نشأ العراقي نشأة مُتسقة، توفّر له فيها أهم العوامل التي قرر الباحثون قديما وحديثًا أثرها الفعال في تكوين الشخصية السوية المتكاملة الرائدة، سواء البيئة الطبيعية، أو الوراثة، أو البيئة الأسرية، أو الاجتماعية، أو العلمية، أو الميول والمواهب الشخصية.
فالبيئة الطبيعية الحسنة توفرت له؛ حيث ولد كما تقدم في ضاحية جميلة على شاطئ النيل، حيث الهواء الطلق، والماء العذب، والخضرة والبساتين الجميلة اليانعة التي تسر النظر وتبهج النفس، وتفيض بخيراتها على الجميع، وحيث العمران الجديد المنتظم.
كما كانت مصر كلها عند ولادته ونشأته، في أحسن أحوالها، رخاء واستقرارًا، فكان لذلك كله أثره الفعال في تكوينه ونشأته صحيح الجسم معتدل الطبع سليم العقل والحواس، رغم تعميره فوق واحد وثمانين عاما، ومما يدل على تأثره بتلك الطبيعية الجميلة ومن فيها، حنينه لها حين ابتعد عنها في بعض أسفاره، فانطلقت شاعريته - وهو عالم السنة - بقوله:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بمصر ففيها من أُحِبُّ نُزُول
وهل أردن يوما موارد نيلها … وهل يبدون لي روضة ونخيل (^١)
_________________
(١) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٨
[ ١ / ١٧٧ ]
ومن ناحية عامل الوراثة، فقد قدمنا أنه ينحدر من أسرة عريقة في الصلاح والتقوى والعلم، كما كانت البيئة الأسرية التي تربى فيها، والمكونة من والديه على نفس النمط، فوالديه كما ذكرنا كانا متوافقين، ووالده جمع بين العلم والعمل الصالح حتى كان قدوة تحتذى، بحسب عصره، ووالدته كانت صالحة عابدة صابرة قانعة كثيرة التقرب إلى الله بعمل الخير.
ومن ناحية البيئة الاجتماعية فقد كانت على نفس منوال والديه، فحياة والده كما سلف انحصرت بين خيرة الناس من أهل العلم مع عدم المخالطة لغيرهم إلا لضرورة، وقد كان يصطحب معه ولده عبد الرحيم منذ صغره في مسرح حياته هذا، فكان يحضره كثيرا عند الشيخ تقي الدين القنائي حيث يعمل بخدمته فكان الشيخ يلاطفه ويكرمه، وعادت بركته عليه كما كان جلساؤه من أهل العلم والتقوى (^١) كما ذكر العراقي عن نفسه حضوره مجالس الوعظ وهو في الثانية عشرة من عمره تقريبا (^٢).
ومن يتأمل عامة جوانب شخصية العراقي واتجاهاته وآثاره يجد أنه كان لتلك العوامل الوراثية والبيئية أثرها الطيب في تشكيل شخصيته فكان نموذجا صالحا لوطنه ولأسرته ووالديه ومجتمعه وتأهل بذلك للريادة والتأثير.
أما البيئة العلمية: فقد بينا في حالة العصر أن مسرح حياة العراقي وهو مصر والشام والحجاز كان بوتقة العلوم الإسلامية خاصة علوم السنة حتى كان النهوض بها يكاد ينحصر في تلك المراكز الثلاثة، وقد سجل العراقي نفسه
_________________
(١) «الدرر الكامنة» لابن حجر جـ ٤/¬٣٥ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧١.
(٢) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية» (المنتقى من تاريخ العراقي) ترجمة محمد بن إبراهيم الجعيري.
[ ١ / ١٧٨ ]
ذلك في بعض مؤلفاته (^١)، وتوفر لطالب العلم فيها المؤونة وأماكن الدراسة والأساتذة والمراجع مجانًا. فتهيأ للعراقي بذلك وسائل العلم وتوفرت مصادره لينهل منها ما يشاء.
