أنجح الله مسعى عمي العراقي في إحضار أخيهما «الحسين» والد العراقي من بين الأخطار التي ألمت بموطنهم في العراق إلى القاهرة، حيث الأمان والعلم وإمكانيات العيش، وفرص الحياة المتاحة للغرباء الوافدين، مثل إخوانهم المصريين، بل ربما أُتيح للوافدين من المنصب والمكانة، ما لم يتح للمصريين كما سنرى بالنسبة للعراقي وولده.
ويذكر المؤرخون أن والد العراقي حين قدم مصر كان صغيرًا (^٢)
_________________
(١) (الخطط التوفيقية) لعلي مبارك جـ ١/ ٩٠.
(٢) (المجمع المؤسس) لابن حجر ص ١٧٦ (مخطوط مصور) و«لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٠ و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧١.
[ ١ / ١٤٣ ]
أو طفلا (^١)، ولكن إذا عرفنا أنه ولد في حدود سنة ٦٩٠ هـ (^٢)، وأن هجوم «غازان» المذكور حدث سنة ٦٩٩ هـ، وأن حضوره كان خلال الهجوم أو عقبه بقليل، فإنه يمكننا القول بأنه كان عند حضوره للقاهرة، في العاشرة من عمره تقريبا. ويذكر المؤرخون أيضًا أنه عند مجيئه التحق بخدمة الصوفية (^٣).
وقد استقر به المقام في أحد الضواحي الواقعة جنوب غرب القاهرة حينئذ، وحتى نحددها نقول: «إن القاهرة في ذلك الوقت، كانت تشمل المناطق المحيطة بالجامع الأزهر وما يليه جنوبًا حتى قلعة صلاح الدين الأيوبي المعروفة، ثم تمتد غربا حتى باب اللوق الحالي، وكان النيل يمر من غرب «باب اللوق» متجها نحو مكان «ميدان رمسيس» الآن» (^٤).
ثم يوازي القاهرة من الجنوب، حيث مسجد عمرو بن العاص وما حوله، مدينة أطلق عليها حينذاك «مصر»، وتقع فيما نسميه الآن «مصر القديمة» أو «العتيقة»، كما أطلقت «مصر» أيضًا على القطر كله، من الإسكندرية حتى أقصى الصعيد، ويفرق بينهما في المراجع التاريخية أو غيرها، بسياق الكلام، مع إشتباه الأمر أحيانا.
ولكن إذا قيل «مدينة مصر» أو جمعت مع القاهرة فقيل «مصر والقاهرة»، يكون المراد: المدينة المجاورة للقاهرة فحسب، مثلما في تسمية
_________________
(١) «مقدمتي شرحي المناوي الألفية العراقي في السيرة»
(٢) (ذيل ولي الدين ابن العراقي)، وفيات سنة ٧٦٣ هـ (ترجمة الحسين بن عبد الرحمن).
(٣) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٠ و«المجمع المؤسس»، ص ١٧٦.
(٤) انظر «التعليقات على النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي جـ ٨/ ٢٨٤، ٢٨٥ و«خريطة القاهرة في كتاب معالم تاريخ العصور الوسطى» لمحمد رفعت وآخر ص ١١٩ (ط بولاق سنة ١٩٥٠ م).
[ ١ / ١٤٤ ]
السيوطي لكتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة» وعلى ذلك نجري في هذا البحث.
وقد كان يفصل بين المدينتين أراض فضاء، وبساتين، كما كان النيل ينحسر أيضا عند الجفاف سنويا عن بعض المساحات غرب القاهرة، بينه وبين الخليج الناصري، التي فرّعها منه الناصر محمد بن قلاوون عند المكان المعروف حاليا بفم الخليج، وحيال الإقبال المتزايد على الإقامة بمصر في ذلك العصر، والهجرة من الشرق والغرب إليهما كما مرّ، أخذ الحكام والأعيان وعامة الناس، يعمرون تلك المناطق التي بين مصر والقاهرة.
