ومع أن السنة تالية للقرآن بهذين الاعتبارين، إلا أن ذلك لا يغض من قيمتها، أو ينأى بها بعيدا عن مصدر القرآن، فقد قال تعالى في وصف الرسول ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^١).
قال الإمام ابن حزم: «فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله ﷿ إلى رسوله ﷺ إلى قسمين:
أحدهما: وهو متلو مؤلف تأليفا معجز النظام وهو القرآن.
والثاني: وحي مروي منقول، غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ وهو المبين عن الله ﷿ مراده منا» (^٢).
وقد أشار الرسول ﷺ لذلك فقال: «ألا إني أُوتيت الكتاب، أو القرآن، ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة من
_________________
(١) آيتي ٣، ٤ من سورة النجم.
(٢) «الإحكام» ج ١ ص ٩٦.
[ ١ / ٥٣ ]
مال معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها».
وفي رواية أنه قال: «يوشك رجل متكئ على أريكته يُحدث بالحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا حلالا أحللناه، وما وجدنا حرامًا حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثلما حرم الله ﷿» (^١).
وفي رواية: «فمن بلغه عني حديث فكذب به أو كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (^٢).
فإذا كانت سنة الرسول ﷺ كالقرآن في وجوب الاتباع، ومردها إلى الوحي غير المتلو، وكذلك سنة الصحابة والتابعين كانت من سنة الرسول ﷺ باعتبار أخذهم عنه واقتدائهم به، ثم اتصل السند بالجميع، منهم إلى أجيال الأمة حتى الآن، وإلى الأبد، فإن مباينة الجميع لمشناة اليهود التي هي من كلام الأحبار المتأخرين وشروحهم، تبدو في غاية الوضوح، بل إنها تباين التوراة نفسها، يقول الإمام ابن حزم في هذا الصدد ما خلاصته: «ما نقله الثقة عن الثقة كذلك، فضلا عن الكافة، حتى يبلغ إلى النبي ﷺ أو الصاحب، أو التابع، أو إلى إمام أخذ عن التابع، يعرفه من كان من أهل المعرفة بهذا الشأن، وهذا نقل خَصَّ الله تعالى به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم خصبًا جديدًا على قديم الدهور، يجولون في طلبه إلى الآفاق ويواظبون على تقييده ونقده، وقد حفظه الله عليهم، أما المرسل فمنه كثير من نقل اليهود، بل هو أعلا ما عندهم إلا أنهم لا يقربون فيه من موسى
_________________
(١) «الكفاية» للخطيب ص ٣٩ والبيهقي في «السنن» بنحوه جـ ٩ ص ٢٠٤.
(٢) الخطيب في «الكفاية» ص ٤٢ والحاكم بنحوه من عدة طرق صحح بعضها وأقره الذهبي جـ ١ ص ١٠٨ كتاب العلم وقوله: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» متواتر على الراجح.
[ ١ / ٥٤ ]
كقربنا من محمد ﷺ بل يقفون ولابد حيث بينهم وبين موسى ﵇ أزيد من ثلاثين عصرًا في أزيد من (١٥٠٠) عام.
وإنما يبلغون إلى هلال وشماني وشمعون، وأمثالهم، وذلك فيما عدا مسألة واحدة في النكاح تتصل لهم مشافهة عن نبي من أنبيائهم المتأخرين، وأما النقل الموقوف، فهو صفة نقل جميع اليهود لشرائعهم التي هم عليها الآن مما ليس في التوراة، وهو صفة جميع نقل النصارى، حاشا تحريم الطلاق، إلا أن اليهود لا يمكنهم أن يبلغوا ذلك إلى صاحب نبي أصلا ولا إلى تابع له، هذا أمر لا يقدر أحد منهم على إنكاره إلا كذبًا (^١).
وقد وافق ابن حزم على هذا مؤلفو دائرة المعارف البريطانية من المستشرقين بعد تحقيقهم وفحصهم (^٢).
وإذا كان الأمر كذلك فلا يسوغ تشبيه السنة في الإسلام بالمثناة عند اليهود، لا من ناحية ثبوتها، ولا من ناحية العمل بها، وليس بإمكان المسلمين الفصل بين الكتاب والسنة، أو إحلال أحدهما محل الآخر، بل هما متلازمان تلازم البيان والمبين، والسنة صنو الكتاب في وجوب الأخذ بها، وفي رجوعها للوحي ابتداء أو انتهاء، وهي الأصل الثاني للإسلام بعد القرآن الكريم، فانتفى زعم مشابهتها لمشناة اليهود.