الدراسات حول السنة وتنوعها وكثرة فروعها بين الماضي والحاضر له علاقة قوية بتبليغ السنة، طلبًا للأجر والمثوبة، ذلك أنه وردت أحاديث في فضل تبليغ السنة؛ منها الحديث المتواتر عن النبي -ﷺ-: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (^١).
لقد وعى المسلمون فضل تبليغ السنة وأهميتها في الدين؛ لذا تنوعت الطرق في تبليغ السنة، واتخذت أشكالا مختلفة، فكانت طريقة التبليغ تبعًا للحاجة المُعتمدة على الحديث المروي. والمتتبع للدراسات حول السنة يلمس هذا التنوع من عصر إلى عصر، وكيف خَدمت هذه الدراسات العصر الذي وجدت فيه.
ففي عصر الصحابة والتابعين كان تبليغ الحديث بالوقوف على المتن؛ للحاجة الماسة للفتوى، والدليل عليها من القرآن أو السنة، والوقوف على ما في الحديث من فقه.
ومن نهاية القرن الثاني حتى نهاية القرن الرابع كان جمع الحديث بأسانيدها في المصنفات، وذلك صيانة للحديث، مع ما يتبع ذلك من مجالس الحديث للمذاكرة.
ومن القرن الخامس حتى عصر الحاسوب تنوعت الدراسات حول السنة تنوعًا عجيبًا بين شرح وتخريج ودراسات حول السند والمتن … إلخ، حتى بلغت
_________________
(١) الحديث متواتر، روي عن جماعة من الصحابة ﵃، انظر في ذلك إلى نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني (٣٣ ح ٣)، وقطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتناثرة للسيوطي (٢٨ ح ٢).
[ ٥ ]
اثنين وخمسين نوعًا عند الإمام أبي عبد الله الحاكم النيسابوري (المتوفى سنة ٤٠٥ هـ) في كتابه "معرفة علوم الحديث"، (^١) وبلغت خمسةً وستين نوعًا عند الإمام ابن الصلاح (المتوفى سنة ٦٤٣ هـ) في "مقدِّمته"، (^٢) ثم زادها الإمام السيوطي (المتوفى سنة ٩١١ هـ) إلى ثلاثة وتسعين نوعًا في "تدريب الراوي" (^٣).
والسبب في هذا التنوع في الدراسات المتعلقة بالحديث الحاجة في الإيضاح؛ لتبليغ السنة على الوجه الصحيح، ومنشأ ذلك طلب الأجر والمثوبة.
أما في العصر الحاضر فإن هناك تحديات تواجه طلبة العلم في تبليغ السنة، إذ الحاجة ماسة لها ليس في العلوم الشرعية فحسب بل في كل العلوم؛ ذلك لشمولية السنة، فالسنة منهج حياة تشمل الفرد والمجتمع، يعلم ذلك من قرأ في السنة وتعلمها. إن التبليغ في العصر الحاضر يحتاج لطريقة عرض تجمع بين العمق في معرفة الحديث ودراسته دراسة دقيقة؛ وعرضه بطريقة علمية فنية، وفي موضعه، حتى يفهمها القارئ ويصل له معنى الحديث، وبذلك يسهل تطبيقه.
ويتجلى هذا المعنى عندما يكون البحث موجه لغير المتخصص في العلوم الشرعية، أو في الأبحاث البينية. وحتى في العلوم الشرعية؛ أصبح بعض طلبة العلم يفضل الحصول على المعلومة بشكل نهائي تطبيقي، وهذا ما لمسناه في مسيرتنا
_________________
(١) انظر: الحاكم، محمد بن عبد الله، معرفة علوم الحديث، بتحقيق أحمد السلوم، نشر دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت ١٤٢٤ هـ، حيث بدأ (ص ١١٢) بالنوع الأول من هذه العلوم وهو: معرفة عالي الإسناد وآخر ما ذكره: (ص ١٧٦) النوع الثاني والخمسون: معرفة من رخص في العرض على العالم (العرض والإجازة).
