تتفق الأبحاث في أهمية وضرورة جمع المادة العلمية فيما يخص الأحاديث، والقدر المستخدم منها في صلب البحث، أو الهامش، أو الأدوات المعينة على فهم الحديث، وتختلف في طريقة العرض تبعًا للموضوع المراد ربطه بالحديث.
ففي الأبحاث الطبية والعلمية مثلًا: قد تحتاج إلى التجربة على البشر، أو حيوانات التجارب أو غيرها، ولا يكفي فيها المادة النظرية فحسب.
ومثال ذلك: بحث جماعي كلفتُ به الطالبات في مادة الحديث، كان عنوانه: "أثر آية الكرسي في علاج مرض الجاثوم"، وموضوع البحث قائم على الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: «وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرَ الحَدِيثَ- إلى أن قال: فَقَالَ أي الشيطان: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ» (^١).
والبحث قائم على التجربة؛ حيث طلبتُ من كل طالبة أن تطبق قراءة آية الكرسي على خمس حالات أو أكثر تعاني من عارض الجاثوم، من ذويها وأقاربها، ممن يمكنُ مباشرة الحالة معهم، ومتابعتها بالإشراف عليها لمدة شهر، وكتابة تقرير أسبوعي عن كل حالة، ثم كتابة تقرير نهائي بذلك، وعمل ورشة عمل تعرض فيها النتائج، وتقيم.
_________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض، ١٣٧٩ هـ، كتاب الوكالة، ٤/ ٤٨٧.
[ ٥١ ]
فكانت النتائج مبهرة، وذات تأثير على الطالبات، وعلى الحالات،
وكانت أهم نتائج البحث ما يلي:
• انتشار المرض بشكل كبير؛ حيث لم يكن صعبًا على الطالبات إيجاد الحالات. ولوحظ انتشاره في المرحلة العمرية ما بين ١٢ سنة و٢٥ سنة، ويكاد لا يوجد فوق سن الأربعين، إلا في حالات قليلة يعاني منها المرضى من أمراض أخرى كالمرض الروحي، أو الاضطرابات النفسية.
• لوحظ على ٧٠ % من الحالات أنه يختم يومه على رؤية أفلام أو مسلسلات، أو سماع موسيقى، ومعاصٍ أخرى.
• كما لوحظ أن نسبة ٩٠% من الحالات تحسنت كثيرًا حيث انخفض الجاثوم من أربع مرات في الأسبوع وأكثر، إلى أن اختفى، أو بقي مرة واحدة في الأسبوع، بعد المداومة على قراءة آية الكرسي قبل النوم مباشرة.
• وباقي الحالات؛ التي لم تعط النتائج المطلوبة؛ استخدم معها باقي الأذكار مع آية الكرسي، مما ورد في السنة كالمعوذات، وترك العادات السيئة التي كانت سببًا من أسباب المرض؛ كمشاهدة الأفلام والموسيقى ومعاصٍ أخرى.
أما الأبحاث التي تمس الاقتصاد والمعاملات كالربا والبيوع المحرمة: فعلى الباحث الدقة التامة في دراسة المنتج المراد الوقوف على الحكم عليه، من خلال دراسة وافية للأحاديث الواردة حوله ليكوّن قاعدة يحكم من خلالها عليه، ثم التأصيل، وألا يستعجل في إصدار الحكم على المنتج، خصوصًا مع الغموض الذي يكتنف بعض التعاملات الاقتصادية، وبعض المنتجات التجارية، كالبطاقات الائتمانية، والتجارة بالعملة الإلكترونية (البت كوين) وغيرها مثلًا، حتى يعطي حكمًا صحيحًا فيها.
[ ٥٢ ]
وهكذا في باقي الأبحاث التربوية، وغيرها، بل وفيما يتعلق بالأبحاث الشرعية.
كما أنه على الباحث الالتزام بالأحاديث التي هي موضوع الدراسة، وألا يخرج عن إطارها الموضوعي إلى موضوعات أخرى؛ لأن الهدف من الدراسة هو موضوع الحديث فحسب.
ولا بد من ربط موضوع الحديث بالواقع المعاصر للمسلمين بلغة مفهومة سلسة، وألا يتحول بالبحث إلى الشرح التحليلي، أو تغلب عليه اللغة العاطفية المتجردة من الانضباط العلمي.
وأخيرًا عليه ترتيب المادة العلمية، وتنظيمها في تقسيم معين، حسب الخطة المعدة للبحث.