حتى ذكر المقريزي أنه خلال عصر الناصر محمد بن قلاوون حيث ولد العراقي ونشأ، صار ساحل النيل، من خط (دير الطين) (^١) قبلي مدينة مصر، إلى منية السيرج (^٢) بحري القاهرة - تلك المسافة كلها - منتظمة بالمناظر العظيمة والمساكن الجليلة، والجوامع والمساجد والخوانك والحمامات، وغيرها من البساتين، لا نجد من بين ذلك خرابا البتة، وانتظمت العمارة من وراء الدور المطلة على النيل حتى أشرقت على الخليج، فبلغ هذا البر الغربي من ظواهر القاهرة مبلغا عظيما، من وفور العمارة وكثرة الناس (^٣).
ومن ضمن ما عمر إبان عصر العراقي وأثنائه من هذه المناطق، منطقة جنوب غرب القاهرة، انحسر عنها النيل قديما بين مصر والقاهرة، وعرفت بمنشأة
_________________
(١) تعرف حاليا بدار السلام قرب المعادي.
(٢) تعرف حاليا بـ (منية السيرج) بالسين.
(٣) «خطط» المقريزي جـ ٢/ ١٣٢.
[ ١ / ١٤٥ ]
المهراني، ومن وصف المقريزي وعلي مبارك - رحمهما الله - في خططهما (^١) ومن بحث محمد رمزي بك (^٢) ﵀.
ومن مشاهداتي الشخصية، الآن، يستفاد أن تلك المنشأة موقعها الحالي هو المنطقة الواقعة على النيل، بين مستشفى قصر العيني القديم، وميدان فم الخليج بالقاهرة، ويفصلها عن النيل، شارع «الكورنيش» ويحدها من الغرب سيالة جزيرة الروضة، ومن الجنوب ميدان ومنتزه فم الخليج اللذان أنشئا مكان فم الخليج المصري، الذي كان يعرف بالخليج الناصري، والحد الشرقي، بعضه مساكن أقيمت على مجرى الخليج بعد ردمه، وبعضه شارع الخليج المصري، والبحري شارع كوبري محمد علي، وشارع بستان الفاضل وما في امتداده إلى شارع الخليج المصري، وقد تغير اسمه حاليا فأطلق على امتداده من بعد ميدان السيدة زينب «﵂» بقليل، اسم شارع (بور سعيد).
وجدير بالذكر أنه يوجد غرب باب اللوق الحالي، قرب ميدان التحرير، شارع جانبي مواز الشارع التحرير من الجنوب، أطلق عليه «شارع منشأة المهراني».
وقد نبه محمد رمزي ﵀ على أن هذا الشارع بعيد عن الموقع الأصلي للمنشأة، وليس له بها أي علاقة، ولا يوصل إليها، كما تبين مما ذكرناه (^٣).
_________________
(١) «الخطط» للمقريزي جـ ١/ ٣٤٣، ٣٤٦ وج ٢/ ١١٧ و(الخطط التوقيفية)، لعلي مبارك ص ٥٩، ٦٢.
(٢) في «تعليقاته القيمة على النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي جـ ٩ هامش ص ١٨٤ وجـ ١٠ هامش ص ١٣٠:
(٣) انظر: «التعليقات على النجوم الزاهرة» جـ ٩/ ص ١٨٤.
[ ١ / ١٤٦ ]
وقد بدأت عمارة تلك المنشأة بجامعها الكبير، الذي أنشأه الظاهر بيبرس البُنْدُقْدَارِي في رمضان سنة ٦٧١ هـ (^١)، ثم تلاه الأمير سيف الدين بلتان المهراني فأنشأ بها دارًا وسكنها، وبنى مسجدًا، فعرفت به، وقيل لها «منشأة المهراني»، لكونه أوّل من ابتنى فيها بعد بناء الجامع، وتتابع الناس في البناء وأكثروا من العمائر حتى يقال: إنه كان بها فوق الأربعين من أمراء الدولة، سوى الوزراء، وأماثل الكتاب، وأعيان القضاة، ووجوه الناس (^٢).