على أن تلك العوامل كلها لا يتحقق تأثيرها ولا تؤتي ثمارها، ما لم يكن الشخص المحاط بها لديه الميل النفسي إلى التأثر بها والاستفادة منها في بناء شخصيته، وما لم يتمتع بالإستعدادات والمواهب التي تمكنه من استيعاب ما حوله من إمكانيات ومؤثرات، والتفاعل معها أخذا وعطاءً.
وقد منح الله العراقي من الطاقة البدنية والميل النفسي والمواهب العقلية ما مكنه من ذلك كما سيتضح ذلك في الفقرات التالية بعون الله.
وقد نشأ العراقي في هذا الجو الطبيعي والوسط العائلي والاجتماعي والعلمي، على الخلق الفاضل والصلاح والعبادة والاجتهاد في طلب العلم، وتربى في كنف والده ورعايته، حتى شبَّ وتعلم وصار رجلًا عالمًا.
وينفرد ابن فهد من بين أوائل المترجمين للعراقي بقوله: إن والده توفي وهو في الثالثة من عمره (^٢) وتبعه على ذلك غير واحد حتى عصرنا الحاضر، وقرروا: أن العراقي قد نشأ يتيما، وقد تبين لي أن ما ذكره ابن فهد خطأ صريح، وتوفر لدي على خطئه عدة أدلة، من بينها الآتي: أولا: أن الحافظ العراقي في تكملته لشرح الترمذي حكى حكاية طويلة قالها له والده قبل وفاته، فقال: وأخبرني والدي ﵀ قال: أمرني السيد
_________________
(١) «محجة القرب» له ورقة ٣٦ ب (نسخة دار الكتب المصرية رقم ١٥٠٤) حديث.
(٢) «لحظ الألحاظ» له ص ٢٢١.
[ ١ / ١٧٩ ]
الشريف تقي الدين محمد بن الضياء جعفر بن محمد بن عبد الرحيم القنائي ﵁ أن أشتري له أضحية، فذهبت إلى الجيزة فاشتريت له بقرة، فلما جئت بها إليه إذا هي تصيح ونحن نسأل عن سبب ذلك، فقيل له: إنه كان لها ولد ففرق بينه وبينها، فشق عليه ذلك، وأمرني أن أذهب فأشتري ولدها، فذهبت إلى الجيزة فسألت عن الذي باعها فجئت إليه فإذا هو قد باع ولدها ببلد آخر، فذهبت إلى تلك البلد واشتريت ولدها، فجئت به فلما رأته أمه ورآها حصل لهما بالاجتماع ما نشاهد في البهائم من الحنو والشفقة، فحصلت للشيخ عَبْرَة وَرِقَة، ولم يختر التضحية بها، وأمرني فاشتريت أضحية أخرى بغير ولد فذبحت له وتركت البقرة وولدها عنده حتى كبر، وكانت عنده رقة شديدة ورحمة لسائر خلق الله (^١).
وفي هذه الحكاية كما ترى طول وتفصيل وتحديد أماكن وأوقات وأصناف وقد ذكر أن والده أخبره بها، والكتاب الذي أوردها فيه، ألفه بعد سنة ٧٦٣ هـ كما سيجيء.
وكون والده كما يقول ابن فهد قد توفي وهو في الثالثة من عمره، أي سنة ٧٢٨ هـ لأن العراقي ولد سنة ٧٢٥ هـ كما عرفنا، يقتضي هذا أن العراقي سمع الحكاية من والده وهو طفل قليل الاستيعاب، ثم مضى على سماعه لها أكثر من ثلاثين عامًا حتى سجلها في الكتاب، وليس من المعقول أن يستوعب طفل في الثالثة تلك القصة، ثم تظل عالقة بذهنه بطولها وتفاصيلها الدقيقة التي أوردها ثلاثين عاما.
_________________
(١) «تكملة شرح الترمذي» للعراقي ورقة ١٨ ب «مخطوط بدار الكتب المصرية».
[ ١ / ١٨٠ ]
ثانيا: أن ولي الدين ابن العراقي قد ترجم ابن عم له فقال: ومات بالقاهرة في رجب سنة ٧٢٢ هـ ابن عمي برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم ابن محمد بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم ابن العراقي، مولده في العشر الأخير من شهر رمضان سنة ٧٤٩ هـ ومات أبوه وهو طفل ورباه جده ووالدي (^١).
ومن ذلك يظهر أن الجد وهو والد العراقي كان موجودًا بعد سنة ٧٤٩ هـ التي ولد فيها برهان الدين المذكور، وعاش حتى شارك ولده العراقي في تربية برهان الدين، وكان العراقي حينئذ في الرابعة والعشرين من عمره تقريبا.
فكيف يكون والده توفي وهو في الثالثة من عمره؟
ثالثا: أن ولي الدين قد ترجم أيضا جده وحدد وفاته بعاشر صفر سنة ٧٦٣ هـ وقرر أن ولده عبد الرحيم سمع عنه الحديث (^٢) وهذا معناه أن العراقي حين وفاة والده كان رجلًا في نحو الثامنة والثلاثين من عمره لا طفلا في الثالثة، كما ذكر ابن فهد، ويتضح منه أن العراقي لم ينشأ يتيما بل نشأ وتربى في حياة والده، وأن والده لم يكتف بتوجيهه للعلم؛ بل أسهم بنفسه في إسماعه الحديث بسنده، وعاش حتى رأى ولده عبد الرحيم قد تزوج وولد له وتخرج في علوم السنة وألف فيها كما سيأتي، وصار رجلًا تقر به العين. ولعل هذه الأدلة تقطع بخطأ قول ابن فهد المتقدم، وما ترتب عليه كلية، ثم إنه أتبع هذا الخطأ مباشرة بخطأ آخر، حيث ذكر أن العراقي كان كثير
_________________
(١) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٢٢ هـ.
(٢) هـ «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٦٣ هـ.
[ ١ / ١٨١ ]
الكون، أي التواجد بعد وفاة والده عند الشيخ تقي الدين القنائي (^١) بينما الشيخ تقي الدين توفي قبل والد العراقي بنحو ٣٥ عاما، فقد ذكرنا أن والد العراقي توفي سنة ٧٦٣ هـ في حين أن الشيخ تقي الدين توفي في ١٤ جمادى الأولى سنة ٧٢٠ هـ على الراجح كما قدمنا، فيكون والد العراقي هو الذي عاش بعده تلك الفترة المتطاولة وربى ولده عبد الرحيم وغيره كما أوضحنا.
ويظهر أن ابن فهد لم يطلع على ما قدمته من الأدلة على هذين الخطأين، مع أنه عاصر أواخر أيام العراقي، واستجازه رواية الحديث من مكة، فكتب له العراقي بذلك من مصر (^٢) ثم تتلمذ لولده ولي الدين أبي زرعة ورفيقه نور الدين الهيثمي (^٣) وهما أعرف الناس بتفاصيل حياته.
وتعتبر ترجمة ابن فهد للعراقي من أوفى وأوسع تراجمه، وقد استفدت منها ما لم أستفده من غيرها، لكن لكل عالم هفوة أو هفوات، لا ينبغي أن تذهب بمحاسنه وجهوده.
وقد تابع ابن فهد على هذين الخطأين بعض المحققين والناشرين لمؤلفات العراقي في مقدماتهم مما أدى لانتشارهما (^٤) فليتنبه لذلك.
ويعتبر بحثي هذا فيما أعلم، أول مصدر يثبت هذين الخطأين ويدلل عليهما.
_________________
(١) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢١.
(٢) المرجع السابق ص ٢٣٤.
(٣) نفس المصدر ص ٢٣٠.
(٤) انظر «مقدمة تحقيق طرح التثريب» جـ ١/¬٤، و«مقدمة تحقيق إحياء علوم الدين» طبع لجنة الثقافة الإسلامية سنة ١٣٥٦ هـ جـ ١ (ص د) و«مقدمة تحقيق كتاب القرب في محبة العرب» المنسوب خطأ للعراقي ط إسكندرية سنة ١٩٦١ م ص ٧٠.
[ ١ / ١٨٢ ]
بالأدلة القاطعة مع بيان الصواب، وذلك توفيق الله وحده، ودليل على جدوى بحث المتأخرين وضرورته، رغم جهود المتقدمين التي لا تنكر.