المنهج الاستردادي هو جزء من المنهج التاريخي العام، ويقصد به القيام بوظيفة معرفية أساسية، حيث يسترجع الباحث الأحداث التاريخية بطريقة علمية للكشف عن دقيقها وجليلها بغية التأكد من صحتها وفهم ملابساتها وفقه دلالاتها.
واستعمالنا لمصطلح "جزء" في بداية التعريف للتوضيح على أن البحث الاستردادي ليس هو تمامًا معنى المنهج التاريخي كما هو متعارف عليه عند أهل الاختصاص، وإنما يمكن اعتباره مدخلا إلى المنهج التاريخي. وبهذا فإن مهمته تقتصر على الوصف العلمي الصرف لما جرت عليه الأحداث التاريخية، ومحاولة فهم حقيقة الأحداث التاريخية كما هي في زمانها ومكانها، سواء تعلق الأمر بالأشخاص أو الأفكار أو الحركات أو المدارس أو غير ذلك.
أما ما يصاحب هذه العملية العلمية من تحليل وتفسير ونقد وتركيب فهذه وظيفة منهجية لاحقة تحتاج إلى مستوى معرفي آخر قادر على سبر أغوار المادة
[ ٧٦ ]
التاريخية رصدًا وتقويمًا وتعليلا. ولا يمكن لهذه العملية أن تقوم إلا بعد الانتهاء تمامًا من الوظيفة الاستردادية التي تعتبر لبنة الأساس، وغير هذا يعد ضربًا من التيه المعرفي، وهو ما أصاب مع الأسف كثيرًا من أحداث تاريخ أمتنا من الاختلاط وعدم وضوح الرؤية .. !
ولعل أحسن من عبر عن هذا التصور المنهجي الأستاذ رشدي فكار الذي قسم المنهج التاريخي إلى قسمين:
أولا: "المنهج التاريخي كطريقة بحث" وهو الذي يعنى بالتأريخ للعلوم جميعها عبر التساؤلات الثلاثة: كيف نشأ؟ وكيف تطور؟ ثم كيف آل؟.
ثانيا: "المنهج التاريخي كقدرة شرح"، وهذا يخص الدراسات التاريخية، وقد ميز فيه بين ثلاثة مستويات:
(أ) منهج المؤرخ: الذي يعتمد على كيفية الاحتفاظ بالتسلسل والاسترسال للأفعال والأفكار عبر التاريخ، فهو منهج رصدي.
(ب) منهج عالم التاريخ: الذي يهدف إلى تصحيح التاريخ وغربلته مما علق به من غمط المؤرخين وتذوقاتهم وانتماءاتهم.
(ج) فلسفة التاريخ: التي تعنى بتعليل الواقع والأحداث الصحيحة.
وبصيغة الأستاذ رشدي فكار يمكن أن نقول إن البحث الاستردادي في حقل العلوم الإسلامية هو طريقة بحث تأريخية لما جاد به الفكر الإسلامي عبر الزمن، وهي وظيفة علمية في غاية الصعوبة، لأنها محاولة جادة لاستعادة حقيقة ما جرى من أحداث تاريخية.
[ ٧٧ ]
مكانة المنهج التاريخي والاستردادي في الأبحاث الشرعية عامة وفي الحديث الموضوعي خاصة:
المنهج التاريخي والاستردادي لا بد منهما في الدراسات الشرعية والحديث الموضوعي خاصة وذلك لما يلي:
• التوثيق:
فمصادر الأبحاث القرآن والسنة وما يتعلق من أقوال السلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة، وكل هذه المصادر ما عدا القرآن تحتاج للمسح التاريخي لإثبات صحة الأقوال لأصحابها عن طريق التخريج بمعناه الواسع للخروج بمعلومات دقيقة صحيحة، وكما هو معلوم أنها تشكل القاعدة التي يبني الباحث عليها بحثه.
• موضوع البحث:
تعتمد كثير من الأبحاث في العلوم الشرعية، وفي الحديث الموضوعي خاصة؛ على المسح التاريخي، والبحث الاستردادي، للوقوف على تاريخ مفصل لموضوع البحث، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ منها:
في الفقه قد يتغير الإفتاء في كثير من المسائل الفقهية تبعًا للحاجة بما يكون في محيط الشرع وتستوعبه النصوص، كرخص الحج وهي كثيرة وخرجت كتب للتفصيل في مسائل الحج، منها رسالة دكتوراه بعنوان (حلول الزحام في المناسك - دراسة فقهية لحلول نظرية وإدارية وفنية وسلوكية) من إعداد د/ خالد السياري.
وفي العقيدة حيث يكون موضوع البحث أساسًا دراسة تاريخية شرعية، ومنها بحث بعنوان (عوامل التحول الزيدي في اليمن دراسة تحليلية) للدكتور عبد الحميد
[ ٧٨ ]
أحمد. وكذلك كتاب بعنوان (ظاهرة التحول العقدي عند زيدية اليمن - الأسباب، المظاهر، الآثار) لوليد أحمد قاسم راجح. وتعتمد في البحثين على المنهج التاريخي والاستردادي بكل أبعاده.
وفي دراسة المصطلحات؛ في الحديث وعلومه أو الفقه وأصوله يحتاج الباحث للمنهج التاريخي، والمنهج الاستردادي، للوقوف على نشأة المصطلح وتطوره وكيف طبقه العلماء … كعلم الإسناد والحديث الحسن والشذوذ ..، وغيرها من المصطلحات في الحديث وعلومه.
والهدف العام من استعمال هذا المنهج هو رسم حقائق التراث كما كانت، خاصة في العلوم الشرعية، من أجل فهمها فهمًا سليمًا -أي كما وضعها أصحابها- "سكونيًّا" و"تطوريًّا". فالتأريخ للعلوم الشرعية -متى أمكن ذلك عمليًّا- خطوة ضرورية؛ لأن بها نفهم ذاتنا ونحفظها حقًّا، وبها نبني حاضرنا ونؤسس مستقبلنا.