تعد الأبحاث البينية مرحلة من مراحل تطور التأليف في الحديث، تلت مراحل طويلة في التنوع في التأليف بين جمع وشرح وبيان غريب …، حيث هيمنت الدراسة التخصصية على فروع عديدة، وبرز أعلام في مختلف الحواضر قد جمعوا بين المعرفة بعلوم الحديث والعلوم الأخرى كالفلسفة والمنطق والعلوم اللغوية والأدبية والدينية والفلك والرياضيات والطب وعلوم الطبيعة وغيرها، وأنتجوا كتبًا وموسوعات علمية جيدة، وكانت شهرتهم في هذا المجال أو ذاك، وهذه الكتب يمكن النظر إليها من وجهين:
(١) كتب مستقلة حيث طغت في هذه المؤلفات العلوم الأخرى على دراسة الحديث، ويستدل فيها إلى الدليل من القرآن والسنة. والأمثلة على ذلك كثيرة ككتب الرازي والخوارزمي وابن سينا وابن الهيثم والبيروني وابن طفيل وابن رشد. ويضاف إليها كتب كثير من المحدثين كابن القيم وكتبه في الطب النبوي وغيرها. وابن تيمية عند نهجه للفلسفة في مناقشته غير المسلمين، وإثبات قواعد الدين الإسلامي وغيرها. وابن الأثير والخليل ابن أحمد في اللغويات … وغير ذلك.
(٢) كتب في أصلها مهتمة بالسنة وذكرت في ثنياها العلوم الأخرى لبيان الحديث وتوضيح معناه وبيان الفقه فيه؛ كشروح الحديث وكتب غريب الحديث، فقد حوت على علم غزير يعد بحق القاعدة التي تقوم عليها الأبحاث البينية.
[ ١٠٨ ]
وفي العصر الحاضر برزت العديد من الأبحاث في هذه العلوم التي قام بدراستها إما متخصص بالسنة أو متخصص في العلوم الأخرى حيث تفتقد كثير منها المنهجية الصحيحة المتعلقة بالحديث أو البحث. كما برزت حديثًا الدعوة للأبحاث البينية تجنّبًا للخطأ في فهم الحديث النبوي وتحميل النص النبوي ما لا يحتمله. كما أن الدراسات العلمية أصبحت في العصر الحاضر تُبحث بطريقة علمية وتَتْبع منهجًا علميًّا دقيقًا في العلم الذي يتبع له البحث، ولا يقبل إلا بهذه الطريقة؛ كالتجربة والتحليل والإحصاء … وغيرها مما يثبت الحقيقة.
ويمكن تقسيم الأبحاث البينية إلى منهجين:
المنهج الأول: أن يكون دور تخصص الحديث رئيسيًّا في البحث، ويشكل عمله في البحث دورًا رئيسيًّا، أما عمل المشارك له في البحث من التخصص الآخر فيكون ثانويًّا.
المنهج الثاني: أن يكور دور تخصص الحديث ثانويًّا، ويغلب على موضوع البحث التخصص الآخر، فعمله تقديم الحديث بكل أبعاده، ويكون مشرفًا على تطبيق الحديث وإثبات ما فيه من حقائق ليشتركا في إثباتها.
وفي كلا المنهجين عمل دور تخصص الحديث ما يلي: