_________________
(١) «المختصر في علم رجال الأثر» لشيخنا الفاضل، الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ ص ٤ و«علوم الحديث ومصطلحه» للدكتور صبحي الصالحي ص ١٠٧، و«كشاف اصطلاحات العلوم» للتهانوي جـ ٢/¬١٣ و«شرح الديباج المذهب» لمنلا حنفي ص ٦، ٧.
[ ١ / ٣٠ ]
حيث نجد التابعي الجليل محمد بن شهاب الزهري رائد الجامعين للسنة في عصره، يحدثنا عنه رفيقه صالح بن كيسان فيقول: «كنت أنا وابن شهاب ونحن نطلب العلم فاجتمعنا على أن نكتب السنن فكتبنا كل شي جاء عن النبي ﷺ، ثم قال (أي الزهري) نكتب ما جاء عن أصحابه فقلت لا، ليس سنة، وقال هو: بل هو سنة، فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت» (^١).
ومن هذا يظهر لك استقرار الأمر على ما رأى الزهري، من عد ما جاء عن الصحابة سنة، ورجوع صالح لذلك وندمه على ما ضيعه منها بمخالفته أولا، وعدم مشاركة الزهري في تدوينها بالإضافة لسنة الرسول ﷺ.
وبهذا كان مفهوم السنة الذي جرى عليه الزهري كما نرى، ووافقه عليه معاصروه، مطابقًا لتعريفها العام الذي ذكرناه، وقد بين الزهري مشاركة غيره له في هذا، وانتشار ما دونوه على ذلك المنهج رسميًا في أقطار الإسلام عمومًا بأمر الخليفة العالم عمر بن عبد العزيز، دون نكير عليه، فيقول: «أمرنا عمر ابن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا» (^٢).
وقد تتابع علماء السنة على ذلك فيما تلا هذا التدوين العام، من التأليف المنظم على مر العصور، حتى عصر العراقي وما بعده إلى يومنا هذا، فما من مؤلف جامع، للمتقدمين أو المتأخرين، على مختلف شروطهم ومناهجهم، إلا نجده مشتملًا على ما هو مضاف للرسول ﷺ ولأصحابه وللتابعين،
_________________
(١) رواه ابن عبد البر بسنده من طريقين، «جامع بيان العلم» جـ ١ ص ٩٢.
(٢) المصدر السابق ج ١/ ٩١، ٩٢.
[ ١ / ٣١ ]
ونجدهم يعدون كل ذلك سننا مأثورة، وأن تفاوت القدر الوارد في كل منها قلة وكثرة، وتفاوتت جهة إيراد المروي عن الصحابة والتابعين، من دليل أصلي تارة، إلى دليل ثانوي للتقوية والاستشهاد والاستئناس.
فأمير المؤمنين في الحديث عبد الله بن المبارك وطبقته، من أوائل المصنفين في السنة في العالم الإسلامي جمعوا في مصنفاتهم بين المروي عن الرسول ﷺ والمروي عن صحابته وتابعيهم، متخذين الكل دليلا أصليا (^١)، ونظرة منا إلى الفهرس التحليلي لكتاب «الزهد والرقائق» لابن المبارك ترينا أن الوارد فيه عن الصحابة والتابعين، ضعف الوارد عن الرسول ﷺ (^٢).
وأيضا الإمام مالك في «موطئه» يورد ما جاء عن الصحابة والتابعين، دليلا أصليا ويسميه سنة (^٣)، لكن ما أورده أقل كما مما أورده ابن المبارك في الزهد بكثير، أما الإمام البخاري في «صحيحه» فقال عنه الحافظ ابن حجر: «وإنما يورد من الموقوفات من فتاوى الصحابة والتابعين وتفاسيرهم لكثير من الآيات، على طريق الاستئناس والتقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل المختلف فيها» (^٤)، وهذا بلا شك نوع من الاستدلال بها، وإن كان أوفى من صنيع من تقدموه، ولو نظرنا إلى المسانيد نجد أوفاها وهو مسند الإمام أحمد
_________________
(١) انظر «مقدمة فتح الباري» لابن حجر ج ١ ص ١٧ و«شرح السيوطي لألفيته» ورقة (١٦ ب) وما بعدها (مخطوط).
(٢) انظر فهرس كتاب «الزهد والرقائق» من ص ١ - ٨ ومن ص ٨ - ٢٠.
(٣) انظر كتاب الصلاة - باب السنة في السجود في «الموطأ» رواية محمد بن الحسن ص ٦٩، وكتاب السهو في الصلاة في «الموطأ» رواية يحيى بن يحيى ص ٨٣.
(٤) انظر مقدمة «فتح الباري» ج ١ ص ٢٣٨.
[ ١ / ٣٢ ]
يشتمل على ما رواه الصحابة عن الرسول ﷺ، وعلى ما روي عن الصحابي نفسه من كلامه أو فعله أو تقريره، وكذلك عن التابعي (^١) وعلى نهج هؤلاء الأئمة سار من بعدهم إلى يومنا هذا.