هذه الرحلة خامسة بالنسبة لما ذكرته فقط من رحلات العراقي الشامية؛ لأن حصرها وترتيبها كما أوضحنا غير ممكن، وقد قام بها الحافظ العراقي في سنة ٧٦٥ هـ بعد أن تزوج ورزق بولده ولي الدين أحمد وغيره، حيث يقول ابن فهد: «وفي سنة ٧٦٥ هـ رحل بأولاده إلى الشام، فأسمعهم بها» (^٤) وقد
_________________
(١) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٦٤ هـ.
(٢) (المجمع المؤسس ٥/ ١٨٦.
(٣) (الأربعين العشارية الإسناد) (حديث ١٤).
(٤) ولحظ الألحاظ) / ٢٢٦.
[ ١ / ٣٦٩ ]
ذكر ولي الدين، أن تلك كانت آخر رحلات والده إلى الشام، حيث قال في ترجمة والدته: «وذهبت مع والدي إلى الشام في رحلته الأخيرة إليها سنة ٧٦٥ هـ» (^١)، كما أنها كانت في مطلع السنة المذكورة، نظرا لقيام العراقي بها أول ما طعن ولده ولي الدين في الثالثة من عمره (^٢)، وقد ولد ولي الدين في آخر شهور سنة ٧٦٢ هـ كما مر، فيكون أول طعنه في الثالثة موافقا لأول سنة ٧٦٥ هـ، ولئن كانت الرحلات السابقة قد حملت العراقي المتاعب التي أشرنا إليها، وهو مسئول عن نفسه فقط، فإن هذه الرحلة بلا شك كانت أكثر أعباء ومشقات نظرا لمسئوليته عن زوجته وأطفاله الصغار سواء من ناحية الحماية والمؤونة والإنتقال والإقامة، مع ما عرف به من ضيق ذات اليد، وعفة النفس الزائدة، أو من ناحية إسماعهم الحديث وإجازتهم، حيث كان ذلك من الأهداف الرئيسية لاصطحابهم معه في تلك الرحلة، وهو أيضًا من الأدلة على محبته للسنة، حتى عني بتعليمها لأسرته، وتحمل الأعباء المتعددة في سبيل ذلك، وما أحراه أن يكون قدوة في هذا لكل مسلم، فضلا عن كل عالم، وقد نهض بتلك الأعباء على الوجه الأتم، كما تدل الإشارات التي وقفت عليها لوقائع تلك الرحلة، فهيأ للأسرة مطية السفر إلى الشام، وذكر ولي الدين: أنه كان يميز الجمل الذي حملهم والده عليه من غيره (^٣). ثم أمدنا ولي الدين كذلك بكثير من وقائع تلقي علوم السنة التي حصلها والده لنفسه ولأسرته، سواء في دمشق التي كانت مقصد الرحلة الأول، أو في خارجها،
_________________
(١) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٨٣ هـ.
(٢) (المجمع المؤسس) ٦/ ٣٦٦ و(لحظ الألحاظ) ٤/ ٢٨٤ و(الضوء اللامع) جـ ١/ ٣٣٧.
(٣) (فتح المغيث) للسخاوي جـ ٢/¬١٤.
[ ١ / ٣٧٠ ]
فممن ذكر تلقيهم عنه الكثير من المرويات بضاحية الصالحية ظاهر دمشق، المسندة المكثرة الصالحة ست العرب المتوفاة سنة ٧٦٧ هـ وأقره على ذلك أيضا ابن حجر، وسنعرف بها فيما بعد تفصيلا باعتبارها أنموذجا لمن تحمل العراقي عنهن السنة من النساء، ودليلا لإسهام المرأة حينئذ في خدمة السنة، ومدى استفادة العراقي مع أسرته منها.
كذلك انتقل العراقي لضاحية (النيرب) في غوطة دمشق حيث التقى بالمسند عمر بن محمد الشخطبي المتوفى في ١٥ شوال سنة ٧٦٥ هـ، وأخذ عنه كتاب «الشمائل» للترمذي، وغيره، وأحضر ولده أحمد عليه، وأثبت في أماليه روايته عنه «بالنيرب» (^١).
وأما دمشق نفسها، فقد أخذت الأسرة فيها من كثيرين، وحصلت مع عائلها الكثير، فممن أخذوا عنه: محمد بن موسى المعروف بابن الشيرجي المتوفى في المحرم سنة ٧٧٠ هـ، حيث ذكر ابن حجر سماع العراقي وابن كثير منه، وأنه انفرد في وقته برواية جزء الأنصاري في الحديث، بالسماع من الفخر ابن البخاري (^٢)، ثم ذكر ولي الدين ابن العراقي أن والدته سمعت هذا الجزء بدمشق على ابن الشيرجي المذكور، كما ذكر سماعها من غيره، ولكن لم تحدث غيرها بمروياتها (^٣)، وذكر السخاوي حضور ولي الدين أيضا على
_________________
(١) انظر «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٥ هـ ومجلس ٨٢ من «أمالي العراقي» / مع التقييد والإيضاح/ ٤٧٤ (الطبعة المصرية).