(٢) ابن الصلاح، معرفة أنواع علوم الحديث، بتحقيق نور الدين عتر، نشر دار الفكر المعاصر، بيروت، (ص ١١).
(٣) السيوطي، جلال الدين، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، بتحقيق أبو قتيبة الفاريابي، نشر مكتبة الكوثر، الطبعة الثانية، بيروت ١٤١٥ هـ، حيث ذكر النوع الثالث والتسعين وهو: معرفة الحفاظ (ص ٩٣٦).
[ ٦ ]
التعليمية في تدريس الحديث وعلومه التي دامت -ولله الحمد- سبع وثلاثون سنة، فقد لمسنا الفرق في التفكير وطريقة التلقي بين الطالبات قبل ثلاثين سنة والطالبات قبل عشر سنوات، ولا أقصد بذلك قصورًا في الهمة أو الفهم. وإنما فيما يردن فهمه من السنة، ناهيك عن الحاجة الماسة لعرض السنة في العلوم الأخرى، سواء كانت أبحاث بينية، أو مستقلة. أو عرض السنة كبرامج إلكترونية تتبع العلم الشرعي أو غيره، كبرنامج إلكتروني يعرض الطب النبوي أو الطب الوقائي أو الطب النفسي … إلخ، حتى تتاح الفائدة للجميع، المتخصص وغير المتخصص.
وموضوع الكتاب يتمثل في محاولة إيجاد إطار نظري لبوادر علم جديد، والتأصيل فيه؛ قديم في وجوده، تزامنت الكتابة فيه مع التدوين الأول، حيث الحاجة ماسة لوضع أصول وقواعد يسير عليها الباحثون؛ للكتابة فيه، وقد بدأ المتخصصون حديثًا في الكتابة فيه بطرق مختلفة، إلا أنها تحتاج إلى اتفاق بين أهل التخصص في دراسة الحديث للتأصيل فيه. حتى يقتفي أثرهم الباحثون والدارسون ويكون دليلا في بحوثهم.
إن الدراسات الموضوعية في الحديث الشريف، التي تتناول موضوعًا معينًا من السنة النبوية بالجمع والتأصيل بطريقة فنية تتناسب مع الموضوع المطروح ظهرت حديثًا. وعليه فقد تنشأ للناس حاجات وعلوم ومعارف، لم تكن معروفة أول الأمر، ثم بعد ذلك تُعرف وتنشر، ويكون فيها الخير الكثير.
ويلحظ أن الحديث الموضوعي منهج فتي وحديث، حيث إن العمل به لا زال في مراحله الأولى. رغم أن جذوره قديمة ترجع إلى عهد النبي -ﷺ- والصحابة والتابعين، فإن ما يمكن أن يعترضه لتأسيس منهجيته من مشاكل أمرٌ طبيعيٌ؛ بالنظر إلى أن كل الجهود المبذولة حتى الآن هي جهود للمؤسِّسين والمكوِّنين الأوائل له، وبالتالي فإن ما سنحدِّده من مناهج وطرق الكتابة فيه ليست كل شيء؛ لأنها نتاج استقراء غير تام، ولربما مع مرور الوقت، وبروز العديد من الدراسات القائمة على
[ ٧ ]
هذا المنهاج، يظهر المزيد من المناهج والطرق، وكذلك يظهر أسلوب الكتابة فيه.
ومن خلال الاطلاع على بعض الأبحاث التي كتب في عنوانها أنها من الحديث الموضوعي بشكل صريح أو ضمني في الدراسات الإسلامية وغيرها؛ نجد على بعضها بعض الملاحظات الخاصة بالسنة، أو طريقة العرض، ونتج عنها الخلل الذي قد يصل للخطأ.
وإني لأدعو أن تتظافر الجهود لوضع منهج يسير عليه الباحثون في البحث الموضوعي عن طريق ورش عمل ومؤتمرات؛ يتم من خلالها وضع أسس البحث في الحديث الموضوعي، خصوصًا في الأبحاث الأكاديمية للأسباب التالية:
• الخلط في البحث الموضوعي بينه وبين البحوث الأخرى المتعلقة بالسنة، كالتخريج والحديث التحليلي وفقه السنة، مع العلم أنه يجب الفصل بينها كما سيأتي لاحقا.
