أما المجتمع الذي عاش فيه العراقي بين ربوع الوطن العربي، فكان طبقيا، يضم جنسيات متعددة، وخاصة الأتراك، والأكراد الذين منهم الحافظ العراقي، وعلى رأس الجميع طبقة الحكام، المكونة من السلطان وأمراء
_________________
(١) «بهجة الناظرين» للغزي ص ٦٣ ترجمة محمد بن موسى الدميري المتوفى سنة ٨٠٨ هـ.
(٢) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ٣١، ٣٢.
(٣) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ٣١، ٣٢.
(٤) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده على العبر» وفيات سنة ٧٦٧ هـ مخطوط مصور.
(٥) «بهجة الناظرين» للغزي ص ٤، ٥ (مخطوط) و«مجموعة ابن طولون الحنفي» ورقة ١٨٢ أ - ١٨٣ أ (مخطوط بدار الكتب المصرية برقم ٣٥١ مجاميع تيمور) ٦.
[ ١ / ١٠٠ ]
المماليك وطوائفهم التي يتكون منها الجيش، وهؤلاء كانوا أغرابًا عن الشعب العربي، واختلاطهم بالناس محدود، ونظرتهم متعالية، وفي نفس الوقت كانت أراضي مصر والشام مقسمة بينهم إلى إقطاعات، كما كانوا يحتكرون المعادن، ومعظم التجارة الداخلية والخارجية، وإلى جانب ذلك يجمعون الزكاة والخراج وعددًا من الضرائب، ومن سنحت لهم فرصة للثراء كالتجار الذين يلون الحكام من الناحية المالية، فإنهم كانوا عرضة لاقتراض الدولة منهم، مع الإخلال بالسداد، بل وللمصادرة، خاصة عند الأزمات وإعداد الجيوش (^١).
ومع هذا، لم تجدهم يظهرون للشعب الذي هو مصدر كل إمكانيات انتصاراتهم الخالدة على أعداء الإسلام، إلا ظلالا باهتة، لا تتناسب مع عطائه وأعبائه، بل أظهروا دائما أنهم حكام البلاد ومالكوها وصناع مجدها مع أنهم دخلوا البلاد كسلعة مشتراة بأموالها، وتمتعوا من خيراتها بما يفوق الوصف (^٢)، وما يصل إلى الشعب من أجور أو خدمات صحية وعلمية وإنسانية، يُقدم في صورة تفضّل وإحسان من السادة أولياء النعم (^٣)، ولابد أن ينالوا عليه الشكر والثناء.
أما العلماء الذين كان العراقي واحدًا من أبرزهم، فكان يطلق عليهم المعممون، أو أهل العمامة وأرباب الأقلام (^٤)، ومنهم من تمتَّع بنفوذ في الدولة، كالقضاة السابق الإشارة إليهم، وموظفي الدواوين، والحسبة، وهؤلاء
_________________
(١) «إغاثة الأمة» للمقريزي ص ٣١.
(٢) «النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي جـ ٧/ ١٩٨، و«إغاثة الأمة» للمقريزي ص ٤٦.
(٣) (النجوم الزاهرة) جـ ٧/ ١٨٠.
(٤) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» للدكتور سعيد عاشور ص ٣١.
[ ١ / ١٠١ ]
وغيرهم من فقهاء ومحدثين ووعاظ، كانوا محل الإحترام من الحكام والمحكومين على السواء ومَرَدُّ ذلك إلى أن مبادئ الإسلام كانت هي السائدة، والعلماء هم حملتها، ومُعلموها، والقدوة في التمسك بها، وهم أهل الوعي ومصدره، ولذا اهتم الحكام عمومًا بهم لضمان ولاء العامة لهم.
ويُصوّر المقريزي ذلك بقوله: «كانوا يرون أن بهم عرفوا دين الإسلام وفي بركتهم يعيشون، وحسب أعظمهم قدرًا أن يُقبل يد الفقيه والقاضي» (^١)، ومع هذا كانت تلك المكانة تُحرّك أحيانًا حقد بعض الحكام فيسيئون إليهم (^٢)، كما كان من العلماء من لا يتخلق بأخلاقهم، فيسقطه الحكام والمحكومون من نظرهم، ولكن هؤلاء وأولئك كانوا قلة لا تمثل طابعًا عامًا، ومن العلماء من كانت تتوفر له موارد عديدة للرزق، فيكون غنيًا مُترفًا (^٣)، ومنهم من كان ضيق العيش، صابرًا، مع العفة وعزة النفس، ومن هؤلاء الحافظ العراقي كما سيأتي.
