٢ - الرحلات المحلية داخل مصر.
٣ - الرحلات الحجازية.
وعلى ضوء هذا الترتيب سأتناولها بالتحليل والموازنة، ورصد النتائج بعون الله.
١ - الرحلات الشامية وأهم نتائجها
أ - الرحلة الأولى: لما كانت الشام في عامة عصر العراقي هي المركز الثاني بعد مصر لعلوم السنة ومعاهدها، فإن العراقي آثرها بكثير من رحلاته، وكانت أولاها في سنة ٧٥٤ هـ (^١). ونلاحظ قيامه بها بعد أن توفي غالب الطبقة الذين تخرج على أحدهم وهو
_________________
(١) (لحظ الألحاظ) / ٢٢٦ و(الضوء اللامع) (جـ ٤/ ١٧٣) و(غاية المقصد في زوائد المسند) للهيثمي/ ٤ ب (مخطوط بدار الكتب المصرية).
[ ١ / ٣٤١ ]
الحافظ علاء الدين ابن التركماني، كما أنه استوفى حظه من أعلا شيوخه المصريين إسنادًا وهو الميدومي كما قدمنا.
وبذلك أصبح عليه بمقتضى قواعد الطلب وشروط الحفاظ أن يرحل إلى أهم الجهات الأخرى التي تتوافر فيها الرواية والدراية، ليضيف إلى رصيده منها جديدًا، حيث لا يدرك سعة العلم من قنع بما عنده (^١)، فقام بتلك الرحلة، وقصد من الشام مركز الثقل العلمي فيها وهو دمشق، حيث كانت حينذاك كالقاهرة بالنسبة لمصر، فرحل من قمة إلى قمة، وكان ذلك على ما يظهر بعد منتصف شهر صفر من سنة ٧٥٤ هـ؛ لأن العراقي سمع من «الحافظ مغلطاي» بالقاهرة في ١٤ صفر من السنة المذكورة، ثم كان أول من سمع منه في رحلته بضاحية الصالحية ظاهر دمشق، هو محمد بن موسى الشقراوي، وقد أرّخ العراقي بنفسه وفاته في جمادى الآخرة سنة ٧٥٤ هـ (^٢) - كما أرخ وفاة شيخه الميدومي بمصر في ٢٥ رمضان من نفس السنة، وقال إنه حضر الصلاة على جنازته (^٣)، ومعنى ذلك أنه عاد لمصر من الرحلة قبل هذا التاريخ، وعليه تكون الرحلة استغرقت عدة شهور، ومع ذلك فإنها كانت أخصب رحلات العراقي للشام، لالتقائه فيها بأبرز المشتغلين بالسنة حينئذ، من حفاظ ومحدثين ومسندين، وتحصيله لنتائج لم يحصلها في غيرها.
وكان في مقدمة من التقى بهم من الحفاظ، تقي الدين السبكي، نظرًا لمكانته حيث كان قاضي قضاة الشام، ولسابق تلمذة العراقي عليه بمصر في
_________________
(١) (فتح المغيث) للسخاوي/ ٢/ ٣١٤.
(٢) «الدرر الكامنة» جـ ٥/¬٣٧، ٣٨.
(٣) (المنتقى من ذيل العراقي على العبر) وفيات سنة ٧٥٤ هـ (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية).
[ ١ / ٣٤٢ ]
الفقه والحديث كما قدمنا، وقد كان السبكي بجانب رئاسة القضاء، يجلس للتحديث بناحية الكلاسة من دمشق، فقرأ عليه كبار حفاظها كالمزي والذهبي (^١).
كما ولي مشيخة الحديث بعدة مدارس بدمشق وضواحيها (^٢)، وتناول في دروسه بها الحديث من مختلف جوانبه سندًا ومتنا (^٣)، وشهد له الشمس الحسيني بالتبريز في فقه الحديث وعلله. فوصل العراقي حبل التلمذة له من جديد واستفاد منه في الرواية والدراية، فالرواية تظهر فيما رواه العراقي عنه في مؤلفاته الحديثية بسماعه منه مشافهة بدمشق (^٤)، كما ذكر أيضًا بعض مروياته عنه بالإجازة (^٥).
وأما الدراية وهي أهم ما يستفاد من الحفاظ، فتظهر من اتفاق المؤرخين على أنه أثناء تلمذة العراقي في هذه الرحلة للسبكي، ذكره السبكي في دروسه، معظمًا شأنه، ومنوها بذكره، ووصفه بالمعرفة والإتقان والفهم والمهارة في الفن (^٦). وتلك
_________________
(١) «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ١٥٦.
(٢) «شذرات الذهب» لابن العماد جـ ٦/ ١٨٠.
(٣) «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ١٥٧ وما بعدها و«الجواهر والدرر» / ١١ ب.
(٤) انظر «قرة العين» / ١٤، ٦٧ و«محجة القرب»، ٨ أ، ٩ أ، ١٥ أ و«الأمالي الحديثية» ص ١١ الجميع للعراقي (مخطوطات).
(٥) «التقييد والإيضاح» / ٣٩٠ و«محجة القرب» ١٦ ب كلاهما للعراقي.
(٦) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«المجمع المؤسس» / ١٧٧ و«ذيل الدرر الكامنة» / ٧٢ و«الأعلام» جـ ٤/ ٢١٩ ب و«طبقات الشافعية» ١١١ أ و«بهجة الناظرين» / ١٣١ و«المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١٢ ب و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٣ و«ذيول تذكرة الحفاظ» ٣٧٠ و«حسن المحاضرة» جـ ١/ ٣٦٠ و«فهرس الفهارس» جـ ٢/ ١٩٧.