• البحث في الحديث قديمًا وحديثًا يعلم كل من يشتغل بالسنة أنه يسبقه بحث طويل وشاق غير ظاهر في البحث، كما أن انتقاء الحديث المستشهد به يسبقه بحث مضنٍ وطويل للوقوف على الحديث الصالح، والأنسب والأتم للمعلومة، وكل ذلك لا يكتبه المؤلف، وإنما يلمسه القارئ ويعرفه المتخصص في عمل المؤلف. ولنا في علمائنا قدوة؛ فهذا البخاري يقول: (صنَّفتُ كتابي "الصَّحيح" لستَّ عشرة سنة، خرَّجتُه من ستِّمائة ألف حديثٍ، وجعلتُه حجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى).
وهذا مسلم جاء عنه أنه قال: (صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة)، وقد مكث في تأليفه قرابة خمس عشرة سنة أو تزيد.
أما أصحاب السنن فلهم طريقة في انتقاء الحديث بين درجات قبول الحديث والحديث الضعيف ضعفًا يسيرًا، وبين المردود، ثم الترجمة لها، والتعليق على المردود، وذكر من أخذ به من أهل العلم بعبارة مختصرة، يسبقها -قطعًا- بحث شاق وطويل، ولو فردنا عملهم لبلغ مجلدات، كل ذلك يفهمه المتبحر في علم
[ ٨ ]
الحديث وعلومه، لكنهم لا يذكرون هذا المجهود؛ بل البراعة في الاختصار.
والخلاصة: أن طبيعة البحث في الحديث هكذا؛ عمل طويل ودقيق يحتاج من الباحث التأني والصبر، والعلم والدقة، والقدرة على الاختصار. فلا يكتب منه إلا ما يفيد القارئ، وهذا ليس في الحديث الموضوعي فقط، بل كل البحوث في المتعلقة بالسنة.
• البحث في الحديث الموضوعي: علم واسع جدًّا؛ لأنه علم تعرض عن طريقه السنة للأمة الإسلامية، بل ولغير المسلمين. إذ حان الوقت أن نبلغ سنة نبينا -ﷺ-، وأن تعرض بطريقة ميسرة، يفهمها من يقرأها، وبطريقة عملية تطبيقية ليسهل العمل بها. ولا بد أن تكون بطريقة علمية دقيقة حتى تظهر تلك الكنوز التي يحويها حديث النبي -ﷺ-.
• وبعد الاطلاع على أبحاث ذكر في عنوانها أنها بحث موضوعي؛ فإنها أقرب للحديث التحليلي والتخريج، حيث يضيع الهدف من البحث وفكرته بين التخريج والتحليل، والمفروض تركيز الجهد لاستنطاق النصوص الكريمة عن طريقة دقة الاستنباط، وصياغة ذلك بأسلوب يشد انتباه القارئ.
وعند الحاجة إلى تخريج للحديث أو بيان كلمة غريبة أو توجيه مفيد؛ يجعل ذلك تعليقًا في الحاشية من غير استطراد يخل بتسلسل الأفكار، وتعانق الفقرات، وسلاسة الأسلوب، وإشراقة البيان.
• في أبحاث الدراسات العليا التي يفترض فيها تدريب الباحث على ما تعلمه من الدراسات حول الحديث، يرى بعض المشرفين أنه لا بد من إبراز عمل الطالب لتقييم العمل من قبل المناقشين، وهذا لا بأس به؛ ولكن لا بد أن يكون في فصول منفصلة أو ملاحق، إذ لا بد من تدريب الطالب أيضًا على طريقة العرض الموضوعي التي لا يذكر فيه هذا العمل إلا إشارة تفيد القارئ. لا عرض مجهوده فهذا ليس من طريقة علماؤنا رحمة الله عليهم.
[ ٩ ]