(٢) «الدرر الكامنة» جـ ٥/¬٣٨.
(٣) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٨٣ هـ.
[ ١ / ٣٧١ ]
الشيرجي هذا (^١)، ورغم أن العراقي حينئذ كان قد بلغ درجة «الحافظ»، وأصبح أحد حفاظ السنة المعدودين كما قدمنا، إلا أنه ظل وفيا ومقدرا لمن عاش حتى هذه الرحلة من شيوخه في الرحلة الأولى، كالحافظ ابن كثير، فذهب إليه وجلس تلميذا مستمعا بين يديه، وأحضر معه ولده ولي الدين الذي صرح بذلك فقال: «وحضرت عليه مع والدي» (^٢)، وهكذا فلتكن أخلاق العلماء.
ثم حرص العراقي أيضا على الالتقاء بشيوخ مجدد، حتى يستفيد جديدا من المرويات والبحوث، ويفيد أيضا أسرته، فكان ممن لقيهم مجددا: أبو حفص عمر ابن حسن، المعروف بابن أميلة، المراغي، المتوفى بظاهر دمشق في ١٨ ربيع الآخر سنة ٧٧٨ هـ، وقد لقبه ولي الدين ابن العراقي بمسند الدنيا، يعني في وقته، وذكر مصداق ذلك: أنه كان يقصد بالرحلة إليه للرواية عنه، وأنه قد قارب عمره مائة سنة، وتفرد بكثير من مروياته عن كثير من شيوخه، مثل سنن أبي داود، والترمذي عن الفخر ابن البخاري، وقد قال ولي الدين: «حضرتهما عليه بدمشق» (^٣)، وقد كان ولي الدين حينذاك دون الثالثة، وبالتالي كان حضوره على المراغي وغيره بصحبة والده، وهو الذي كان يقوم بإثبات حضوره كتابيا، كما ذكر ولي الدين سماع والده من المراغي، ومقتضى ذلك أن يكون العراقي سمع هذين الكتابين الأساسيين على المراغي بسنده العالي المنفرد به حينئذ، وتضاعفت بذلك فائدته، بجانب فائدة ولده.
_________________
(١) (الضوء اللامع) جـ ١/ ٣٣٧.
(٢) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٧٤ هـ ترجمة إسماعيل بن كثير.
(٣) و«ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٨٧ هـ.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وممن أخذ عنهم مجدا أيضا، شيخ الشافعية في وقته: محمد بن عمر، الشهير بابن قاضي شهبة، المتوفى في المحرم سنة ٧٨٢ هـ. فقد قال عنه ولي الدين: إنه انفرد برواية كتاب (الأموال) لأبي عبيد، وسمعته عليه في الثالثة من عمري، وسمع منه والدي (^١). ويعد سماع العراقي منه لهذا الكتاب الذي انفرد به، إضافة لرصيده من المسموعات، حيث لم يوقفني البحث على سماعه من غيره. وقد ذكر تلميذ العراقي، تقي الدين الفاسي: أن ولي الدين ابن العراقي تلقى سنن ابن ماجه حضورا بالقدس على إبراهيم بن عبد الله الزياوي (^٢)، ثم ذكر سماع العراقي لنفس السنن على الزياوي (^٣)، وذكر غيره سماع العراقي أيضا من الزياوي بكل من: (نابلس) و(القدس) (^٤).
وهذا يفيد أيضا: أن العراقي رغم إثقاله بمسؤولية الأسرة كما أشرنا، تجاوز في رحلته دمشق وضواحيها، إلى بعض المدن التي بها رواة السنة وعلمائها، كالقدس وغيرها، وحصل منها لنفسه ولولده رواية كتب السنة الأساسية، وغيرها ما أتيح له، ويعتبر سماعه لسنن ابن ماجه على الزياوي هذا، من نتائج تلك الرحلة، حيث لم أجد في بحثي الطويل سماعه لها بالشام من غير الزياوي، وهي أحد المصادر الأصيلة للسنة، والتي تقتضي شروط الحفاظ بتحصيلها رواية ودراية.
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) «ذيل التقييد» للفاسي/ ١١٤ ب، وذكره الزفتاوي «بدل «الزياوي»، ولكن «الزياوي» أشهر.
(٣) «ذيل التقييد» / ٢١٩ أ.
(٤) «مجموع ابن خطيب الناصرية»؛ (ترجمة العراقي)، و«المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٢ أ، وهـ لحظ الألحاظ» / ٢٢٥.
[ ١ / ٣٧٣ ]
تلك هي أهم مظاهر نشاط العراقي في تلك الرحلة وجهده، وما حققه من نتائج، وفي نهاية جولته بين مراكز السنة وعلمائها، ودع الشام للمرة الأخيرة، وعاد بأسرته إلى القاهرة. وإذا كنت قد اقتصرت في عرض التفاصيل على أهم المظاهر، فإن تتبعي العام لوقائع تلك الرحلة الختامية للشام، قد أظهر أنها في عائدها العلمي عليه، فضلا عن أسرته، تقارب الرحلة الأولى، وسيأتي في أنموذج شيوخه فيها ما يؤكد ذلك بعون الله.