[ ١ / ٣٤٣ ]
أوصاف يدل غالبها على مباحثة العراقي معه فيما يتعلق بفهم معاني الحديث وعلله ومصطلح أهله، وعلى إبدائه في ذلك ما يوافق الصفات المذكورة، وشهادة الإمام السبكي له بذلك، بعد تلمذته له بمصر والشام، لها قيمتها في ميزان الأستاذ والتلميذ، كما أسلفنا في التعريف بالسبكي، وبيان أثره في العراقي، ونضيف هنا فقط تآزر هذا مع ما سيأتي، في تسجيل الدرجة العلمية للعراقي في علوم السنة رواية ودراية، حين قام بتلك الرحلة الأولى خارج مصر.
وقد التقى العراقي أيضًا في تلك الرحلة بالحافظ الكبير إسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير المتوفى بدمشق في ١٥ شعبان سنة ٧٧٤ هـ (^١)، وما وصلنا من وقائع هذا اللقاء، يدل على أن رحلات العراقي منذ بدايتها كانت رحلات أخذ وعطاء، وكان العراقي خلالها عالمًا مفيدًا، بجانب كونه طالبًا مستزيدا، فإن غير واحد من مؤرخيه يذكرون أن السبكي حينما شهد للعراقي بما قدمنا، كان الحافظ ابن كثير موجودًا، فرد عليه بقوله: إنا استفدنا منه تخريج حديث ابن عباس ﵄ في الماء المشمس (^٢)، ولا تظهر قيمة تصريح ابن كثير باستفادته تخريج هذا الحديث من العراقي، إلا إذا عرفنا الآتي:
١ - أن ابن كثير مشهود له بمعرفة متون الأحاديث وعزوها لمخرجيها.
٢ - أن هذا الحديث أورده الرافعي بدون سند في شرحه الكبير للوجيز،
_________________
(١) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة ٧٧٤ هـ.
(٢) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٣ و(لحظ الألحاظ):/ ٢٢٣ وفيه (أنا استبعد منه) بدل (أنا استفدنا منه)، وهو خطأ؛ لقلبه للمعنى ومخالفته لبقية المصادر فليتنبه له.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وكان هذا الشرح عمدة فقهاء الشافعية حينئذ، ومحل عناية محدثي مصر والشام بتخريج أحاديثه كما قدمنا.
وقد أورد الرافعي الحديث في كتاب الطهارة عن عائشة وابن عباس، فخرج العلماء رواية عائشة من عدة مصادر بعدة طرق غالبها موضوع (^١).
أما رواية ابن عباس فتعذر عليهم حينئذ أن يجدوا لها إسنادا (^٢)، وبذلك صار الوقوف عليها في أحد مصادر السنة مُسندةً، قضية علمية تشغل مدرسة الحديث بمصر والشام، وتهم كلا من نفاة الحديث كابن كثير، ومثبتيه من الشافعية وغيرهم.
وقد سجل ذلك رفيق العراقي ابن الملقن، حيث ألف تخريجًا كبيرًا لكتاب الرافعي المذكور، وفرغ منه قبل رحلة العراقي هذه بسنين. وخرج فيه حديث
_________________
(١) منها ما رواه البيهقي في (سننه) من طريق خالد بن إسماعيل عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «أسخنت ماء الرسول الله ﷺ ليغتسل به فقال: يا حميراء لا تفعلي فإنه يورث البرص»، قال البيهقي: هذا لا يصح، ثم بين علته، وخرجه من طرق أخرى، مبينا عللها أيضا (السنن الكبرى جـ ١/¬٦، ٧) ونص على ضعف جميعها في: معرفة السنن والآثار، جا/ ١٦٤ وأخرجه ابن الجوزي في ٨ «موضوعاته» من الطريق المتقدم، وطرق ثلاثة غيره، وحكم برده من الطرق الأربعة، وأقر بما يروى في معناه موقوفا على عمر ﵁ (الموضوعات لابن الجوزي الطهارة جـ ٢/ ٧٨ - ٨٠) وقد اعتبر العلماء الموقوف عن سيدنا عمر شاهدًا للمرفوع عن عائشة، خاصة وأن الدارقطني أخرج ذلك الموقوف من طريق حَسَّنها الحافظ المنذري وغيره وبذلك ردوا الحكم بوضع المرفوع عن عائشة لهذا الشاهد (انظر تنزيه الشريعة لابن عراق جـ ٢/ ٦٩) و(نصب الراية) للزيلعي جـ ١/ ١٠١ - ١٠٣ و٥ الجواهر والدرر وللسخاوي/ ٢٢٠ وه «الأحاديث الضعيفة والقوية» للألباني (مجلة الوعي الإسلامي) (عدد ذي القعدة سنة ١٣٩١ هـ.
(٢) مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٣
[ ١ / ٣٤٥ ]
عائشة السابق كغيره من المخرجين، ثم أتبعه بقوله:
«الحديث السادس»: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل بالمشمس فأصابه وضح (^١) فلا يَلُومَنَّ إِلَّا نفسه» ثم عَقب عليه قائلا: «هذا الحديث غريب، ليس في السنن الأربعة قطعا، حاشا الصحيحين منه، وليس هو في (السنن الكبير) و(المعرفة) للبيهقي ولا في «سنن الدارقطني» و«عِلله»، ولا في المسانيد، فيما فحصت عنه عدة سنين فوق العشرة، وسؤالي لبعض الحفاظ بمصر والقدس ودمشق عنه، فلم يعرفوه» (^٢).
