يستوعب هذا المنهج؛ جمع الأحاديث الواردة في كتب السّنة النبوية عن موضوع الدراسة على سبيل الاستقصاء، أو مصادر حديثية معينة كالصحيحين، أو الكتب الستة، أو التسعة، مما قد يفي بالموضوع، بغرض شرح أبعاده، للوصول إلى نتائج تساهم في فهم ما تقدمه السّنة النبوية الشريفة من موضوعات، مما يساعد على تطبيقها في واقع حياة المسلمين. وهذا يتيح للباحث الفرصة لربط موضوعات السّنة النبوية بالواقع المعاصر لمعالجة قضايا المجتمع المسلم بطريقة شمولية عن طريق السنة، مع تبسيط عملية تطبيق السّنة بشكل علمي وبأسلوب معاصر.
ومن خلال استعراض الدراسات الموضوعية التي يعمد أصحابها على جمع كل الأحاديث الواردة في كتب السّنة النبوية أو أغلبها عن موضوع الدراسة يتضح أنها الأفضل من بين مناهج الدراسة الموضوعية، حيث يتم من خلال هذا المنهج استقصاء كل ما يتوفر من المصادر للسنة وغيرها عن موضوع الدراسة. حيث يمكن الوصول إلى نتائج أدق لكل أطراف الموضوع في ضوء السّنة النبوية الشريفة،
[ ٨٧ ]
للخروج بتصور شامل عن تناول السّنة النبوية للموضوع المراد دراسته، ثم الحديث عنه من خلال هذا التصور المستنبط.
ويمثل هذا النوع من الدراسة مجموعة من الأبحاث في الدراسات العليا في الجامعات التي يبحث طلابها في تخصص الحديث الشريف وعلومه بدراسة موضوعات متعلقة بالحديث الموضوعي تحت مسميات لعناوين الأبحاث، قد تختلف في ألفاظها إلا أنها تتفق على السير على خطى البحث في هذا العلم الجديد.
ومن هذه الدراسات ما يشير صراحة في العنوان إلى كونها دراسة موضوعية، أو يفهم ذلك بالإشارة إلى كون الدراسة ذات موضوع يتم بحثه في ضوء السّنة النبوية، أو من خلال مجموعة من مصادرها كالكتب الستة أو الصحيحين.
وأهم ما يميز هذه الدراسات أنها تبدأ بعد تحديد فكرة البحث؛ إلى جمع المادة العلمية الحديثية باستقراء الأحاديث المتعلقة بموضوع الدراسة وتتبعها من مصادر السّنة الأصيلة ليتشكل البحث بعد ذلك من خلال التصور المستنبط من الأحاديث الشريفة المتعلقة بموضوع الدراسة المزمع عملها.
وأما عن أهم المراحل التي تمر بها هذه الدراسات فتتمثل بصورة إجمالية فيما يلي:
(١) تحديد فكرة تستحق البحث من خلال دراسة موضوعها حسب ما ورد فيها من أحاديث. وقد تكون الفكرة تدور حول حكم شرعي يحتاج إلى مستند حديثي لإثباته. أو قضية علمية؛ للسنة توجيه أو توضيح لها، أو أخلاقية بينتها السنة، أو تربوية … وغير ذلك مما يشمل شتى مناحي الحياة للفرد والأسرة؛ بل للمجتمع كله وللأمة بأسرها. وأفضل الموضوعات في هذا المنهج؛ ما تقوم فكرته على سد حاجة المجتمع المسلم المعاصر وتلبي رغباته الفكرية وتساهم في رفعته وتقدمه بين الأمم فضلًا عن أهميته في التوجه للقرب من رضى الخالق رب العالمين.
[ ٨٨ ]
(٢) جمع المادة الحديثية من مصادرها الأصيلة المتمثلة في كتب الحديث التي أورد أصحابها الأحاديث فيها بأسانيد لهم إلى النبي -ﷺ-، وتخريجها بكل طرق التخريج المعروفة.
(٣) دراسة الأحاديث المجموعة سندًا ومتنًا للوقوف على الأحاديث المقبولة حسب مقاييس علماء الجرح والتعديل، ثم اختيار أجمع الألفاظ لتشكل المادة العلمية الأولى في البحث.
(٤) صياغة مفردات البحث في ضوء الأحاديث المقبولة لتحديد عناصر خطته من جديد، لأن الموضوعات التي لم يثبت تناولها في السّنة النبوية لا يصلح الحديث عنها في هذا النوع من الدراسة.
(٥) جمع المادة العلمية غير الحديثية من مظانها حسب موضوع البحث سواء الشرعية منها أو غير الشرعية، وذلك لتكتمل الفائدة من الدراسة وتصل لأعلى إمكانية علمية متاحة.