ويتصل بطبقة العلماء جماعات الصوفية! ويُطلق عليهم أيضًا الفقراء، وأكملهم: الجامع بين العلم والعمل، وقد كان الصوفية أكثر تغلغلا في المجتمع من العلماء، لانتشارهم في نجوعه وقراه، إلى جانب المدن والعواصم (^٤) بخلاف العلماء الذين كانوا متمركزين في العواصم والمدن، وقد كانت
_________________
(١) «السلوك» للمقريزي جـ ٣/ ٣٨٣ مخطوط بدار الكتب المصرية.
(٢) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ٢٨، ٣٢، ٣٣ و«العصر المماليكي» في «مصر والشام» ص ٣١٢ كلاهما للدكتور سعيد عاشور.
(٣) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ٣٣، ٣٤.
(٤) «تحفة الأحباب» لمحمود السخاوي ترجمة الشيخ نجم الدين أبو الغنايم ورقة ١٢ أ:
[ ١ / ١٠٢ ]
الأخطار المتربصة بالعالم الإسلامي حينئذ من الشرق والغرب رغم كسر شوكتها، بالإضافة لنزاعات الحكام، والجوائح العامة بالأوبئة والمجاعات، مما جعل الحكام والمحكومين على السواء، يحسون بحاجتهم المستمرة للالتجاء إلى الله تعالى الذي لا يكشف الضر غيره، ولا يؤتي الملك أو ينزعه سواه والالتجاء إلى الله سبحانه هو جوهر التصوف الحق عند أهله، ولهذا مالت نفوس الجميع إليه، والتفوا حول دعاته (^١)، واعتقدوا في كراماتهم الدالة على قوة اتصالهم بالله، بحيث نجد كتب التراجم تُطلق على كثير من الصوفية وصف «المُعْتَقد» - اسم مفعول - أي الذي اعتقد الناس كرامته وصلاحه.
ويقال أيضًا في ترجمة بعضهم: كان يعتقده السلطان، أو الأمير فلان، أو كان للناس فيه اعتقاد، كما سيأتي بالنسبة لبعض من تربى عنده والد الحافظ العراقي، وعلى هذا تقرب الحكام عمومًا إلى أرباب التصوف، فمنحوهم الأموال واصطحبوهم في الأسفار (^٢)، وتنافس السلاطين والأمراء والأميرات والموسرون والموسرات، من الشعب في بناء المنشآت الخاصة بالصوفية، والتي عُرفت باسم الخوانق والربط والزوايا، على امتداد الدولة كلها (^٣)، ووقفوا عليها أوقافًا عديدة بحيث توفر لنزلائها كل مطالب الحياة، حتى يتفرغوا للعبادة والتأمل، وقد شاركت المرأة الرجل في سلوك طريق التصوف! ولبس خرقته
_________________
(١) (المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك) للدكتور سعيد عاشور ص ١٦٧، ١٦٨.
(٢) (تحفة الأحباب والمحمود السخاوي ورقة ١١ أ إلى ١٣ أ وما بعدها (مخطوط).
(٣) (رحلة ابن بطوطة، جـ ١/ ٧١ ووتحفة الأحباب، ورقة ٢٨ أ وا سيرة القاهرة) لستانلي لنيبول ص ٢٦٨، وهـ ذيل ولي الدين ابن العراقي) ترجمة أبو حفص ابن الشحنة وفيات سنة ٧٦٧ هـ.
[ ١ / ١٠٣ ]
فأعدت ربط خاصة بهن (^١)، وقد كان يعين لكل منشأة شيخ أو أكثر من جماعتهم، لرعاية شئونها، وتخصص بها دروس للعلم والوعظ، ولم يسمع الرحالة ابن جبير حين شاهد الصوفية على هذا الوضع إلا أن يقول: «وهذه الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد؛ لأنهم قد كفاهم الله مؤن الحياة وفضولها، وفرغ خواطرهم لعبادته من الفكرة في أسباب المعايش (^٢)».
غير أنه كان لهذه العناية وتوفير سبل العيش السهلة لهم أثر عكسي على التصوف، حيث دفع الكثرة التي كانت تعاني حينئذ شظف العيش إلى الالتجاء لتلك المنشآت للتعيش، وأقاموا رسوم الصوفية الظاهرية، كلبس الخرقة، وأخذ العهد، ونحو ذلك، ولهذا قسم الإمام ابن تيمية معاصر العراقي الصوفية آنذاك إلى ثلاثة أقسام:
أولها: صوفية الحقائق، وهم القائمون بأداء الفرائض الشرعية واجتناب المحارم، والتأدب بآداب أهل الطريق، التي هي آداب الشرع مع عدم تمسكهم بفضول الدنيا، وأكثرهم لا يتقيدون بلوازم الخوانق.