ومن هذا يتضح أن تخريج العراقي للحديث ببيان موضعه من بعض كتب السنة أيا كان نوعها، يعتبر إفادة علمية ادخرها الله للعراقي، حتى جعل أستاذه ابن كثير مع مكانته في السنة، يشيد بها، ويذيعها عنه في إجابته لشيخه الآخر تقي الدين السبكي، مصدقًا على ما شهد به أمامه للعراقي، من المعرفة والإتقان والمهارة في فن الحديث، فكان ذلك أبلغ جواب، لتضمنه الموافقة ودليلها، واجتمع به للعراقي الشهادة بما ذكر، من أبرز حفاظ دمشق حينئذ، الموافق والمخالف، وهذا غاية ما يطمح إليه طامح.
وقول ابن كثير وهو من نفاة الحديث المذكور، وخبراء التخريج (إنا استفدنا منه تخريج حديث ابن عباس) الخ، يشير إلى أن السؤال توجه من جماعة غيره واستفادوا مثله الجواب، حيث كان الوقوف على تخريج الحديث كما بينا مطلبا عاما، وخاصة للمتوقفين فيه من المشتغلين بالتخريج، وقد أشار ولي الدين
_________________
(١) أي «برص» (انظر لسان العرب جـ ٣/ ٤٧٤).
(٢) والبدر المنير في تخريج أحاديث وآثار الشرح الكبير لابن الملقن جـ ١/ ١٤٠ (مخطوط مصور).
[ ١ / ٣٤٦ ]
ابن العراقي لذلك أيضًا فقال: «قال لهم والدي ﵀ «إنه أي الحديث، في مشيخة القاضي أبي بكر الأنصاري»» (^١)، ومما يسترعي النظر هنا أن تلك المشيخة التي دلهم العراقي على وجود الحديث بسنده فيها، كانت متداولة بمصر والشام حينذاك، ورواها العلماء في هذا العصر كاملة عن شيوخهم، مثلما رواها العراقي عن بعض شيوخه (^٢)، بل كان ممن سمعها على العز الحراني ورواها لتلاميذه: الحافظ المزي (^٣)، وابن كثير، ألصق تلاميذ المزي به، فقد لازمه، وتخرج على يديه، وقرأ عليه مؤلفه الضخم «تهذيب الكمال»، وصاهره على ابنته (^٤)، فكيف خفي عليه هذا الحديث مع كل هذا، مثلما خفي على غيره، حتى جاء العراقي إلى دمشق، فاستفاده منه؟ يبدو لي أن الجواب القاطع هنا عسير، لكن على ضوء ما تقدم من اعتراف ابن كثير نفسه باستفادة تخريج الحديث من العراقي، وتقرير ابن الملقن وغيره أن تخريجه كان متعذرًا على مستوى مصر والشام، يمكن القول إن تداول رواية تلك المشيخة عن المزي وغيره، كان يتم إما بطريق الإجمال الذي أشرنا له في مرويات العراقي عن الميدومي، وإما بقراءة أولها على الشيوخ، واستجازتهم
_________________
(١) و«مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) وهذا القاضي، هو محمد بن عبد الباقي الأنصاري ويُعرف بقاضي المارستان، ولهذا يُطلق على تلك المشيخة أيضًا «مشيخة قاضي المرستان»، وهي عبارة عن كتاب في (٥) أجزاء حديثية، مجموعها نحو مجلد متوسط، وتشتمل على أسماء شيوخ الأنصاري ومروياته عنهم من كتب السنة والأحاديث المتفرقة، بأسانيدها كحديث ابن عباس هذا (انظر المعجم المفهرس لابن حجر/ ٨٥ ب).
(٢) «قرة العين» للعراقي/ ٨
(٣) «المعجم المفهرس» ٨٥ ب.
(٤) «الدرر الكامنة» جـ ١/ ٤٠٠ و٥ «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٧٤ هـ.
[ ١ / ٣٤٧ ]
بباقيها، لتحصيل اتصال السند، كما كان معتادًا، والحديث المذكور موجود في آخرها، فلا يوقف عليه إلا بنشاط المحدّث في الاطلاع الشخصي، كما هو شأن العراقي، فلما دعت الحاجة إلى الاهتمام بهذا الحديث، لم يتنبه أحد من طالبيه لوجوده في تلك المشيخة؛ لأن المشيخات عمومًا يقل فيها إيراد الأحاديث المفردة، وبالتالي فهي ليست من المظان المعتادة للتخريج
ومع هذا فإن من الإنصاف أن نقرر أن العراقي كما لم ينفرد برواية المشيخة كلها، فإنه لم ينفرد أيضًا بالوقوف على الحديث فيها وتخريجه منها، بل شاركه في ذلك قرينه «سراج الدين بن الملقن» فإن في كتابه المتقدم في (تخريج أحاديث شرح الرافعي) بعد أن ذكر تعذر الوقوف على الحديث من جانبه عدة سنين ومن جانب غيره من حفاظ مصر والشام كما سبق، قال وفي مشيخة قاضي المرستان في أواخر الجزء الخامس منها، وقد أخبرني بها المسند أبو عبد الله محمد بن خالد الفارقي، أنا العز الحراني سماعًا و«النجيب» إجازة، أخبرنا ابن الحريف ضياء بن أبي القاسم سماعًا، أنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد [الباقي] البزاز المعروف بقاضي المرستان … . وساق سنده بالحديث إلى الضحاك عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من احتجم يوم الأربعاء أو السبت فأصابه داء فلا يلومن إلا نفسه، ومن اغتسل بالمشمس فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه»، (الحديث بطوله)، ثم عقب عليه بأنه حديث واه، وبأن الضحاك لم يَلْقَ ابن عباس يعني أن سنده منقطع، كما ذكر أن في سنده عمر بن صالح، وهو كذاب اعترف بالوضع، وفيه أيضًا ابن المجد وهو صدوق، لكنه ناصبي منحرف عن الحق (^١)، وبذلك نرى أنه خرج الحديث بسنده من نفس
_________________
(١) هـ «البدر المنير» لابن الملقن جـ ١/¬٤٠ أ (مخطوط مصور).
