ولد الحافظ العراقي في بيت علم وديانة، (^١١) فإن والده كان
_________________
(١) إلى هنا ذكر العراقي نفسُه نسبَه في ترجمته لابنه أحمد في طرح التثريب (١/ ١٦)، وهكذا ساق أحمد نسبه في توقيعه في طرح التثريب، كما نقل محقق طرح التثريب في مقدمة تحقيقه (ص ٩) من الأصل الخطي.
(٢) بضم الكاف وسكون الراء، نسبة إلى الأكراد طائفة معروفة يسكنون شمال العراق. (اللباب في تهذيب الأنساب ٣/ ٩٢).
(٣) هذه النسبة إلى منشأة المهراني مسقط رأسه، كما سيأتي.
(٤) انظر: طبقات القراء (١/ ٣٨٢)، وإنباء الغمر (٢/ ٢٧٥)، وطبقات ابن قاضي شهبة (٤/ ٢٩)، ولحظ الألحاظ (ص ٢٢٠).
(٥) وليست إلى العراق بالمعنى الأخص وهو أرض بابل. (انظر معجم البلدان ٤/ ٩٣ - ٩٥).
(٦) بالكسر ثم السكون، وباء موحدة مكسورة، مدينة كبيرة تقع على ثمانين كيلا جنوب شرق الموصل بالعراق. (انظر معجم البلدان (١/ ١٣٨، والحافظ العراقي وأثره في السنة ١/ ١٣٩).
(٧) حكاه عنه السخاوي في الضوء اللامع (٤/ ١٧١).
(٨) هذه المنشأة نسبت للأمير سيف الدين بلبان المهراني؛ لأنه أول من ابتنى بها دارا، وسكنها، ثم تتابع الناس، حتى انحسر الماء عن الجهة الشرقية فخربت. (انظر: الخطط للمقريزي ١/ ٣٤٦).
(٩) مصر تطلق على المدينة المجاورة للقاهرة، وتطلق على القطر الأعم، فتدخل القاهرة حينئذ في إطلاقها، وفي قول مترجمي العراقي: "بين مصر والقاهرة". الإطلاق الأول. (انظر معجم البلدان ٥/ ١٣٧ - ١٤٣، والحافظ العراقي، وأثره في السنة ١/ ١٤٤ - ١٤٥).
(١٠) انظر: المجمع المؤسس (٢/ ١٧٦)، ولحظ الألحاظ (ص ٢٢١)، والدليل الشافي (١/ ٤٠٩)، والضوء اللامع (٤/ ١٧١).
(١١) انظر عن أسرته العجالة السنية على ألفية السيرة النبوية (ص ٤)، والضوء اللامع (٤/ ١٧١).
[ 10/ 1 / ١٠٣ ]
رجلا صالحا متعبدا فاضلا، نشأ على الاشتغال بالعلم، ولازم الشيخ الشريف تقي الدين محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الرحيم القنائي الشافعي (^١) حيث كان يعمل بخدمته، (^٢) وحضر عند غيره من العلماء، وكتب بخطه كثيرا من التفسير والفقه والرقائق. (^٣)
ووالدته أيضا كانت صالحة عابدة صابرة قانعة مجتهدة في أنواع القربات إلى الله. (^٤)
واعتنى أبوه بتربيته، قال السخاوي (ت ٩٠٢ هـ): "وتكرر إحضار أبيه به إلى التقي، فكان يلاطفه، ويكرمه وكذا أسمعه في سنة سبع وثلاثين من الأمير سنجر الجاولي، والقاضي تقي الدين الأخنائي المالكي، وغيرهما". (^٥)
فنشأ العراقي في مثل هذه البيئة الصالحة، وقد من الله عليه بالذكاء المفرط، وسرعة الحافظة، فحفظ القرآن وهو ابن ثماني سنوات، وحفظ التنبيه (^٦)، وأكثر الحاوي الصغير للقزويني (^٧)، وكذا حفظ الإلمام لابن دقيق العيد، وربما حفظ منه في اليوم الواحد أربع مائة سطر إلى غير ذلك من المحافيظ. (^٨)
ودرس العربية والفقه وأصوله، وغيره من العلوم، ولكن كان انهماكه في علم القراءات، وكان يجتهد فيه كثيرا، حتى نصحه القاضي عز الدين ابن جماعة (ت ٧٦٧ هـ)، فقال له: "إنه علم كثير التعب، قليل الجدوى، وأنت متوقد الذهن،
_________________
(١) حدث بالقاهرة، ودرس بالمسرورية، وولي مشيخة خانقاه رسلان، وتوفي سنة ٧٢٨ هـ. (انظر الدرر الكامنة ٣/ ٤١٥).
(٢) انظر لحظ الألحاظ (ص ٢٢٠)، والضوء اللامع (٤/ ١٧١).
(٣) انظر ذيل الولي العراقي على العبر (وفيات سنة ٧٦٣ هـ) (١/ ٨٦ - ٨٧).
(٤) وصفها بذلك السخاوي في الضوء اللامع (٤/ ١٧١).
(٥) الضوء اللامع (٤/ ١٧١). وسيأتي ذكر الجاولي والأخنائي في مبحث الشيوخ.
(٦) التنبيه في فقه الشافعية لأبي إسحاق الشيرازي، مطبوع.
(٧) الحاوي الصغير في الفروع للشيخ نجم الدين عبد الغفار بن عبد الكريم القزويني (ت ٦٦٥ هـ). (انظر كشف الظنون ١/ ٦٢٥ - ٦٢٧).
(٨) انظر: المجمع المؤسس (٢/ ١٧٧)، ولحظ الألحاظ (ص ٢٢٧)، والضوء اللامع (٤/ ١٧١ - ١٧٢).
[ 10/ 1 / ١٠٤ ]
فاصرف همتك إلى الحديث" وذلك سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة، (^١) فحبب الله له ذلك، فأكب عليه من سنة اثنتين وخمسين، حتى نال إعجاب أئمة عصره. (^٢)
وسافر في طلب الحديث إلى مكة، والمدينة، والشام، وحلب، وحمص، ودمشق، وغزة، وبيت المقدس، والإسكندرية إلى تمام ستة وثلاثين بلدا أفردها بالتخريج باسم الأربعين البلدانية. (^٣)
قال ابن فهد المكي (ت ٨٧١ هـ): "لا تخلو له سنة من الرحلة إما في الحج، أو طلب الحديث". (^٤)
تنبيه: قال تقي الدين ابن فهد المكي: "إن والده توفي، وهو في الثالثة من عمره". اه. (^٥)
وهو خطأ، فقد ذكر أبو زرعة ابن العراقي (ت ٨٢٦ هـ) أن والد أبي الفضل العراقي توفي سنة سبع مائة، وثلاث وستين، (^٦) إذًا العراقي حين وفاة والده كان رجلا في نحو الثامنة والثلاثين من عمره، ولعل ابن فهد اشتبه عليه وفاة تقي الدين محمد بن جعفر القنائي بوفاة والد العراقي، فإن القنائي توفي سنة ٧٢٨ هـ، والزين العراقي في الثالثة من عمره. (^٧)