فقد قرن القرآن طاعة الرسول ﷺ بطاعة الله، وجعل عصيانه مُحبطًا للعمل.
[ ١ / ٤٧ ]
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (^١) بل إنه جعل طاعته ﷺ من طاعة الله فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (^٣).
وهكذا جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم عبر نزوله في شتى المواقف والتشريعات، وبمقتضاها وجب على المؤمنين طاعته ﷺ في كل ما سنه لهم بالقول والعمل، والتأسي به وبمن تُعَدُّ سنتهم من سنته وهم الصحابة والتابعون كما سلف.
فكيف يمكن إذن الاعتماد على السنة مع ترك القرآن الذي تستند في عموم مشروعيتها عليه، كما يزعم من أشرنا لهم؟
ثم إن عموم الأمر بطاعة الرسول ﷺ كما نرى في الآيات السابقة وغيرها، يجعل ذلك شاملًا لما وافق صريح القرآن، كأمره ﷺ بالصلاة ونهيه عن الزنا، ولما لم يُصرح به القرآن، كتفاصيل العبادات والحدود ونحوها، وفي هذا رد على الزنادقة والخوارج الذين يقولون بعدم حجية ما تستقل السنة ببيانه، ووضعوا لذلك الغرض حديثًا بلفظ «ما آتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله، وإنما أنا موافق
_________________
(١) آية ٣٣ من سورة محمد.
(٢) آية ٨٠ من سورة النساء.
(٣) آية ٢١ من سورة الأحزاب.
[ ١ / ٤٨ ]
كتاب الله وبه هداني الله».
قال عبد الرحمن بن مهدي: «الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث».
قال ابن عبد البر: «وهذه الألفاظ لا تصح عنه ﷺ عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه، وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم، وقالوا نحن نعرضه على كتاب الله قبل كل شئ، ونعتمد على ذلك، فلما عرضناه وجدناه مخالفا لكتاب الله، لأنا لم نجد في كتاب الله ألا يقبل من حديث رسول الله ﷺ إلا ما وافق كتاب الله، بل وجدناه يطلق التأسي به والأمر بطاعته ويُحذِّر من المخالفة عن أَمْرِهِ جملة على كل حال» (^١).