أنزل الله ﷿ على نبيه القرآن الكريم وقال له فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٢)، كما قال أيضًا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٣)، وقال مخاطبًا رسوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^٤).
كما أمر المؤمنين بطاعته ﷺ على وجه العموم فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (^٥).
_________________
(١) «جامع بيان العلم» لابن عبد البر ج ٢ ص ٢٣٣ و٢٣٤.
(٢) آية ٨٩ من سورة النحل.
(٣) آية ٣٨ من سورة الأنعام.
(٤) آية ٤٤ من سورة النحل.
(٥) آية ٧ من سورة الحشر.
[ ١ / ٤٩ ]
وتكرر ذلك في القرآن الكريم كما قدمنا، وعلى ضوء هذه الآيات ونحوها، بين العلماء منزلة السنة من القرآن ويجمع آراءهم في هذا، أن القرآن تبيان لكل شئ، وجامع لكل شيء مما شرع الله، بطريق الإجمال في الغالب؛ لأنه لا يُصرح بتفاصيل أكثر التشريعات وشروطها وهيآتها، كالصلاة والحج وأنصبة الزكاة وتنفيذ الحدود ونحو ذلك، ولما كانت هذه التفاصيل موجودة في السنة عمومًا، وقد نص القرآن على وجوب طاعة الرسول ﷺ وتكليفه بالبيان، كان بيان السنة نوعًا من بيان القرآن لكل شئ، ووسيلة له، فكان الرسول ﷺ قرآنا يسير في الناس، وقال في صراحة ووضوح: «فاستنطقوا القرآن بسنتي ولا تعسفوه» (^١).
وبهذا تلتئم معاني الآيات المتقدمة، وتظهر الحاجة للسنة بجانب القرآن وتلازمها تلازم البيان والمبين، مما يبطل زعم الفصل بينهما أو إحلال السنة محل القرآن أو العكس، وقد كان علماء الصحابة ومن بعدهم يفهمون ذلك ويبينونه لمن خفي عليهم ويضربون لهم الأمثلة التوضيحية.
فمن ذلك: ما أخرجه ابن عبد البر بسنده إلى ابن مسعود قال: «لعن الله الواشمات والمُسْتَوْشِمَات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله، فجاءته امرأة من بني أسد وقالت له بلغني أنك لعنت كيت وكيت فقال: ومالي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ ومن هو في كتاب الله؟ فقالت: إني لأقرأ ما بين اللوحين فما أجده، قال: إن كنت قارئة لقد وجدتيه، أما قرأت ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (^٢)؟ قالت: بلى. قال:
_________________
(١) «الإلماع» للقاضي عياض هامش ص ٩.
(٢) سورة الحشر آية ٧.
[ ١ / ٥٠ ]
فإنه قد نهى عنه رسول الله ﷺ» (^١).
وبينما عمران بن الحصين يُحدّث بسنة النبي ﷺ قال له رجل: ما هذه الأحاديث التي تحدثوناها وتركتم القرآن، قال: أرأيت لو أبيت أنت وأصحابك إلا القرآن، من أين كنت تعلم أن صلاة الظهر عدتها كذا وكذا، وصلاة العصر عدتها كذا، وحين وقتهما كذا، وصلاة المغرب كذا، وذكر له الوقوف بعرفة ورمي الجمار، وكيفية قطع يد السارق، ثم قال له: اتبعوا حديثنا ما حدثناكم وإلا والله ضللتم (^٢).
وفي رواية: أن عمران قال للرجل: إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله الظهر أربعًا لا تجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسرا؟ إن كتاب الله أَبْهَمَ هذا، وإن السنة تفسر ذلك (^٣) وقد قرر ذلك وزاد تفصيلا الأئمة المجتهدون، كالإمام الشافعي (^٤)، وابن حزم الظاهري (^٥) وبعد أن ذكر ابن عبد البر بعض الأمثلة لبيان السنة للقرآن قال «والآثار في بيانه ﷺ لمجملات التنزيل قولا وعملا، أكثر من أن تُحصى» (^٦)، وعلى ضوء هذا قال الإمامان الأوزاعي ومكحول: «الكتاب أحوج إلى السنة
_________________
(١) «جامع بيان العلم» جـ ٢ ص ٢٣٠، ٢٣١.
(٢) «الكفاية» للخطيب ص ٤٨، ٤٩، والحاكم في «المستدرك» بنحوه وصححه وأقره الذهبي كتاب العلم جـ ١ ص ١٠٩، ١١٠.
(٣) «جامع بيان العلم» جـ ٢ ص ٢٣٤.
(٤) «الرسالة» ص ٣٩ - ٤٣.
(٥) «الإحكام في أصول الأحكام» جـ ٢ ص ٧٩، ٨٠.
(٦) «جامع بيان العلم» جـ ٢ ص ٢٣٥.
[ ١ / ٥١ ]
من السنة إلى الكتاب».
قال ابن عبد البر: «المراد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه» (^١) وبناء على هذا كانت حاجة الأمة إلى السنة بجانب الكتاب لفهم مقاصده، وتخصيص عامه، وتقييد مطلقه وتعيين أحد الاحتمالات مما احتمل أكثر من معنى، ونحو ذلك حتى قال عبد الرحمن بن مهدي: «الرجل إلى الحديث أحوج منه إلى الأكل والشرب» (^٢) ولا عجب فلا دنيا لمن لم يحي دينه.
وإذن: فليس في الاتجاه لجمعها وتدوينها والعناية ببحثها وتمحيصها والتخصص في دراستها، والتأليف في مختلف فروعها، إعراض عن المبين بها وهو القرآن، بل إن ذلك في الحقيقة حرص على تحصيل أصح معانيه ودلالاته، ممن أنزل على قلبه ﷺ ومن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل وأخذوا بيانه من الرسول ﷺ، وكذا تابعوهم الذين لم يفصل بينهم وبين الرسول ﷺ إلا واسطة واحدة، ولذلك قال رجل للتابعي الجليل مطرف بن عبد الله بن الشخير: «لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا (^٣)».
وبمقتضى تلازم السنة والقرآن تلازم البيان والمبين، كانت السنة متساوية مع القرآن من جهة، وتالية من جهة أخرى، فهي متساوية معه في وجوب الرجوع إليها في التشريع، ومعرفة المراد بما في التنزيل؛ لاحتمال وجود مخصص أو مقيد لعموم القرآن، وهي تالية للكتاب من جهة كونها مبينة له.
_________________
(١) «جامع بيان العلم» جـ ٢ ص ٢٣٤.
(٢) «الكفاية» ص ٤٩.
(٣) «جامع بيان العلم» جـ ٢ ص ٢٣٤.
[ ١ / ٥٢ ]
والبيان متأخر عن المبين، كما أن ما اشتملت عليه من الأحكام التفصيلية الزائدة على ما نص عليه القرآن لا يعتد بها إلا بعد الرجوع للكتاب، ومعرفة عدم وجودها فيه، ثم إن القرآن كله منقول بالتواتر القطعي أما السنة فمعظمها ثابت برواية الآحاد.