للحديث الموضوعي أهمية بالغة في تصحيح مسار الدراسات الدينية والعربية والعلمية القائمة على الحديث، وإصلاح مسارها وضبطها على معايير علمية جامعة.
[ ٣٤ ]
لذا عمدت الجامعات إلى وضع الحديث الموضوعي ضمن مناهجها في مرحلة البكالوريوس والدراسات العليا، وتسابقت الجامعات في وضع منهجية لدراسة الحديث الموضوعي، بل شجعت الباحثين على الخوض في مضمار هذه الأبحاث التأصيلية والتطبيقية، ويمكن توضيح أهمية الحديث الموضوعي في الدراسات الأكاديمية بما يلي:
• ظهرت في العصر الحديث علوم تحتاج إلى تأصيل؛ وإلى ضبط مسارها؛ مثل الإعجاز العلمي في السنة، فقد كثر الكاتبون حوله إلا أنه بحاجة ماسة إلى ضبط قواعده وتصحيح مسار البحث فيه؛ بغرض الاعتدال في توجيه البحث فيه، بعد أن تعرّض لنوع إفراط عند إدخال أحاديث ذات العلاقة إلى مجالات العلوم التجريبية، التي لم تقعّد نظرياتها بعد، فكان هناك أخطاء وتجاوز على السنة من قبل بعض الباحثين غير المتخصصين في السنة، وكان لا بد من ضبط تلك الأبحاث، وهذا يتم عبر الدراسة الموضوعية للأحاديث.
• هناك علوم ودراسات قائمة منذ القدم، لكن المسار الذي تنتهجه هذه العلوم يحتاج إلى تصحيح وتعديل، وإعادة تقويم؛ كعلم التاريخ الذي أخذ منهجًا في سرد الوقائع والأحداث من غير تعرض لسنن الله في الكون والمجتمع، وهذه السنن أبرزتها الأحاديث بشكل واضح دقيق. وكذلك الأحاديث الواردة في أشراط الساعة وما تحقق منها. وفي هذه الأزمان الحاجة ماسة لهذه الأبحاث مع قراءة التاريخ خصوصًا إذا كُتب التاريخ من أقلام غير مسلمة.
وكذلك علوم اللغة العربية من البلاغة، والغريب، وقواعد النحو، التي تعتمد في تأصيل قواعدها في كثير من الأحيان على الحديث والبلاغة النبوية.
• العلوم والمعارف التي بينت السنة المسار الصحيح فيها، فالسنة من خلال الحديث الموضوعي تؤهل هذه العلوم وتوضح مسارها لتسير مع السنة في
[ ٣٥ ]
اتجاه واحد، وتخدمها؛ فعلم أصول التربية في السنة، وأصول علم الاقتصاد الإسلامي، وأصول الإعلام وغيرها؛ فالسنة تؤهل هذه العلوم وتوضح مسارها لتسير مع الهدي النبوي في اتجاه واحد، وتخدم البشرية كافة أفرادًا ومجتمعات. كل هذه العلوم وغيرها، وما سوف
يستحدث منها بحاجة إلى الكتابة فيها من خلال قراءة السنة قراءة علمية صحيحة وقراءة العصر، وليس لغير المنهج المتبع في الحديث الموضوعي القدرة على تلك القراءة؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تأصيل هذه العلوم.
• ضبط القواعد العلمية من خلال النظرة الكلية الجامعة، وهذا يُؤدي إلى تصحيح كثير من القواعد، والقوانين، والأحكام المختلفة في الدراسات الدينية واللغوية جميعًا، التي قال بها أصحاب الفنون العلمية المختلفة؛ ذلك أننا حين ننظر إلى كثير منها نجد أنها قائمة على غير استقراء كلي، أو إحصاء واستيعاب شامل، ولو رجع واضعوها إلى الحديث الموضوعي لصححوها بأنفسهم، ولحُسمت مادة الخلاف بين العلماء في كثير من القضايا.
كما أن لهذه الأبحاث فوائد عديدة للباحثين؛ منها:
• من هذه الدراسات أبحاث قصيرة مركزة تصلح لأن يستخدمها أساتذة الجامعات في مجال بحوث الترقيات والنشر في المجلات المحكمة، وهي مثالية لأوراق العمل في المؤتمرات والندوات والمحاضرات العلمية، ولا يغيب عن الذهن أن بعض هذه الدراسات قد تأخذ حيّزًا أكبر لعدة مئات من الصفحات، فيمكن حينئذ نشرها في مؤلفات مستقلة، وكتب خاصة بأصحابها.
• كما تتميز هذه البحوث في الغالب بالرسم الدقيق لشجرة الإسناد الذي يجمع كافة متابعات الحديث محور الدراسة، بالإضافة إلى شواهده للوقوف على ألفاظ الحديث.
[ ٣٦ ]
• البحث الموضوعي مثالي في الأبحاث المشتركة والأبحاث البينية بين تخصص الحديث والفقه من جهة؛ وغيره من التخصصات المختلفة كالطب والفلك والتربية ونحوها من جهة أخرى. وهذا النوع من الأبحاث مطلوب في الدراسات الأكاديمية.