لما كانت اللغة العربية قد اختارتها المشيئة الإلهية وعاء للقرآن الكريم وسنة النبي الخاتم ﵊ وما تفرع عنهما من العلوم، كان لابد للباحث فيهما، وفيما يتصل بهما من العلوم، فضلا عن التخصص، أن يحصل من علوم اللغة وآدابها ما يمكنه من الضبط والفهم السليمين لنصوص الكتاب والسنة ولما تعلق بهما أو اعتمد عليهما كالفقه وأصوله والتفسير وعلوم القرآن، وعلم مصطلح الحديث وشرحه واستنباط أحكامه، وقد قدمنا في صدر هذه الرسالة إشارة الإمام
_________________
(١) (نهاية السول وحاشيته) جـ ٤/ ٥٥٥، ٠٠٠، ٥٥٦ و«الرد على من أخلد إلى الأرض» للسيوطي ص ١٣٠، ١٣١، ١٣٩، ١٤٥، ١٦٧، ١٦٩، ٢٢٢.
(٢) و«الرد على من أخلد إلى الأرض» للسيوطي ص ١٧٠، ١٧١، وهـ «عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد» لشاه ولي الله أحمد الدهلوي ص ٣ - ٥، ١٧ - ١٩، ٣٣ - ٣٥
[ ١ / ٢٣٥ ]
الشافعي ﵁ إلى ذلك وَذَكَرَ نحوه أيضًا علماء أصول الحديث.
قال ابن الصلاح: (فحق على طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يتخلص به عن شين اللحن والتحريف ومعرتهما)، وأقره العراقي وغيره (^١) بل إن الشافعي ﵁ يقرر: أن على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته، وأنزل به آخر كتبه أقصى ما يستطيع تعلمه، حتى ينطق به بالشهادة، ويقرأ القرآن ويؤدي الشعائر والعبادات، وما زاد على ذلك كان خيرا له (^٢).
من أجل ذلك كان لابد للعراقي من دراسة عامة لعلوم اللغة وآدابها. ولم يكن لشخصيته العلمية أن تتكامل، ولا لرسالته في خدمة السنة أن تنجح بدون تلك الدراسة.
ومع هذا فإن أكثر مؤرخيه لم يعرضوا كلية لبيان هذا الجانب من دراسته، ومن تعرض له كان شديد الإيجاز (^٣) ومجمل ذلك مع الإيضاح من جانبنا، أن من العلوم التي اشتغل العراقي بتحصيلها في البداية قبل التخصص في السنة علوم (العربية)، فأخذها عن جماعة منهم: ناصر الدين محمد بن أبي الحسن بن عبد الملك بن سمعون، والشيخ برهان الدين الرشيدي، الذي أخذ عنه الفقه أيضًا كما تقدم، والسراج عمر بن محمد بن علي الدمنهوري،
_________________
(١) (قواعد التحديث) للقاسمي ص ٢١٩ و(مقدمة ابن الصلاح) ٢٢٩ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٣/ ٥٣.
(٢) (الرسالة) للشافعي ص ٣١.
(٣) (لحظ الألحاظ) ص ٢٢١، ٢٢٢ و(بهجة الناظرين) ١٢٩ من نسخة دار الكتب المصرية رقم (٣٤٠٣) تاريخ.
[ ١ / ٢٣٦ ]
شيخ القراء، وكان ضنينا بعلمه وتوفي سنة ٧٥٢ هـ (^١).
والشهاب أحمد بن يوسف بن عبد الدايم المعروف بالسمين، وكان أديبا بارعا في النحو والقراءات وتوفي سنة ٧٥٦ هـ (^٢).
ولم أجد من عني بذكر بعض المراجع اللغوية التي درسها العراقي، ولا بتحديد زمن شروعه في تلك الدراسات أو إجازته أو تخرجه ولا ببيان من أجازه من الشيوخ أو خرجه على منهج العصر، مع أن لذلك كله أهمية، كما أشرنا من قبل، في تقييم الشخصية العلمية وتوثيقها، ولعلنا حين ننظر إلى أنه اتجه للتخصص في السنة ٧٤٢ هـ (^٣) نجد في ذلك إشارة إلى أنه اشتغل بتلك العلوم ضمن ما اشتغل به قبل هذا التاريخ.
ومن المؤكد بحسب قواعد الطلب وعادة العصر أنه أجيز بما درسه منها على الشيوخ المتقدمين قبل وفاتهم في التواريخ المتقدمة وهي سنة ٧٤٩ هـ بالنسبة للرشيدي، وسنة ٧٥٢ هـ بالنسبة للدمنهوري، وسنة ٧٥٦ هـ بالنسبة للسمين، أما ابن سمعون فهو أقدم شيوخ العراقي عموما (^٤) وبذلك تكون إجازته منه أسبق من الجميع.