[ ١ / ٣٤٨ ]
المصدر الذي خرجه منه العراقي، وبحث سنده وبين درجته، كما ذكر روايته للمشيخة المذكور فيها الحديث كلها، مثلما ذكر العراقي روايته لها كلها عن بعض شيوخه (^١)، وتخريج ابن الملقن الذي أثبت فيه ما تقدم، قد فرغ منه قبل رحلة العراقي هذه بسنين (^٢)؛ بل أن العراقي نفسه قرر أن ابن الملقن، وغيره حدثوه عن الفارقي (^٣) الذي روى عنه ابن الملقن هذه المشيخة، فلا يبعد أن يكون العراقي تلقى هذه المشيخة عن ابن الملقن، أو عن غيره ممن تلقاها عن الفارقي.
لكن يظهر أن استفادة ابن كثير وغيره للحديث من العراقي في تلك الرحلة، كانت قبل اطلاعهم على تخريج ابن الملقن المذكور، وإلا لم يكونوا سألوه، وأحدث جوابه هذه الضجة، حتى صرح ابن كثير باسمهم، استفادته منه. وبذلك صار للعراقي فضل السبق في إخراج الحديث إلى دائرة الضوء أمام السائلين له بدمشق، ونُسب إليه إزالة توقف المغنيين منهم بتخريج الحديث في تلك الآونة، ثم شاركه بعد ذلك في إشهار الحديث بين الباحثين قرينه ابن الملقن، بتخريجه في كتابه كما مر.
ثم إن موقف العراقي مع شيخه ابن كثير، قد تعدى حل قضية هذا الحديث إلى غيره، حيث قال: (وسمع عليَّ شيخنا الحافظ عماد الدين حديثا من أمالي ابن سمعون، ولم أكمل يومئذ ثلاثين سنة، سنة ٧٥٤ هـ بدمشق)
_________________
(١) «قرة العين» ٥/¬٨.
(٢) والخلاصة، لابن الملقن ١٨٨ ب و٣٠٨ أضمن مجموعة مخطوطة بدار الكتب المصرية.
(٣) والدرر الكامنة، جـ ٤/ ٤٠٥
[ ١ / ٣٤٩ ]
وَعَقَّبَ على ذلك بقوله: «وهذا ونحوه، من رواية الأكابر عن الأصاغر» (^١)
وأمالي ابن سمعون المذكورة، عبارة عن عشرين مجلسًا، من أمالي محمد بن أحمد بن سمعون الحديثية، وهي من عوالي مرويات العراقي، بقراءته على الميدومي (^٢)، أعلا شيوخه المصريين إسنادًا كما تقدم، ولكن هذا لا ينسيه كما ترى الوصف الاصطلاحي لذلك، بأنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، فبادل أستاذه ابن كثير تقديرًا بتقدير، حيث قدمنا أن في رواية الشهاب المقدسي أيضًا عن العراقي، وهو مقارب العشرين، دلالة هذا النوع من الرواية على تقدير الطرفين بعضهما البعض، حتى قال تاج الدين السبكي: «إن هذا فخار للراوي والمروي عنه، لا يعدله شئ» (^٣) وذكر ابن فهد أيضًا: «أن ابن كثير كتب في هذه الرحلة بعض الفوائد العلمية عن العراقي» (^٤)، وأكثر من هذا دلالة على قدر العراقي حينئذ، أنه اصطحب معه في تلك الرحلة الباكورة الضخمة النتاجه في السنة، وهو تخريجه الكبير للإحياء حيث كان قد فرغ من مسودته قبلها بنحو عامين، فلما أطلع عليه من لقيهم من أهل الحفظ والإتقان أقروا بجودته وإبداعه، حيث لم يعرف من سبقه لتخريج الكتاب، وقد كان من هؤلاء الحافظ ابن كثير أيضًا، وبلغ من تقديره للكتاب والمؤلفه أنه قرأ عليه
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ٧٤ وجاء في «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٣ نقلًا عن «شرح الألفية» وهذا أن الحديث الذي سمعه ابن كثير على العراقي من مشيخة قاضي المرستان، ولعله يشير بهذا الحديث الماء المشمس الذي بيناه ولكن ما وجدته في «شرح الألفية» أن الحديث من أمالي ابن سمعون فهو أثبت.
(٢) «منتقى ابن خطيب الناصرية من ذيل العراقي على العبر» وفيات سنة ٧٥٤ هـ.
(٣) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٣/ ١٥٩.
(٤) «لحظ الألحاظ» / ٢٢٤.