ومن ذلك تعلم أن هذه المنطقة كانت حسنة الموقع والمنظر، راقية الوسط، وأكثرها كذلك حتى الآن.
وكانت من ضمن عمائر هذه المنشأة خانقاة للصوفية تعرف بخانقاة «أرسلان» نسبة إلى منشئها الأمير «أرسلان بن عبد الله» المتوفى سنة ٧١٧ هـ وكان دوادارا (^٣) للسلطان الناصر محمد بن قلاوون بعد سنة ٧٠٩ هـ بقليل.
وعظم جاهه وثراؤه فبنى تلك الخانقاة على شاطئ النيل بالمنشأة المذكورة بين مصر والقاهرة، وكانت محل عنايته، ومن تاريخ إنشائها يظهر لنا أن والد العراقي عاصر أول افتتاحها، فالتحق بخدمة أول شيوخها، وهو الشيخ الشريف، تقي الدين محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الرحيم القناوي الشافعي (^٤) وعراقة الشيخ تقي الدين في العلم والتصوف معروفة، أبا عن جد،
_________________
(١) «الخطط التوقيفية» جـ ٣/ ٥٩، ٦١.
(٢) «خطط» المقريزي جـ ١/ ٣٤٦.
(٣) الدوادار هو الذي يقوم بإبلاغ السلطان أو الأمير ورفع الشكاوى والمطالب إليه.
(٤) «المجمع المؤسس» ص ١٧٦ و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧١ و«لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٠.
[ ١ / ١٤٧ ]
باتفاق من ترجمه، ونلاحظ من سلسلة نسبه أن جده الثاني هو عبد الرحيم القناوي، الصوفي المعروف بصعيد مصر حتى الآن.
كما كان الشيخ تقي الدين من أهل الحديث ذوي الإسناد العالي، وقد حدث بالقاهرة، وسمع منه الكثيرون، ودرس بالمدرسة المسرورية بها، ثم انقطع بالخانقاة المذكورة لما تولى مشيختها، حتى توفي في ١٤ جمادى الأولى سنة ٧٢٨ هـ على الراجح (^١) وباختصاص والد العراقي بخدمة الشيخ تقي الدين، استقر بجواره بالمنشأة المذكورة.
وأصبح واحدًا من المريدين السالكين لطريق التصوف على طريقته، مع حرصه على التزود بالعلم، فقد ذكر المناوي أنه نشأ منذ مجيئه لمصر على الاشتغال بالعلم والإقبال على شأنه، ووصفه بالشيخ الإمام العابد الزاهد القدوة المسلك (^٢)، وقال ولي الدين ابن العراقي: إن جده سمع الحديث من زينب بنت شُكْر، وهي من أشهر مسندات الحديث في عصره، ومن غيرها.
وقال: إنه حدث، وسمع منه والدي، وحدثني عنه، ثم قال: وكان رجلا صالحًا متعبدا فاضلا، واشتغل على الشيخ قطب الدين الشنباطي، وحضر عند الشيخ زين الدين بن الكناني، وتنزل بالدروس، وكتب بخطه كثيرًا من التفسير والفقه والرقائق، وكان سليم الباطن، منجمعًا على نفسه (^٣).
ومن مجموع ذلك نفهم أن والد العراقي قد جمع بين العلم والتصوف لكن
_________________
(١) «الدرر الكامنة» لابن حجر جـ ١/ ٣٧٢ وجـ ٤ ص ٣٥، ٣٦ و«الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد» للأدفوي ص ٥٠٥ و«خطط» المقريزي جـ ٢/ ٤٢٣.
(٢) «مقدمتي شرحي المناوي الألفية السيرة للعراقي»
(٣) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٦٣ هـ ترجمة أبو عبد الله الحسين.
