المتقدمون حتى آخر عصر الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، هم الذين
_________________
(١) «المختصر في علم رجال الأثر» للشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ ص ٥.
[ ١ / ٦٦ ]
شهدت السنة على أيديهم عصرها الذهبي خلال القرن الثالث الهجري، حيث البخاري والترمذي وطبقتهما، ثم شهدت فيما تلاه مرحلة النضج والاتساع في مؤلفات المتن والسند، على نحو ما فعل ابن حبان والدارقطني والبيهقي وطبقاتهم في مؤلفاتهم، وجمعت القواعد والمصطلحات، وتقررت على يد الرامهرمزي ثم الحاكم ثم الخطيب البغدادي، وقد اصطلح هؤلاء وأمثالهم على تعريف علم الرواية بأنه: علم يبحث عن كيفية اتصال الأحاديث بالرسول ﷺ، من حيث معرفة أحوال رواتها ضبطا وعدالة، ومن حيث كيفية السند اتصالا وانقطاعا، وغير ذلك من الأحوال (^١).
وقد ألف الخطيب في ذلك كتابين جامعين:
أحدهما: في قوانين الرواية وسماه «الكفاية لمعرفة أصول علم الرواية» والآخر: في آدابها وسماه «الجامع لآداب الراوي، وأخلاق السامع».
وقال في مقدمة الكفاية: «وأنا أذكر بمشيئة الله تعالى وتوفيقه في هذا الكتاب ما بطالب الحديث حاجة إلى معرفته، وبالمتفقه فاقة إلى حفظه ودراسته، من بيان أصول علم الحديث وشرائطه، وأشرح من مذاهب سلف الرواة والنقلة في ذلك ما يكثر نفعه وتعم فائدته؛ ويستدل به على فضل المحدثين، واجتهادهم في حفظ الدين ونفيهم تحريف الغالين وانتحال المبطلين، ببيان الأصول من الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل وأقوال الحفاظ في مراعاة الألفاظ؛ يعني في رواية السنن، وحكم التدليل والاحتجاج بالمراسيل، والنقل عن أهل الغفلة ومن لا يضبط الرواية وذكر من يرغب عن السماع منه
_________________
(١) المصدر السابق ص ١٤ و«مفتاح السعادة» لطاش كبرى زادة ج ٢ ص ٦٠.
[ ١ / ٦٧ ]
لسوء مذهبه، والعرض على الراوي، والفرق بين قول حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، وجواز إصلاح اللحن والخطأ في الحديث، ووجوب العمل بأخبار الآحاد والحجة على من أنكر ذلك، وحكم الرواية على الشك وغلبة الظن واختلاف الروايات، بتغاير العبارات، ومتى يصح سماع الصغير، وما جاء في المناولة وشرائط صحة الإجازة والمكاتبة، وغير ذلك مما يقف عليه من تأمله» (^١).
وهذا الذي فصله في المقدمة قليل جدا، بالنسبة لمحتويات الكتاب حيث قسمه إلى (١٦١) بابا، ضمن كل باب موضوعًا أو قاعدة اصطلاحية، كما في الأمثلة التي ذكرها آنفًا، بحيث يُغطي معظم أحوال السند والمتن، مما جعل تسميته بالكفاية في موضعها.
كما أن هذا مما يدل على ما وصله علم أصول الحديث - كما سمّاه الخطيب في أول كفايته - حينئذ من السعة ووفرة البحوث، وتقرر القواعد والمصطلحات، لا سيما إذا عرفنا أن الخطيب أيضًا بجانب الكفاية والجامع، أفرد كثيرا من فنون العلم بمؤلفات مستقلة، صار بموجبها عائل أهل هذا الفن من بعده (^٢).
وليس هذا شأنه وحده، وإنما تعتبر مؤلفات المتقدمين عموما، حتى عصره وآراؤهم في الرجال والتصحيح والتعليل، عمدة من جاء بعدهم، وهو نفسه صَرَّحَ، كما تقدم لك، بجمعه لآراء من تقدموه مع شرحها وتوضيحها، ومطالعة كتاب الكفاية خير دليل على أنه جماع آراء الخطيب ومن تقدموه،
_________________
(١) «الكفاية» للخطيب ص ٣٧.
(٢) «شرح ابن حجر لنخبته» ص ٢.
[ ١ / ٦٨ ]
ولكننا نلاحظ أنه ضمن الكتاب بعض المباحث المتعلقة بعلم أصول الفقه كالاحتجاج بالمرسل وبخبر الآحاد وقصد توجيه ذلك للفقهاء كما صرح في المقدمة، ولهذا استبعد المتأخرون مثل هذه المباحث واقتصروا على ما يختص بعلم الحديث وأصوله.