[ ١ / ٣٥٠ ]
بعضه، فاتصل بذلك سنده برواية الكتاب عن تلميذه العراقي، ولعل هذا مراد السخاوي بقوله: «إن ابن كثير قرأ في هذه الرحلة على العراقي شيئًا (^١)، وهذا التقدير لتخريج الإحياء مما يرد دعوى الحافظ ابن حجر: أن العراقي تشاغل به عن الطلب، فلو كان هذا عمل شخص لم يحصل السنة على وجهها، ويتمرس بالفن، لما نال هذا التقدير من الحفاظ المتقنين، حتى يقرأ منه ابن كثير على مؤلفه ما سمح به المقام».
وإذا كان ابن كثير قد استفاد من العراقي في تلك الرحلة على هذا النحو، وأقر بمعرفته لعلوم السنة، وإتقانه، وبجودة تأليفه، فإن العراقي قد استفاد من ابن كثير أيضًا فيها وفي رحلاته التالية، نظرًا لتأخر وفاته إلى ما بعد آخر رحلة للعراقي إلى الشام كما سيأتي. وقد ظهرت هذه الاستفادة في جانب الدراية أكثر من جانب الرواية، حيث نقل في نكته على كتاب ابن الصلاح نقولا عديدة عن مختصر ابن كثير للكتاب (^٢)، ومع أنه ناقشه في بعض تلك النقول بشدة كما سنرى ذلك في موضعه، إلا أن كثرة النقول في حد ذاتها دليل على اطلاعه على الكتاب واستفادته منه بصفة عامة، وهو متضمن الخلاصة آراء الحافظ ابن كثير في دراية فنون السنة ومصطلح أهلها.
أما ثالث الحفاظ الذين التقى بهم العراقي التقاء مؤثرا: فهو صلاح الدين العلائي، ويظهر أن العراقي ذهب إليه بالقدس، بعد أن أخذ حظه العلمي والتقديري من علماء دمشق، وضواحيها، وذلك لأنه كان أول سماعه في تلك الرحلة بصالحية دمشق، كما قدمنا، بينما كان العلائي حينذاك بالقدس،
_________________
(١) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٣.
(٢) «التقييد والإيضاح» ١/¬٤٥، ٥٤، ٦١، ١٤٤.
[ ١ / ٣٥١ ]
يسكن المدرسة الصلاحية، ويشتغل فيها بالتدريس والتحديث (^١).
وقد أثبت العراقي روايات متعددة عنه بالقراءة عليه ببيت المقدس (^٢)، ويذكر ابن فهد أن العراقي في هذا اللقاء انتفع بالعلائي ولازمه وأخذ عنه علم الحديث (^٣)، كما ذكر هو وغيره أن اجتماع العراقي في هذه الرحلة بالسبكي والعلائي زاد تفننه (^٤)، نظرًا لما لكل منهما من تضلع في دراية علوم السنة متنا وسندًا، وفي تعريفنا المتقدم بالسبكي بينا مدى تأثيره في العراقي وإفادته له، وسيأتي توضيحنا لهذا في التعريف بالعلائي باعتباره أنموذجًا لشيوخ العراقي من حفاظ الشام المؤثرين فيه.
وقد ذكر ابن فهد وغيره من تقدير العلائي للعراقي ما يطابق تقدير السبكي وابن كثير المتقدم ذكره، مع زيادة «وصفه بالحفظ» (^٥). وقد أوضحنا من قبل أنه وصف اصطلاحي، متى وصف به أحد الحفاظ المعتبرين تلميذه، صار شهادة له ببلوغ درجة «الحافظ»، ولما كان العلائي من الحفاظ المعتبرين، وقد تتلمذ له العراقي ولازمه، فمقتضى وصفه له بالحفظ أنه صار في ختام رحلته تلك أحد حفاظ السنة المشهود لهم بذلك، على مستوى مصر والشام، حيث تقدم تلقيبه بالحفظ أيضًا من شيخيه المصريين، الإسنوي وابن جماعة، وهذا
_________________
(١) والدرر الكامنة، جـ ٢/ ١٨١.
(٢) وفتح المغيث، للعراقي جـ ٤/ ٦٧ - ٦٩ - ٧١.
(٣) ولحظ الألحاظ» / ٢٢٥.
(٤) ولحظ الألحاظ،: ٢٢٥ والأعلام، جـ ٤/ ٢١٩ ب، و«طبقات الشافعية»، ١١١ أ، و(بهجة الناظرين) ٥/ ١٣١، و«المنهل الصافي»، جـ ٢/ ٣١٢ ب، و(ذيل تذكرة الحفاظ) للسيوطي/ ٣٧٠، و«حسن المحاضرة»، جـ ١/ ٣٦٠ و«الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٣.
(٥) ولحظ الألحاظ» / ٢٢٥ و(ذيل التقييد للفاسي) / ٢١٩ ب.