وثانيها: صوفية الأرزاق، وهم الذين وقفت عليهم الوقوف كالخوانق، ولا يشترط فيهم أن يكونوا من أهل الحقائق، فإن هذا عزيز.
وثالثها: صوفية الرسوم وهم المقتصرون على النسبة، فَهَمّهم اللباس والآداب الوضعية، ونحو ذلك، بحيث يظنهم الجاهل منهم وليسوا منهم (^٣).
_________________
(١) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ١٧٣، ١٧٤ و«الضوء اللامع» جـ ١٢/¬١٤ و«صفحات من عصر السيوطي» ص ٢١ لعبد الوهاب حمودة.
(٢) «رحلة ابن جبير» ص ٢٨٤.
(٣) الصوفية والفقراء لابن تيمية ص ٣١، ٣٢.
[ ١ / ١٠٤ ]
ومع هذا يتضح لنا أن الصوفيين الحقيقيين كانوا قلة، بينما كثر الأدعياء وسيطروا على عقول العامة برسومهم الظاهرة، وأحدثوا في سبيل ذلك كثيرًا من البدع في الاعتقادات والأقوال والأفعال التي لا تعتمد على كتاب ولا سنة، وتجافي تصوف الحقائق، كما سماه الإمام ابن تيمية آنفا، فكان هذا مما جعل القائمين به على الحقيقة، والعلماء وعامة الناس في عصر العراقي، تتعدد مواقفهم من الصوفية كما سيأتي تفصيله في موقف العراقي منهم.
ومما ساعد على انتشار التصوف أيضًا في عصر العراقي، أن وحشية الصليبيين في الغرب، والتتار في الشرق، ألجأت الكثيرين من دعاة التصوف وأقطابه كالسيد البدوي، وأبي الحسن الشاذلي إلى الهجرة من مواطنهم، والرحلة إلى مصر التي غدت حصنًا للإسلام، وأقبل أهلها على التصوف وأهله، وآثروهم بخيراتها، مع غاية التقدير، وكانت أسرة العراقي ممن هاجر لمصر من أكراد العراق تحت وطأة التتار، واستقروا بها كما سنوضحه.
وبسبب تلك الهجرات امتزج المجتمع المصري والشامي والحجازي بكثير من الجنسيات الإسلامية من الشرق والغرب وعاشوا جميعا أخوة في السراء والضراء، لا تفرقهم الخلافات العارضة، أو النزاعات الداخلية، كما عاش المسلمون والمسيحيون واليهود، في تسامح وتآخ سجله المنصفون من الأوروبيين أنفسهم (^١)، وما سجله التاريخ خلاف ذلك يُعد حوادث فردية لا تمثل ظاهرة عامة، كما تعد أقل ما يتصور حدوثه في جو كانت مساعي العدو
_________________
(١) «الإسلام والحضارة العربية» المحمود كرد علي ص ٢٩٣ و«المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ٤٠ - ٤٨.
[ ١ / ١٠٥ ]
الخارجي لا تهدأ، في إذكاء روح التعصب الديني، وافتعاله بين أهل الأديان الثلاثة، لتحقيق أحلامهم الشخصية في حكم الشرق عموما وامتلاك خيراته التي ما زال يُحسد عليها حتى الآن (^١).
أما أدنى طبقات المجتمع في عصر العراقي فهم أرباب الحرف والصناعات، وأُطلق عليهم (العامة) لكونهم غالبية الشعب، وقد قامت على أكتافهم الزراعة والصناعة الحربية والمدنية، وتشييد ما نراه حتى اليوم من قلاع ومساجد ومدارس وخوانق وربط وزوايا وقصور وغير ذلك.
ومع هذا كانوا يعانون من الظلم والجهل والمرض والاحتقار، وضيق العيش، فقد كانت الأرض ورؤوس الأموال ووسائل الإنتاج ملكا للحكام والوجهاء، كما قدمنا والعامة مسخرون فيها، وما يحصلون عليه لا يفي بضروريات الحياة، بالإضافة لإثقالهم بالالتزامات المالية والعينية، واجهادهم في أعمال الشخرة حتى الموت (^٢).