(٦) ربط موضوع البحث بواقع المسلمين اليوم ليكتمل الهدف من الدراسة بمخاطبة أناس يعيشون في زمان محدد لإصلاح حياتهم وفق المنهج النبوي الشريف.
(٧) صياغة مادة البحث وفق المادة العلمية المجموعة وفي ضوء قواعد مناهج البحث العلمي الأصيل، مع التركيز على إبراز الوجه المشرق للسّنة النبوية في الموضوع المتناول في الدراسة. ومن هذه الدراسات من يرقم الأحاديث حسب ورودها في صياغة البحث بأرقام مسلسلة، ومنها من جعل الأحاديث أثناء الصياغة في الموضوعات بدون أرقام.
ومن أمثلتها دراسة بعنوان: "عناية الكتاب والسّنة بالبيئة؛ دراسة موضوعية" قامت فيها الباحثة بجمع ما يتعلق بموضوع الدراسة من كتب السّنة النبوية دون
[ ٨٩ ]
تحديد لمصادر معينة، ثم تم تقسيم البحث إلى خمسة فصول هي: الإنسان والبيئة، والإنسان بين النظافة والتلوث، والمحافظة على الماء والهواء والمكان، والعناية بالأرض وحفظها، ورعاية الحياة البرية. وخلصت الدراسة إلى إثبات سبق الإسلام في الحفاظ على البيئة وحل مشكلات التلوث البيئي عن طريق تطبيق المنهج النبوي في التعامل مع عناصر البيئة.
ودراسة بعنوان: "مختلف الحديث بين الفقهاء والمحدثين مع دراسة تطبيقية على مرويات حجة رسول الله -ﷺ- "، قام فيها الباحث في قسم التطبيق باستقصاء للأحاديث المتعارضة في موضوع حجة الوداع في كتب السّنة النبوية دون تحديد لعدد معين من الكتب، حيث تم تحديد مراحل الحجة إلى: مرحلة الإعداد للحج ومقدمات الإحرام، مرحلة دخول البيت والطواف والسعي، مرحلة أفعاله -ﷺ- في عرفة ومزدلفة، مرحلة الهدي ورمي الجمار والشرب من زمزم، مرحلة الوداع، ثم خُتمت الدراسة بمحظورات الإحرام. وكان هدف الدراسة التطبيقية بيان أوجه دفع التعارض بين النصوص عن طريق الجمع أو النسخ أو الترجيح.
ودراسة بعنوان: "أحاديث الشهادة والشهيد؛ جمع وتصنيف وتخريج ودراسة لما يتعلق بالشهيد"، قام فيها الباحث بجمع الأحاديث المتعلقة بالشهادة والشهيد من كتب السّنة النبوية ثم قسم بحثه إلى أربعة فصول هي: الشهيد دراسة في ضوء الكتاب والسّنة، والأحاديث الواردة في الشهيد وفضله وأجره، والأحاديث الواردة في أحكام الشهيد، والأحاديث الواردة في آثار الشهادة.
وكتاب بعنوان: "نبوءات الرسول -ﷺ- ما تحقق منها وما لم يتحقق"، حيث جمع المؤلف فيه النبوءات النبوية من شتى كتب الحديث والسير والمغازي على سبيل الاستقصاء مما وقع تحت يديه، ثم قسمها في ثلاثة أبواب تمثلت في: نبوءات تتعلق بالصحابة -﵃- أو بعصرهم، ونبوءات تتعلق بالتابعين ومن بعدهم، ونبوءات
[ ٩٠ ]
لم تتحقق لأنه لم يأت أوانها بعد. وقد بلغت عدد النبوءات التي شملها الكتاب مائة وثمان وثمانون نبوءة.
ومن هذا المنهج أيضا: الدراسة الموضوعية التي تعتمد على جمع أحاديث في موضوع الدراسة من مصادر محددة من كتب السّنة النبوية حيث يعمد أصحابها إلى أن يحددوا لأنفسهم مصادر حديثية معينة يتم جمع الأحاديث منها. وهذا النوع من الدراسة يمثل أكثر الأبحاث في الدراسات العليا في الجامعات التي يبحث طلابها في موضوعات متعلقة بالحديث الموضوعي. كما نجد أن أغلب هذه الأبحاث؛ يحدد أصحابها لأنفسهم الدراسة في الكتب التسعة، وبعضهم في الكتب الستة وقليل مما قصر دراسته في الصحيحين أو أحدهما، أو أحد كتب السّنة الأخرى.