[ ١ / ٣٥٢ ]
مما يدفع قول الحافظ ابن حجر: «إن العراقي لم يطلب السنة على وجهها، إلا منذ سنة ٧٥٢ هـ، حيث لا يعقل أن يتفق أولي الخبرة من شيوخه بمصر والشام على وصفه بالإتقان، والمهارة في الفن، ويلقبه غير واحد منهم بالحافظ، وهو لم يطلب السنة على وجهها غير عامين فقط، قبل قيامه بتلك الرحلة، ولعل هذا ما جعل الحافظ ابن حجر أيضًا يعتبر إطباق هذه الصفوة من شيوخ العراقي، وشيوخ عصره، على الشهادة له حينئذ بمعرفة الفن والمهارة فيه، نوعا من المبالغة، فذكر وصف الإسنوي له بحافظ العصر، ووصف العلائي والسبكي له بالمهارة في الفن (^١) ثم قال في موضع آخر: وتقدم (أي العراقي) في فن الحديث، بحيث كان شيوخ عصره وحفاظه يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة، كالسبكي والعلائي والعز بن جماعة والعماد بن كثير وغيرهم (^٢)، ثم قلد ابن حجر في هذا غير واحد من بعده (^٣)، والمعروف أن ما يتفق عليه ذووا الشأن يعتبر حقيقة وليس مبالغة ولذا فإن ابن حجر نفسه يعود فيعترف ببلوغ شيخه العراقي فيما بعد درجة الحافظ الكامل كما سيأتي، فانحصرت معارضته في التوقيت فحسب. هذا مجمل لقاء العراقي بأبرز حفاظ الشام أولي الدراية، وأهم نتائج لقائه تأثرًا وتأثيرًا».
وبالنسبة لغير الحفاظ من المحدثين، فقد التقى العراقي بغير واحد منهم، حتى جمع بين اثنين منهم مع الحافظ السبكي في سياق رواية واحدة فقال: «وأخبرني
_________________
(١) وذيل الدرر الكامنة» / ٧٢.
(٢) و«المجمع المؤسس» / ١٧٧.
(٣) و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٣ وهـ ذ «يل تذكرة الحفاظ» للسيوطي/ ٣٧٠ و٥ «حسن المحاضرة» ج ١/ ٣٦٠.
[ ١ / ٣٥٣ ]
الحافظ أبو الحسن علي بن عبد الكافي (السبكي)، والمحدثان: أبو الثناء محمود بن خليفة المنبجي، وعبد الله بن يعقوب بن سيدهم … مشافهة منهم بدمشق الخ» (^١)، وجمع بين المنبجي والسبكي في روايات أخرى عنهما مشافهة بدمشق أيضًا (^٢).
أما قسطه الأوفى من الرواية، فقد تلقاه عن أبرز المسندين المنفردين بعلو من الإسناد والمكثرين من المرويات، فكان فيما حصله منهم تعويض عما فاته من قبل، وإلى ذلك أشار ابن حجر فقال: «ثم رحل إلى دمشق سنة ٧٥٤ هـ، فأعلا من بقي بها: أحمد بن عبد الرحمن المرداوي، وهو خاتمة أصحاب الكرماني، ومحمد بن إسماعيل بن الخباز، وهو خاتمة أصحاب ابن عبد الدايم، (فأخذ عنهما) وعن ابن القيم، وابن الحموي ونحوهم» (^٣).
وقوله: «ونحوهم»، إنما هو إشارة لكثيرين، ظهر لي من البحث صعوبة حصرهم، ممن لقيهم العراقي في رحلته تلك، وروى عنهم كتب علوم السنة المختلفة، مراعيا تحصيل ما انفرد به كل منهم، أو ما امتازت به روايته عن غيره، أو ما لم يكن للعراقي به رواية سابقة من الكتب، ونحو ذلك مما يحقق به قواعد الطلب، وشروط الحفاظ، وفوائد الرحلة.
ولو أنني تتبعت فقط من أثبت العراقي روايته عنهم في مؤلفاته المختلفة من شيوخ تلك الرحلة، لطال المقام، ولذا فإنني أكتفي ببيان ما تلقاه عن الأربعة الذين مثل بهم ابن حجر، نظرا لكثرة مروياته عنهم، واشتمالها على أنواع
_________________
(١) «محجة القرب» / ٨ أ.
(٢) «محجة القرب» / ٩ ب، ١٤ ب، ٢١ ب.
(٣) «المجمع المؤسس» / ١٧٧ وو«ذيل الدرر الكامنة» / ٧١.
[ ١ / ٣٥٤ ]
كتب الرواية والدراية، بالإضافة لانفراد اثنين منهم بعلو السند على مستوى دمشق، وربما عموم الشام حينذاك، وهما: ابن الخباز والمرداوي كما تقدم.
فبالنسبة لابن الخباز، وهو محمد بن إسماعيل المتوفى سنة ٧٥٦ هـ، كان يُسْمِعُ الطلاب بمنزله، فذهب إليه العراقي، وقرأ عليه بنفسه جميع «صحيح مسلم» في ٦ مجالس متوالية، قرأ في آخر مجلس منها أكثر من ثلث الكتاب، وكان ذلك بحضور الحافظ المشهور زين الدين ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ، الذي كان يعارض أثناء القراءة بنسخته من (صحيح مسلم) لتوثيقها كما هو معروف (^١)، وقرأ عليه بمنزله أيضًا مسند أحمد ابن حنبل كله، في نحو ٣٠ ميعادًا (^٢).
ويلاحظ أن هذين الكتابين لم يكن سبق للعراقي قراءتهما على أحد غير ابن الخباز، فكان تلقيهما عنه بسنده المنفرد بالعلو، إضافة قيمة لسابق مرويات العراقي العالية، كما أن قراءته لهما بنفسه على النحو المذكور، خير شاهد على نشاطه وجهده الكبير في طلب السنة، خاصة وأنه تلقى عن ابن الحباز هذا من كتب السنة الأخرى عددًا كبيرًا، يشمل علوم الرواية والدراية، كما سنبينه في التعريف به باعتباره أنموذجا لشيوخ العراقي من مسندي الشام.