وفي هذا الوضع السي كانت تعصف بهم من وقت لآخر، ومن قطر لقطر، المجاعات والغلاء، عندما ينخفض النيل، أو تقل الأمطار في البلاد الصحراوية، أو ينتشر الجراد، حتى تؤكل الميتة، وتباع الأولاد رقيقا، ويتعرضون لما كان ينتاب البلاد من الأوبئة، كالطواعين وغيرها (^٣)، ولم يكن ما يقوم به الحكام والقادرون من إغاثة في مثل تلك المحن (^٤)، وما يتصدقون به عليهم في
_________________
(١) نفس المرجع نفس الصفحة.
(٢) (الناصر محمد بن قلاوون) للدكتور محمد عبد العزيز ص ٣٢٠، ٣٢١.
(٣) المرجع السابق حوادث ٧٨٣ هـ الطاعون بمصر والشام.
(٤) نفس المرجع حوادث سنة ٧٦٦ هـ غلاء مكة وحوادث ٧٧٦ هـ غلاء مصر.
[ ١ / ١٠٦ ]
المناسبات والمواسم، إلا أعمالًا وقتية، سرعان ما ينتهي أثرها. وقد كان للعراقي موقفه عند تلك الشدائد وتأثره بها كما سنوضحه.
وأخيرًا نقول: إن هذا المجتمع بجميع طوائفه، مع انغماسه في التدين عقيدة وقضاء وسلوكًا كما أشرنا، قد شهد ألوانًا من الأمراض الاجتماعية، والانحرافات الأخلاقية والبدع المخالفة للكتاب والسنة.
فإلى جانب ظلم الحكام وحواشيهم، انغمس كثير منهم في ملذات الشراب والغناء والنساء (^١)، وتبعهم في هذا عدد من عامة الشعب وخاصته، حتى كانت بغايا النساء يُرخَّص لهن من الدولة لقاء ضرائب معينة، إلى أن منع ذلك الظاهر بيبرس (^٢)، وكانت الخمر تُصنع والحشيش يُزرع، ويتعاطهما الناس جهارًا، وعرفت شوارع العواصم وميادينها الملاهي والمراقص، وانتشرت الرشوة، حتى صارت طريقًا لولاية المناصب الدينية والدنيوية، كما أسهم كثير من أدعياء التصوف والعلم، في نشر كثير من الخرافات والعادات والتقاليد المنافية للإسلام (^٣).
لكن الله تعالى يُهيّئ في كل عصر من يُجدّد للأمة الإسلامية أمر دينها، حُكَمًا وعِلْمًا، وقد هيّئ في عصر العراقي من قام بهذا الواجب في القضاء على تلك المفاسد وإعادة الأمور إلى نصابها، كالحاج آل ملك، نائب السلطنة في سنة ٧٤٤ هـ الذي شدَّد في منع بيع الخمر وتعاطيه، وغير ذلك من
_________________
(١) (النجوم الزاهرة) جـ ٢/¬٥، ٥، ٦، ٧.
(٢) «حسن المحاضرة للسيوطي» جـ ٢/ ٢٠٩.
(٣) (إغاثة الأمة) للمقريزي ص ٤٥ و(سيرة القاهرة) لستانلي لينبول ص ١٠٢، ١٠٤ و«المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ٢٢٧ وما بعدها.
[ ١ / ١٠٧ ]
المحرمات، وعاقب جماعة كثيرة، ودأب على ذلك، فعف الناس في أيام نيابته عن كثير من المعاصي حتى أعيان الأمراء (^١).
وقد أشاد العراقي بهمته هذه في (تكملته لشرح الترمذي)، كما سيأتي، وقام رئيس القضاة ورفيق العراقي سراج الدين البلقيني المتقدم ذكره، بإبطال كثير من المظالم والمكوس التي كانت مفروضة على العامة في عصره وأبطل الملاهي (^٢). وعقد مجالس الوعظ للترغيب والترهيب، بجانب نشاطه في القضاء والفتوى كما أشرنا حتى عُدَّ مُجدّد المائة الثامنة، كما قام العراقي أيضًا بدوره الآتي تفصيله، فاعتبر مجدد عصره (^٣).
وبمثل تلك الجهود المتضافرة من ذوي الهمة العالية من حكام وعلماء، في محاربة المفاسد والبدع، ظل المجتمع، بصفة عامة، محتفظا بمسحته الدينية، ومتمسكا بقواعد الإسلام الصحيحة، ونابذا للبدع، والجهالات في عقيدته وسلوكه.