ومن هذه الدراسات ما يشير صراحة في العنوان إلى هذا التحديد، ومنها ما يضع هذا التحديد في مقدمة البحث، إلا أن الكثير منهم يخرج عن تحديده هذا؛ إذا اقتضت الدراسة في بعض المواطن أن يخرج عن هذا القيد إلى باقي كتب السنة من أجل تمام الفائدة والخروج بنتائج أقرب إلى التعميم على السّنة النبوية كلها.
وأما عن سبب اقتصار هذه الدراسات على عدد محدد من مصادر السّنة النبوية الأصلية فقد يكمن في تحديد إطار البحث من أجل الانتهاء منه في زمن محدد أو تفادي المساءلة عن أحاديث لم تدخل في دراساتهم.
ومن أمثلة هذا المنهج دراسة بعنوان: "الطب النفسي في ضوء السّنة النبوية"، حيث جمع فيها الباحث الأحاديث التي تتعلق بالمواقف العلاجية للأمراض النفسية التي وردت في الكتب التسعة والتي عالج فيها الرسول -ﷺ- بعض الأمراض النفسية مثل: الغضب، والهم والغم والحزن، والأرق والفزع والأحلام المزعجة، والوسوسة، والحسد، والصرع. كما اكتملت دراسة الموضوع ببيان طرق الوقاية من الأمراض النفسية في ضوء السّنة النبوية. ووصلت الدراسة إلى إثبات وجه من
[ ٩١ ]
وجوه الإعجاز النبوي حيث سبق الإسلام لعلاج الأمراض النفسية، مع بيان خصوصية هذه العلاجات النبوية من حيث كونها إلهية موصى بها من رب العالمين، وكذلك قد تم تطبيقها عن قناعة في حياة المسلمين فأعطت أفضل النتائج.
ودراسة بعنوان: "المعالم المدنية في العهد النبوي دراسة موضوعية تحليلية في ضوء السّنة النبوية"، قام فيها الباحث بعد جمع النصوص الحديثية من الكتب التسعة بتقسيم الموضوع إلى خمسة أبواب تناول فيها: المعالم المدنية في العلوم والإدارة والمعارف والوسائل الاجتماعية والعسكرية، والمعالم المدنية في الحياة الصحية والأطعمة والعلاج، والمعالم المدنية في اللباس والزينة، والمعالم المدنية في العمران والطرق ووسائل النقل والبيوت والأثاث، والمعالم المدنية في الصناعة والتجارة والتسويق والصيد والرعي والزراعة. ووصل في دراسته إلى إثبات استخدام المسلمين لشتى أنواع الحياة المدنية في أرقى صورها مع تطويرها إلا أن هذه المدنية لم تتعارض مع ثوابت الشريعة الإسلامية.
ودراسة بعنوان: "الإعجاز العلمي في ضوء السّنة النبوية"، قام الباحث فيها بجمع الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بموضوع البحث من الكتب التسعة، ثم وضع نماذج من الإعجاز العلمي في السّنة النبوية في ستة مباحث تمثلت في عوالم: الكون، والإنسان، والحيوان مع الحشرات، والنبات، والبحار مع المحيطات، والطب مع الصحة العامة. وأثبتت الدراسة أن في السّنة النبوية من الإعجاز العلمي ما يثبت صدق أنها موصى بها من عند الله تعالى، وأن الإسلام دين الحق إلى قيام الساعة.
ودراسة بعنوان: "مستقبل الإسلام دراسة تحليلية موضوعية في ضوء الكتاب والسّنة"، جمع فيه الباحث الآيات القرآنية والنصوص الحديثية من الكتب الستة ثم قسمها إلى أربعة فصول، تحدثت عن مستقبل القابضين على الجمر، ومستقبل الأمة الجهادي والأمني، ومستقبل الأمة السياسي والإداري، ومستقبل الأمة
[ ٩٢ ]
الاقتصادي والاجتماعي. وانتهت الدراسة إلى إثبات أن المستقبل كله بإذن الله لهذا الدين، ولأتباعه على الحق واليقين بالوعد لهم بالنصر والتمكين.
ودراسة بعنوان: "عناية الإسلام بصحة الإنسان"، قام فيها الباحث بجمع الأحاديث الواردة في الصحة من الكتب التسعة ثم تقسيمها إلى أربعة فصول تحدثت عن: نعمة الصحة وبنائها، والصحة الوقائية، والصحة العلاجية، ثم ختم بالتثقيف الصحي.
وأثبتت الدراسة سبق الإسلام في الحفاظ على الصحة، وأن في اتباع السّنة النبوية وقاية من الوقوع في الأمراض.