وأما المرداوي: فهو أبو العباس أحمد بن عبد الرحيم المتوفى في رمضان سنة ٧٥٨ هـ، وقد أشار العراقي إلى أنه كان يسترضيه ويتألفه للسماع عليه، نظرًا لكبر سنه حينئذ (^٣)، وقد روى عنه بمشافهته له بما سنده به أعلا من غيره من
_________________
(١) ولحظ الألحاظ» / ٢٢٣.
(٢) وذيل التقييد» / ١٢١٩.
(٣) والدرر الكامنة (جـ ١/ ٧٣ ووفتح المغيث) للعراقي جـ ٣/ ٨٨.
[ ١ / ٣٥٥ ]
الشاميين (^١)، كما أثبت بعض رواياته عنه بظاهر دمشق (^٢).
وبالنسبة لابن الحموي: وهو محمد بن إسماعيل بن عمر الحموي المتوفى بدمشق سنة ٧٥٧ هـ، فقد كان أيضًا من ذوي الإسناد العالي، والرواية الكثيرة، ووصفه الذهبي بعد السماع منه بأنه مُلْحِقُ الصغار بالكبار (^٣).
وقد أكثر العراقي الرواية عنه في تلك الرحلة، وخاصة ما كان منفردا به، ولم يسبق للعراقي سماعه من غيره، وذلك مثل السنن الكبرى للبيهقي، التي يوصي العلماء طالب السنة بدراستها (^٤)، فقد كان الحموي منفردا بسماعها من بعض شيوخه، فقرأ العراقي منهما عليه نحو النصف، وذلك من أولها إلى آخر كتاب الإيلاء (^٥)، ومما يصور جهد العراقي في ذلك، أن نصف هذه السنن يبلغ خَمْس مجلدات كبار، بحسب طبعتها التي بين أيدينا اليوم. وقد أثبت العراقي، أن قراءته على الحموي كانت بجامع دمشق (^٦)، وكُتُب البيهقي عموما يوصي العلماء بتحصيلها، كما أثبت أيضًا روايته عنه كتاب المدخل إلى سنن البيهقي (^٧)، وروى عنه كذلك بعض الأمالي الحديثية لأبي القاسم بن
_________________
(١) (محجة القرب) / ٤٨ أ.
(٢) وقرة العين» / ١٠
(٣) و«الدرر الكامنة» جـ ٤/¬٩.
(٤) «فتح المغيث»، للعراقي جـ ٣/ ٩٣.
(٥) (ذيل التقييد) / ٢١٩ ب.
(٦) «قرة العين»، ١٢، ١٩ و«الأمالي الحديثية»، مجالس ١، ٣، ٧، (ضمن المستخرج على المستدرك للعراقي) مخطوط.
(٧) (محجة القرب) / ١ ب، ٥٢ أ.
[ ١ / ٣٥٦ ]
الجراح (^١)، وقد ذكر بعض مروياته عنه فيما رواه بأعلا أسانيد عصره (^٢)، وغيرها (^٣).
وأما خاتمة هذه النماذج الأربعة، وهو ابن القيم، فهو عبد الله بن محمد ابن إبراهيم الدمشقي الصالحي الحنبلي المعروف بابن قيم الضيائية المتوفى في ٢٥ من المحرم سنة ٧٦١ هـ، وهو غير ابن القيم المعروف بابن قيم الجوزية، مع اتفاقهما عصرًا ومصرًا، إلا أن الثاني متوفى سنة ٧٥١ هـ، قبل رحلة العراقي هذه.
أما الأول، فقد طال عمره فوق التسعين، حتى صار مسند وقته بعد الثلاثة المتقدمين، وتفرد بكثير من مروياته بالسماع، فانتفع به كثيرون: كالحافظ الذهبي وغيره، والتقى به العراقي في أكثر من رحلة بعد هذه كما سيأتي، فكثرت بذلك مروياته عنه، بالسماع منه مشافهة (^٤)، وبالقراءة عليه (^٥)، وقد أثبت العراقي أن التقاءه به كان بسفح قاسيون، بضاحية الصالحية، ظاهر دمشق (^٦). وهي يومئذ أثرى الضواحي بالمحدثين (^٧). وقد كان تفرده بكثير من مروياته العالية مما أنتج تثرية حصيلة العراقي منها، حتى روى عنه ما هو أعلا من روايته عن الميدومي، الذي يعتبر أعلا شيوخه المصريين إسنادا كما مر (^٨)،
_________________
(١) (المجمع المؤسس) / ١٨٧، وزغل العلم والطلب، للذهبي/ ٧، ٨.
(٢) (الأربعين العشارية الإسناد) / ١٥ أ.
(٣) (الأمالي الحديثية) / مجلس (٢) ضمن المستخرج على المستدرك (مخطوط).
(٤) (محجة القرب) / ٥ ب.
(٥) (قرة العين) / ٤٨، ٦٢، ٦٩ (مخطوط).
(٦) (الأربعين العشارية الإسناد) حديث ٣٧ وو«قرة العين» / ٤٨، ٧٥ (مخطوط).
(٧) (الإعلان بالتوبيخ) للسخاوي/ ٦٦٠.
(٨) «قرة العين» ١/ ٥٣.
