ المعروف (^٤).
ولكن الصواب حذفه طبقا لما وجدته بخط ابن حجر نفسه، ولما أثبته العراقي وولده غير مرة كما بينا.
أما أصل العراقي فإن أكثر المترجمين له يذكرون أنه كردي (^٥) وقد قدمنا أن
_________________
(١) «المجمع المؤسس» لابن حجر ص ١٧٦ و«رفع الإصر» له قسم ١/ ٨١.
(٢) «ذيل الدرر الكامنة» له ص ٧٠ (مخطوط بخط ابن حجر بدار الكتب المصرية).
(٣) جـ ٢/ ٢٧٥.
(٤) «المنهل الصافي» له جـ ٢/ ٣١١ ب (مخطوط).
(٥) «ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠ و«إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٧٥ كلاهما لابن حجر و«الأعلام» جـ ٤ ورقة ٢١٩ أ و«طبقات الشافعية» ورقة ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة و«بهجة الناظرين» للغزي ص ١٢٩ و«لحظ الألحاظ»، لابن فهد ص ٥٢ و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤ ص ١٧١ و«شذرات الذهب»، لابن العماد جـ ٧/ ٥٥ و«مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في
[ ١ / ١٥٥ ]
موطنه الأصلي بالعراق، معظم سكانه أكراد، واستعربوا بعد الفتح الإسلامي.
ويضيف المناوي بعد نسبته للأكراد، نقلا عن جده شرف الدين يحيى المناوي، أن نسب العراقي يتصل بسيدنا عمر بن الخطاب ﵁، وأن العراقي لم يكن يذكر ذلك تورعا (^١) وقد انفرد المناوي عن جمهور المترجمين للعراقي بذكر هذه النقطة، والمعروف أن جده شرف الدين الذي نقل عنه ذلك، كان زوجا لابنة العراقي، كما أن ولي الدين ابن العراقي تزوج أخته، وتتلمذ له شرف الدين، وكانا صديقين (^٢) فلعل هذا كله مكنه من معرفة بعض دخائل الأسرة، التي لم تكن تشيعها لغيره.
وقد تبع المناوي بعض من ترجم العراقي بعده، كعبد المجيد بن كيران فقال بعد سياق نسب العراقي: الكردي العمري، نسبة لسيدنا عمر الفاروق، ولكن الشيخ كان لا يذكر ذلك تورعا (^٣) وبناء على ذلك يكون العراقي أصله عربيا قرشيا، مع انتسابه للأكراد. وهذا يتأتى على اعتبارين:
_________________
(١) = السيرة» و(البدر الطالع) للشوكاني ٤/ ٣٥٤ و(معجم المؤلفين) لعمر كحالة جـ ٥/ ٢٠٤ و(الأعلام) للزركلي جـ ٤/ ١١٩ و(معجم المطبوعات) لسركيسي جـ ٢/ ١٣١٧ وهذه نسبة إلى (كردستان) في آسيا، يسكنها الأكراد، وتقع بين الأناضول، وبلاد الفرس، وأرمينية، والجزيرة الواقعة بين دجلة والفرات/ مقدمة الأستاذ محمد بن الحسين العراقي لشرحي التبصرة والتذكرة لكل من العراقي والأنصاري ١/¬٩ ط فاس.
(٢) (مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة).
(٣) (مقدمة شرح المناوي الموجز الألفية العراقي في السيرة) و(جامع كرامات الأولياء) للنبهاني جـ ٢/ ٢٨٦، ٢٨٧.
(٤) مقدمة شرح ابن كيران لألفية العراقي في السيرة النبوية مخطوط بدار الكتب المصرية.
[ ١ / ١٥٦ ]
أحدهما:
رجوع الأكراد لأصل عربي، وممن قال بذلك تقي الدين المقريزي، صاحب كتاب «الخطط» وغيره، ولكن من الباحثين من خطأه في هذا، وقال: «إن ذلك لا يصمد أمام النقد التاريخي» (^١).