[ ١ / ١٤٨ ]
لم يبرز في أيهما، فاكتفى في العلم بتثقيف نفسه بعلوم الشريعة التي تُصَحِّحُ عبادته وتهذِّب نفسه وتعينه في سلوك التصوف على علم، وأهم أعماله العلمية هو سماع الحديث من مسندات ومسندي عصره وإسماعه لولده العراقي ولغيره.
أما التصوف فقد أصبح فيه كما ذكر المناوي: قدوة مسلكا، أي نموذجا يُقتدى به ومرشدا يوجه غيره، دون أن يجاوز تبعيته المخدومه وشيخه تقي الدين القنائي الذي كانت له الزعامة الصوفية ومشيخة الخانقاة، حسب تقاليدهم في ذلك.
وفي أثناء اختصاص والد العراقي بخدمة الشيخ تقي الدين، تزوج، ولا يحدد المؤرخون تأريخ زواجه، والذي يمكن استنتاجه، أنه تزوج بعد الثلاثين من عمره بقليل، فقد ولد كما تقدم سنة ٦٩٠ هـ وكانت ولادة ابنه موضوع بحثنا سنة ٧٢٥ هـ، وهو ابنه الأول فيما يظهر.
والفرق بين مولده ومولد ابنه ٣٥ عاما تقريبا كما نرى، ولا يُعْنَى المؤرخون أيضًا بذكر اسم زوجته أم الحافظ العراقي، ولا عمرها حينذاك.
ولكن السخاوي يصفها بأنها كانت صالحة عابدة صابرة قانعة، مجتهدة في أنواع القربات إلى الله (^١)، وهذا يفيد أنها كانت من معدن الزوج ووسطه الصالح، فتوافقا بيئة ووسطا وميولا وسلوكًا، وهذه من أسس نجاح الحياة الزوجية واستقرار الأسرة، بحيث تصبح وسطًا صالحًا لتربية نشء صالح سوي.
وفي هذا الجو المشبع بالتوافق والاستقرار وتقوى الله، كان حمل أم العراقي
_________________
(١) هـ «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧١.
[ ١ / ١٤٩ ]
به، وتظهر دماثة خلق الأم أمام نوازع الشهوة:
فيذكر ابن فهد أنها أثناء الحمل ربما كانت تشتهي الشئ فتستحي من ذكره لزوجها، إلا أن الله تعالى كان يُسخّر لها من يكفيها ذلك؛ فيذكر ابن فهد أنها كانت عندما تستحي من ذكر ما تشتهيه لزوجها، لا يلبث أن يأمره الشيخ تقي الدين بشرائه له، فيتناول قليلًا منه، ويرسل به إليها (^١).
وعلى هذا: قضت شهور الحمل بسلام، فلما جاءها المخاض واشتد بها الطلق أشفق عليها الزوج من آلام الوضع فهرع إلى شيخه تقي الدين وسأله الدعاء لها وإقامة خاطره معها (^٢). فقال له الشيخ: لا بأس عليها، تلد عبد الرحيم، أو ولدت عبد الرحيم (^٣) تيمنا باسم الجد الأعلا للشيخ تقي الدين وهو «عبد الرحيم القناوي» كما أشرت من قبل.
فاشتد الفرح بالزوج، وكرّ راجعًا إليها، ولعلهما كانا يقيمان بنفس الخانقاة أو قريبا منها، فلما وصل وجدها قد تخلصت فعلا، ووضعت ولدًا، فسماه «عبد الرحيم» بتسمية الشيخ. وكان ذلك في اليوم الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة ٧٢٥ هـ وفي نفس منشأة المهراني بين مصر والقاهرة على شاطئ النيل المبارك (^٤)، ووضحنا من قبل مكانها حاليًا.
_________________
(١) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٠، ٢٢١.
(٢) هكذا فعل، تأثرًا بمنشيه، وهذا مخالف لما شرع الله ﷿، من اللجوء إليه وحده، بالدعاء عند الشدائد، وطلب العون منه وحده عليها، في مثل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ …﴾ الآية [النمل: ٢٧].