[ ١ / ٣٥٧ ]
كما أنه الوحيد من شيوخ العراقي الشاميين الذي وقفت على صورة إجازته للعراقي بجميع مروياته كما سيأتي، ولعل خير شاهد على حصيلة ما تلقاه العراقي عنه من مرويات، أن ابن حجر وحده قرأ على العراقي (٢٢) كتابا من مختلف كتب السنة التي تلقاها العراقي عن ابن قيم الضيائية، بالقراءة والسماع، منها: كتاب «الدعاء» للطبراني (^١)، وقطعة من «صحيح أبي عوانة» (^٢)، و«مسند العدني» (^٣)، ومنها كثير من الأجزاء الحديثية الهامة، التي يشترط في حافظ السنة تحصيلها ودرايتها، «كجزء الغطريف» (^٤).
ومنها الأمالي الحديثية: كأمالي الجوهري (^٥).
ومنها ما يتعلق بعلم الرجال: كـ «المبهمات» للخطيب البغدادي (^٦)، وجزء معرفة من اسمه (عطاء) للطبراني (^٧).
ومنها الفوائد الحديثية: كفوائد ابن عبدان (^٨)، وينبغي ملاحظة أن غالب تلك الكتب مما انفرد ابن قيم الضيائية في وقته بروايته بالسماع عن شيوخه، كما لم يعرف قراءة العراقي أو سماعه لها على غيره من قبل، وبذلك كانت إضافات جديدة لحصيلته من مرويات كتب السنة في الرواية والدراية، كما.
_________________
(١) «- المجمع المؤسس» / ١٨٩.
(٢) المرجع السابق/ ١٩٢.
(٣) المرجع السابق/ ١٧٩.
(٤) المرجع السابق/ ١٨٧.
(٥) المرجع السابق/ ١٨٣.
(٦) المرجع السابق/ ١٨٤.
(٧) المرجع السابق/ ١٩١.
(٨) المرجع السابق/ ١٨١.
[ ١ / ٣٥٨ ]
تقضي بذلك قواعد الاختصاص بالسنة، وقد ضمن العراقي مؤلفاته كثيرًا من مروياته العالية السند، التي تلقاها عن ابن القيم هذا (^١).
هذا مجمل لما تلقاه العراقي عن هذه النماذج الأربعة من مسندي الشام، بالإضافة لما سبقت الإشارة لأخذه عن أبرز الحفاظ، وفي هذا وذاك شواهد قوية على ثراء حصيلته من تلك الرحلة، والجهد الكبير الذي بذله خلالها، حتى حصل في شهورها المعدودة ما كان يُحصله غيره في سنين، على أن همة العراقي الفتية، ونهمته النابعة من حبه لمادة تخصصه، جعلاه يستقصي الثقات من ذوي السند العالي والمرويات النادرة، ليضاعف رصيده العلمي قبل عودته لمصر، إلا أن مطلبه لم يكن ميسرًا على الدوام، فإذا كان قد وجد من المسندين بدمشق من يفتح بَيْتَهُ لطلاب السنة، ويصبر الساعات الطويلة على أداء ما تحمله إليهم، دون أن يكلفه بذلك أحد أو يجازيه، فإنه قد وجد بصالحيتها من يمتنع عن التحديث، لسبب أو لآخر، مُشكلا بذلك عقبة تحول بينه وبين ما هو حريص على تحصيله من المرويات، وذلك أنه قصد خلال الرحلة: المسند الثقة الصالح أبو الفتح يحيى بن عبد الله بن مروان الفارقي المتوفى سنة ٧٦٣ هـ، وكان إمام دار الحديث الأشرفية بصالحية دمشق، وأراد أن يسمع عليه ما كان منفردًا به من المرويات، فامتنع الشيخ تورعًا من مسئولية الرواية؛ لكثرة تحديثه من قبل، ولم يسهل على العراقي ترك ما عنده والإكتفاء بغيره، فلجأ إلى شيخه الكبير وقاضي قضاة الشام حينئذ، وهو تقي الدين السبكي، ليشفع له عند الفارقي، لكن السبكي بدوره تورّع، وقال للعراقي:
_________________
(١) «الأربعين العشارية الإسناد» ٤/ حديثي ٣٠، ٣٧ ووقرة العين ٥٥، ٦٠ (كلاهما مخطوط).
[ ١ / ٣٥٩ ]
«هذا رجل صالح، لا أود تكليفه»، فماذا يفعل بعد هذا الرد من أكبر شخصية بعد الحاكم يمكن أن تؤثر على الشيخ؟ لقد ظل على عزيمته التي عهدناها منه في موقفه السابق مع شيخه الرشيدي، من أجل حفظ كتاب «الحاوي الصغير»، فعاد إلى الفارقي بنفسه، وما زال هو وبعض رفاق الطلب يستر ضونه، حتى يشر الله عسره، وشرح صدره، فحدثهم بما ذكروا له أنه انفرد به (^١)، وذكر ابن حجر من ذلك جزئًا من حديث عثمان بن محمد الجُمَحي (^٢).
وهكذا تحقق للعراقي مطلبه، وذلل تلك العقبة بمزيج من صبره وعزمه، وعاد بعد شهور تلك الرحلة، وقد تكللت هامته بالنجاح والتقدير، واستوفى حظه الأوفى من الرواية والدراية، على يد المشتغلين بالسنة، من حفاظ ومحدثين ومسندين، سواء في بيوتهم، أو في مدارس الحديث أو المساجد، كما جعل لنفسه ذكرًا، وصنع لها مكانة، بين علماء السنة بمصر والشام.