الثاني:
أن تكون نسبة العراقي للأكراد، نظرًا لإقامة أسلافه من العرب القرشيين بينهم، خاصة وأن أكراد المنطقة قد استعربوا بعد الفتح الإسلامي للعراق كما قدمنا، ويرجح هذا، جَمْعُ المناوي ومن تبعه بين النسبتين كما ذكرنا.
وليس في بحثنا لأصل العراقي إشاعة للعصبية العنصرية أو الشعوبية الممقوتتين، وإنما هو قصد لتسجيل الحقيقة المجردة، على أن ولي الدين ابن العراقي ذكر أن جده الحسين كان يكتفي بنسبة نفسه للعراق، فيما يكتبه بخطه (^٢).
وتبعه هو على ذلك (^٣) كذلك نجد العراقي يذكر ذلك في توقيعاته كما سيأتي.
في حين أن كلا من العراقي وولده ولي الدين في مؤلفاتهما في التراجم، يعنيان ببيان من ثبت لهم مثل هذه النسبة أو انتحلوها (^٤)، حتى إن العراقي
_________________
(١) انظر (ترجمة الحافظ ابن حجر) للدكتور حسن حبشي في مقدمة تحقيقه لكتاب (إنباء الغمر) لابن حجر جـ ١/¬١٠ وما بعدها.
(٢) انظر (فتح المغيث) للسخاوي جـ ١/¬٩.
(٣) انظر (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٦٣ هـ ترجمة أبي عبد الله الحسين ووفيات سنة ٧٧٢ هـ ترجمة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسين.
(٤) انظر (ذيل وفيات الأعيان للعراقي)، ترجمة عبد الوهاب بن جمال الدين العدوي القرشي العمري، وترجمة يوسف بن محمد بن إبراهيم الكردي، و(ذيل ولي الدين ابن العراقي) ٦ =
[ ١ / ١٥٧ ]
في ترجمة شيخه الإسنوي، ساق سلسلة نسبه إلى سيدنا إسماعيل ﵇، واستطرد فيها بذكر أبواب فيما جاء في فضل قريش، والأمر بالتعلم منهم (^١).
كما أن له كتابًا خاصًا في أصل العرب وفضلهم ومشروعية محبتهم وتعلم لغتهم، وقرر فيه أن حبهم إيمان، وبغضهم نفاق، وأطول أبوابه «باب فضل قريش».
فلعل هذا يرجح كونه عربيًا قرشيًا، وأنه فعلًا لم يكن يذكر ذلك لورعه، حيث إن هذا مما يفتخر به، خاصة في عصره، بالإضافة إلى أن المنطقة حينذاك كانت كما أسلفنا تعج بأجناس وطوائف متعددة، من العرب والعجم على مستوى العالم، وكان الحكم لغير العرب، وهم المماليك، وكان التعصب قائمًا للجنس العربي، ولغيره وللطوائف والفرق، من شيعة علوية، ورافضة، وأشراف، وغيرهم، وما كان يهدأ النزاع إلا ليثور بالفتن والمهالك.
فكان للعراقي مندوحة في عدم إظهار نسبة نفسه الجنس معين، تورعًا عن الفخر وعن الفتن معا، وإن كان ذلك لم يمنعه من إظهار الفضل والمكانة المشروعة للعرب، بمقتضى ما منحهم الله من خصائص، وهو يؤتي فضله من يشاء، كما سيظهر لنا من تحليل كتابه المشار إليه في شأن العرب في موضعه إن شاء الله.
_________________
(١) = وفيات سنة ٧٧٨ هـ ترجمته شمس الدين محمد بن عباس بن علي بن عيسى حيث قال عنه: «ادعى أخيرًا أنه من الأنصار وليس كذلك» (كلا الكتابين مخطوط مصور).
(٢) «بهجة الناظرين»، للغزي ص ١٣٢، ١٤٢.
[ ١ / ١٥٨ ]