وبعض الفقهاء ومعهم الوعاظ الدعاة إلى الدين الحق، يُطلقون السنة على كل ما دلّ عليه دليل شرعي، صراحة أو التزاما، وما أُحدث على خلاف ذلك يسمونه بدعة، ويستعملون السنة في مقابله فيقولون: فلان على السنة؛ أي على ما أقره الشرع عموما، وفلان على البدعة؛ أي على ما يخالفه،
_________________
(١) «نهاية السول» للأسنوي جـ ٣ ص ٦١٩.
(٢) انظر «تحفة الأخيار في إحياء سنة سيد الأبرار» للإمام اللكنوي ص ٩ و«شرح محمد المشيشي على كفاية المبتدئ» للأسقاطي ورقة (٢٧ أ) مخطوط بمكتبة الأزهر، و«أعلام المحدثين» للدكتور محمد أبو شهبة ص ٧.
[ ١ / ٤١ ]
والسنة بهذا المفهوم تشمل الدين كله، عقيدة وشريعة وسلوكا، سواء ما تضمنه كتاب الله تعالى من الأوامر والنواهي، أو ما تضمنته السنة بأنواعها (^١).
وإلى هذا المعنى أشار الرسول ﷺ في قوله: «من أحيا سنة من سنتي قد أُميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس، لا ينقص من أجور الناس شيئا، ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله، فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس، لا ينقص من آثام الناس شيئًا» (^٢).
وقوله أيضًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (^٣).
ويقول سيدنا عمر ﵁: «السنة ما سنه الله ورسوله، ولا تجعلوا خطأ الرأي سنة» (^٤).
ويقول الإمام ابن حزم: «السنة هي الشريعة نفسها، وأقسامها في الشريعة: فرض أو ندب أو إباحة أو كراهة أو تحريم، كل ذلك قد سنه الرسول ﷺ عن الله ﷿» (^٥).
ونلاحظ أن السنة بهذا المفهوم، وبمفهومها المتقدم عند الفقهاء، تفترق عن مفهومها عند الأصوليين وعلماء السنة؛ لأنها عند الفقهاء والوعاظ كما ترى، تشمل ما تضمنه القرآن الكريم، بينما تُسْتَعْمَل السنة عند الأصوليين وعلماء
_________________
(١) «رسائل الإصلاح» للشيخ الخضر حسين شيخ الأزهر ج ٣ ص ٨٣، ٨٤، و«الحديث والمحدثون» للدكتور محمد أبو زهو ص ١٠ و«السنة قبل التدوين» لمحمد عجاج ص ١٨.
(٢) أخرجه ابن ماجه في «مقدمة سننه» باب من أحيا سنة قد أميتت جـ ١ ص ٧٥.
(٣) أخرجه ابن ماجه في «مقدمة سننه» عن عائشة باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ ص ٧.
(٤) «جامع بيان العلم» جـ ٢ ص ١٦٦.
(٥) «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم الظاهري ج ١ ص ٤٣.
[ ١ / ٤٢ ]
السنة، في مقابله كما ذكرنا، وقد جاء كل من الاستعمالين على لسان الرسول ﷺ وأصحابه كما مثلنا، فأخذ كل منهم بما يناسب جهة بحثه، وجعلوه اصطلاحا متداولا بينهم للدلالة على الجوانب التي يبحثونها من السنة، ولا مشاحة في الاصطلاح، فليس هناك إذن تعارض بين تلك الاصطلاحات، وإنما هو تعدد مقاصد، وتحديد المجال البحث والدراسة والتأليف بحيث تتفرغ كل طائفة، من محدثين وفقهاء وأصوليين ومفسرين ووعاظ لبحث جانب خاص من جوانب السنة التي تسع الجميع في رحابها وتحوي مطالبهم دون تناقض، فكلهم من رسول الله ﷺ ملتمس، تبعًا للجانب الذي يبحثه وجهودهم في النهاية يكمل بعضها بعضا، وبمجموعها تُخدم السنة وعلومها، فهذا يتولى إثباتها وتنقيتها من الدخيل، وذاك يستخرج أدلتها والآخر يبين فقهها وأحكامها وآدابها ومواعظها ترغيبا وترهيبا، وهكذا.