هو المنهج الذي يصف ويسجل الأحداث التي وقعت في الزمن الماضي، ويقوم بدراستها وتحليلها وفق مجموعة من الأسس المنهجية، وذلك من أجل فهم الواقع بناء على ضوء الماضي.
فالأحداث التي حدثت في الزمن الماضي سوف تتكرر بطريقة مشابهة في عصرنا الحالي مع اختلاف الأدوات، وبالتالي فإن الماضي يعطينا صورة عن الأمور التي من الممكن أن تحدث في عصرنا الحالي أو في المستقبل.
وللمنهج التاريخي أهمية كبيرة في البحث العلمي عامة وفي الحديث الموضوعي بشكل أكبر ويمكن تلخيص أهميته في نقاط منها:
• السنن الكونية التي يسيِّر الله الكون عليها فهي لا تتغير ولا تتبدل من زمن إلى زمن، وعلى هذا يمكن للباحث أن يقوم بإسقاط الحوادث التي تحصل في الحاضر على الماضي، ومن خلالها وعليها سيكون قادرًا على استشراف المستقبل، وتوقع
[ ٧١ ]
عدد من الأمور التي من الممكن أن تحدث، وفي القرآن والسنة إشارة لكثير منها.
• يساهم المنهج التاريخي بالتأكيد على أهمية عدد ما من التفاعلات والقيم والأخلاق، بل سلوك البشر كعرق وديانة ومذهب. والتي ذكرتها النصوص، والتاريخ يثبتها، ومدى تأثيرها على الأحداث التاريخية، ومجرى التاريخ كالخيانة والنفاق والسلوك مثل التعامل مع الروافض واليهود والنصارى، وغيرهم.
إن إهمال وتجاهل الدراسات التاريخية وتاريخ الأمم والحضارات وربطها بالدراسات الشرعية والسنن الكونية التي وضعها الله في الكون وبينتها النصوص الشرعية؛ يعد من الأسباب الأولى في الفوضى الكبرى، التي تغلب على أفراد الأمة في مجابهتهم للحياة ومصاعبها، وفي سعيهم لاستئناف الحياة الراشدة، ومحاولة العودة إلى ريادة الأمم، حيث تعاظم الارتجال وغاب التخطيط المبني على الشرع، وسادت عقلية تجاهل السنن الربانية، التي وضعها الله في الكون، حتى صار من المألوف مشاهدة الساعي لرفعة الأمة، يحاول العمل على ذلك دون وعي يبصِّره المعالم الهادية في خط سيره، ودون استرشاد يسدد خططه، وقد تراكم هذا الأمر عبر العقود الماضية، حتى صار الأصل الثابت في واقعنا.
ومما يجب التنبيه عليه أن الغاية القصوى لبناء الأمة تبدأ من بناء الإنسان، الذي يعد الأساس لأي أمة تريد البقاء والاستمرار والسيادة، وهو أمر جلل، وللأسف لم يلق الاهتمام المطلوب حيث إن كثيرًا من الدراسات الشرعية حول هذا الموضوع كتبت بشكل جيد، لكن لم تضع الحلول العملية للتنفيذ؛ لأجل هذا كله كان على المفكرين والمنظرين لإعادة مسيرة الأمة إلى مركز القيادة الحضارية للعالم مراعاة بعض الأمور:
أولًا: التنبيه المستمر على خطورة إضاعة الجهود في خطط غير مدروسة، لا تراعي قوانين التاريخ، ولا تهتم بعوامل بناء وفناء الحضارات، وأسباب النهوض.
[ ٧٢ ]
ثانيًا: الإصرار على إيجاد العقل المسلم المنهجي في نظراته للأزمات المختلفة، والمنهجي في التعاطي مع رسم الحلول، والمنهجي في وقوفه مع فواعل النهضة، ذلك العقل المبني على الرؤية المؤسسة المتبصرة والبعيدة عن العشوائية.
ويمكن ضرب بعض الأمثلة التي تعد الدراسات التاريخية مع النصوص الشرعية وللأسف تعد سببًا في انحطاط الأمم:
• التعاملُ بالربا وأثره على الاقتصاد؛ فالربا من كبائر الذنوب، وعقوبته عند الله محق ونزع البركة وفناء المال، وهو مال حرام ينبت السحت والعياذ بالله. والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. ومعنى المحق الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع، حتى لا ينتفع هو به ولا ولده بعده. ومن الأدلة على تأثير الربا الحديث الذي رواه ابن ماجه وصححه الألباني من حديث ابن مسعود «مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا، إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ» (^١) وفي رواية «الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ، فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ». وقد اختصر الإمام السرخسي آفات الربا على الفرد بقوله: [وقد ذكر الله تعالى لآكل الربا خمسًا من العقوبات: أحدها: التخبطُ، قال الله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] والثاني: المحقُ، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦] والمراد: الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع، حتى لا ينتفع هو به ولا ولده بعده. والثالث: الحربُ، قال الله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] والرابع: الكفرُ، قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي: كفَّارٌ باستحلال الربا أثيمٌ فاجرٌ بأكل الربا، والخامس: الخلود في النار، قال الله تعالى:
_________________
(١) ابن ماجه (٢/ ٧٦٥/ ح ٢٢٧٩).
[ ٧٣ ]
﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (^١).
ولا شك أن عاقبة المرابين تؤول إلى المحق والخسارة، وهذا واقعٌ مشاهدٌ ومتكررٌ مع المرابين، كما أن الربا من السنن الكونية التي يمكن الوقوف عليها بالدراسات التاريخية.
ومن الأبحاث الجديرة بالتتبع التاريخي لإثباتها ظهورُ الأمراضِ والابتلاءاتِ في الأُمَمِ، وهو نَوعٌ من العُقوبَةِ التي يَضرِبُ اللهُ -﷿- بها الناسَ إذا كَثُرَ فيهم الفسادُ والمعاصي التي تنتهي إلى انتشار الزنا. وأثره على صحة المجتمع، وقد بينتها السنة؛ ومنها الحديث «يا مَعْشَرَ المهاجرينَ! خِصالٌ خَمْسٌ إذا ابتُلِيتُمْ بهِنَّ، وأعوذُ باللهِ أن تُدْرِكُوهُنَّ: لم تَظْهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قَطُّ؛ حتى يُعْلِنُوا بها؛ إلا فَشَا فيهِمُ الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تَكُنْ مَضَتْ في أسلافِهِم الذين مَضَوْا …» (^٢) وغيرها من السنن الكونية التي بينتها السنة بشكل واضح.