(٣) المرجع السابق ص ٢٢١.
(٤) المرجع السابق، و«الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤ ص ١٧١.
[ ١ / ١٥٠ ]
وهكذا صار «عبد الرحيم» الذي بشر به الشيخ تقي الدين، اسما على مسمى، وشهدت تلك الضاحية الجميلة من أرض الكنانة مولده، ثم كانت مرباه ليصبح علما من أعلام السنة وحفاظها، ومن خيرة أبناء مصر، الذين تفاخر بهم على الدوام، كما ذكر المقريزي (^١).
وأكثر من عنوا بتحديد مكان ولادة العراقي متفقون على أنه المنشأة المذكورة (^٢) حتى نسب إليها كما سيأتي، ومنهم من قال: ولد بالقاهرة بمنشأة المهراني على شاطئ النيل المبارك (^٣)، فجعل المنشأة تابعة للقاهرة لاتصالها بها كما أوضحنا.
وفي «المجمع المؤسس» لابن حجر حدد المكان كما ذكرنا، ثم كتب بهامش النسخة: وقيل بالقاهرة (^٤)، والجمع بينهما ممكن، بناء على إضافة المنشأة للقاهرة، كما تقدم.
لكن الشوكاني والمناوي يذكران، أنه ولد بمصر بعد تحول والده إليها كما مر (^٥) وهذا لا يستقيم إلا على أن مرادهما بمصر، عموم القطر، ومن ضمنه القاهرة وضواحيها، وأما إرادة (مدينة مصر) التي كانت تجاور القاهرة كما أوضحنا، فلا يستقيم؛ لأن والد العراقي لم ينزل بها، بل نزل بالقاهرة، ثم
_________________
(١) انظر (الضوء اللامع) للسخاوي جـ ٤/ ١٧٨.
(٢) (لحظ الألحاظ) لابن فهد ص ٢٢١، و(الضوء اللامع) جـ ٤ ص ١٧١ و(حسن المحاضرة) للسيوطي جـ ١ ص ٣٦٠ و(شذرات الذهب) لابن العماد الحنبلي جـ ٧/ ٥٥ و(معجم المؤلفين) لعمر كحالة جـ ٥/ ٢٠٤ و(معجم المطبوعات) لسركيس جـ ٢/ ١٣١٧.
(٣) (مجموع ابن خطيب الناصرية) ترجمة الحافظ عبد الرحيم العراقي (مخطوط مصور) و(المنهل الصافي) لابن تغري بردي جـ ٢/ ٣١١ ب (مخطوط).
(٤) (المجمع المؤسس) لابن حجر ص ١٧٦ (مخطوط).
(٥) (البدر الطالع) للشوكاني جـ ١/ ٣٥٤ و(مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة)
[ ١ / ١٥١ ]
استقر بالمنشأة المذكورة، حتى ولد عبد الرحيم بها.
أما خير الدين الزركلي ﵀ فيرجّح أن ولادة عبد الرحيم كانت في (رازيان) من أعمال (إربل)، وأنه تحول صغيرًا مع أبيه إلى مصر (^١) وهو بذلك يثبت أنه عراقي المولد، وهذا وهم منه ﵀، فلم يوافقه على ذلك عامة من ترجم العراقي قديمًا وحديثًا، بل إن نفس مصادره الأساسية التي أحال عليها في آخر الترجمة، لم يرد فيها ذلك، بل كلها مجمعة على أنه مصري المولد، على التفصيل الذي قدمناه، ولعله أدرك ذلك عند إعادة طبع كتابه، فأشار بالهامش إلى أن في (حسن المحاضرة) ولادة العراقي في منشاة المهراني، وهذا ليس في (حسن المحاضرة) وحده بل في (الضوء اللامع) و(ذيل طبقات الحفاظ) لابن فهد، وقد عدهما (الزركلي) من مراجعه أيضًا، لكنه مع ذلك أبقى كلامه في أصل الكتاب كما هو.
