وهي مرحلة مهمة جدًا، بل هي في الحقيقة القلب النابض للبحث، وهي في الغالب لا تكتب في البحث إلا كملاحق كما أشرت آنفًا، ويستعين بها الباحث في كتابة بحثه، وهي:
• الدراسة التحليلية للأحاديث التي جمعها الباحث، والبحث في أسانيدها ورجالها من جهة، وفي متونها وألفاظها من جهة ثانية، من حيث الثُّبوتُ والدّلالةُ، ويمحّص الباحث النظر في الأحكام النقدية التي أطلقها رجال الجرح
[ ٤٨ ]
والتعديل والعلل على الأحاديث، ولا بأس أن يطيل الباحث هنا النَّفَس في قضايا الصحة والضعف والمتابعات، والرفع والوقف، وزيادات الثقات والشذوذ والإدراج، وإزالة الإشكال والتعارض الظاهري في دلالاتها، كل هذا ضمن حدود ما يخدم غاية بحثه، وهو متون ودلالات الأحاديث، بمعنى أن يلجأ الباحث إلى أدوات المحدثين وما تقتضيه أصول الصناعة الحديثية، بحيث يرجِّح من الأسانيد والألفاظ والدلالات بحسب تلك الأدوات، فيكون واضحًا أمامه "القدر المشترك والمتفق" من الروايات والألفاظ التي رجّحها الباحث، بعد أن دفع التعارض والإشكال، وربط الأحكام بعللها، فتكون النتيجةُ حفظَ الوحدة الموضوعية للحديث النبوي.
• بناءُ النظرية الشاملة التي ينتظم عقدها جميع المعاني السالفة، واستنتاجُ الموقف النبوي العام الذي تقع تحته جميعُ التَّفاصيل، وفهم الرابط الذي يجمع المفردات التي استقرأها الباحث واعتمد عليها في المرحلة الثانية والثالثة، فهي المرحلة الختامية، والأهم في العمل الموضوعي، التي سيربِطُ فيها الباحثُ نتائجَ بحثه الحديثي الموضوعي، بمنطلقه الأول من النظريات النبوية والإشكاليَّات التي ابتدأ بحثه منها، وسيعرض نتائجه التي خلص إليها، ويوضِّح الإجابة الموضوعية المستمدة من الهدي النبوي عن تلك الإشكاليّات، ويعقد الموازنات فيما بينها، مستفيدًا من آراء من سبقه من الفقهاء والمحدثين والشُّراح، فتكتمِلُ بذلك عناصرُ البحث، وتصل الرحلة إلى محطتها النهائية.
ولعلَّ هذه المرحلة هي أمتع المراحل؛ لأنها مرحلة جني الثمار وحصاد الجهود، فيها يتنقل الباحث من النظر إلى التطبيق، ومن القواعد إلى النتائج، لذا فإن الحذر الشديد والتأني في إطلاق الأحكام مطلوب في هذه المرحلة، بأكثر مما هو مطلوب في سائر المراحل؛ لأن الخطأ في القواعد والأصول أخطر من الخطأ في
[ ٤٩ ]
التفاصيل والجزئيات، ويجب عليه التعمق في مطالعة أدلتهم ومسالك أقوالهم، والعودة إلى أهل العلم واستشارتهم، وقبلها الاتكال على الله، والنية السليمة في خدمة الحق والدين وأهله، فكم ترك الأول للآخر!
كذلك فإن من محاذير العمل الموضوعي أن ينغمس الباحث في الدرس النبوي، بما قد يفقده السياحة في باقي مصادر التشريع الأصلية والتبعية، ويفقده بوصلة البحث العلمي المتزن، فيؤثر سلبًا في نتائج بحثه، ويحمله على التّسرع في قبول أو ورد أقوال من سلفه، فهذا مما يجب أن يتنبه عليه الباحث في مرحلة اختيار الموضوع، بأن يختار من المواضيع ما يتعلَّق بمواقف النّبي -ﷺ- التشريعية والبيانية، ويتصل بالسنة والسيرة النبوية اتصالًا عميقًا، فتتحقق بذلك الفائدة المرجوّة من البحث الموضوعي في السُّنة النبوية.
أخيرًا لا بأس أن يصوغ الباحث بحثه بأسلوب يجمع بين طرفين، أسلوب يفهمُه المثقفون من غير المختصين من جهة، ويثير التَّفكر والتأمل لدى المختصين من جهة ثانية، وبذلك يحوز الحُسنيات كلها.
ومما يجب التنبيه إليه أن كثيرًا من المعلومات التي توصل لها الباحث في مرحلة الأدوات لا تُكتب في البحث؛ وإنما جمعها الباحث للوصول للفكرة والمعلومة الصحيحة في البحث فهي اليد الخفية للوصول للفكرة المدونة في البحث، لكنها لا تكتب. ويمكن تشبيه هذه المرحلة بالأدوات المستخدمة لإعداد وليمة الطعام من السكين والموقد وباقي الأدوات التي يستخدمها الطاهي في إعداد الوليمة، حيث لا يقدم شيئًا منها مع وليمة الطعام، كما أنه لا يمكن أن يتم إعداد الوليمة إلا بها. وكذلك النجار والخياط فكل منهم لا يُخرج من عمله إلا النتيجة النهائية من عمله.
[ ٥٠ ]