وبذلك تسرب هذا الوهم لبعض المراجع المنشورة من مؤلفات العراقي وغيرها، نتيجة لاعتماد القائمين بها، في ترجمة العراقي على كتاب (الأعلام) للزركلي (^٢) دون تنبه لهامشه.
_________________
(١) (الأعلام) للزركلي جـ ٤/ ١١٩ وقد نبهنا من قبل إلى أن الصواب (رازيان) بالياء المثناة لا بالنون.
(٢) انظر مثلًا (مقدمة كتاب التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح) للعراقي بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة ط القاهرة سنة ١٩٦٩ م ص ٣، ومقدمة كتاب (سبل الهدى والرشاد المعروف بالسيرة الشامية) لمحمد بن يوسف الصالحي. تحقيق الدكتور مصطفى عبد الواحد ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية جـ ١/¬٥ هامش، و(فهرس المكتبة الأزهرية) جـ ١/ ٣١٧ ومقدمة الدكتور محمد عجاج الخطيب للمحدث الفاصل للرامهرمزي/
[ ١ / ١٥٢ ]
وربما كان ما ذكره أيضًا هو الذي جعل «كارل بروكلمان» يتردد في تحديد مكان ولادة العراقي، فيذكر أنه ولد في رازيان بالقرب من إربل، ورحل صغيرًا إلى القاهرة، أو في منشأة المهراني بالقاهرة (^١).
لكنه عاد في ملحق كتابه الذي استدرك فيه ما تبينه من أخطاء، فاقتصر على تحديد مكان الولادة بمنشأة المهراني بجوار القاهرة كما هو الصواب (^٢) فليتنبه لذلك من يعتمد على «أعلام» الزركلي أو «تاريخ آداب اللغة العربية» لـ «بروكلمان»، أو غيرهما من المصادر التي تسرب إليها الوهم المذكور، والكمال لله وحده.
أما تاريخ ميلاد العراقي الذي ذكرته، فيتفق فيه القدماء والمحدثون، من الشرقيين والمستشرقين، على الشهر وهو: جمادى الأولى وعلى السنة وهي: سنة ٧٢٥ للهجرة النبوية، والموافق لشهر إبريل سنة ١٣٢٥ لميلاد المسيح ﵇.
كما يتفق معظمهم على تاريخ اليوم، وهو ٢١ من شهر جمادى الأولى، عدا محمد ابن الجزري، تلميذ العراقي، ومحمد عبد الحي الكتاني رحمهما الله، فيذكر الأول تاريخ اليوم حادي عشر جمادى الأولى (^٣)، ولا يبعد أن يكون سقط من الناسخ أو الطابع حرف «الياء» المثناة من آخر كلمة (عشر) فيكون الأصل (حادي عشري) أي (٢١) (بحذف النون لإضافة العدد للشهر بعده، وبذلك يلتقي مع ما عليه الجمهور في تاريخ اليوم).
_________________
(١) «تاريخ آداب اللغة العربية» لبروكلمان جـ ٢/ ٧٧ (الأصل الألماني ط الثانية).
(٢) «ملحق» كتابه السابق جـ ٢/ ٦٩ (الأصل الألماني منه أيضًا).
(٣) (غاية النهاية في طبقات القراء) لابن الجزري جـ ١/ ٣٨٢.
[ ١ / ١٥٣ ]
ومع ذلك فإن بعض من ترجم للعراقي حديثا، مشي على تأريخ المولد بـ ١١ جمادى الأولى (^١)، أما الشيخ الكتاني فذكر تاريخ اليوم التاسع من جمادى الأولى (^٢) وهذا وهم لا وجه له، فهو مخالف كلية للمعتمد عند الجمهور، وهو ٢١ من الشهر المذكور، فليتنبه لذلك، والله الموفق.