وأما السنة ففيها الكثير الطيب مما يوجب علينا اتباعه ﵊ اتباعا عاما في كل شيء من أمور ديننا وإليكم النصوص الثابتة منها:
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى".
أخرجه البخاري في "صحيحه كتاب الاعتصام "
٢ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال:
"جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم فقال بعضهم: إنه
[ ٢٨ ]
نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيه مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا: أولوها يفقهها فقال بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا فالدار الجنة والداعي محمد ﷺ فمن أطاع محمدا ﷺ فقد أطاع الله ومن عصى محمدا ﷺ فقد عصى الله ومحمد ﷺ فرق١ بين الناس
أخرجه البخاري أيضا
٣ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك
مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق" أخرجه البخاري ومسلم
٤ - عن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
"لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما
_________________
(١) ١ أي يفرق بين المؤمنين والكافرين بتصديق الأولين إياه وتكذيب الآخرين له.
[ ٢٩ ]
أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه "وإلا فلا".
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة والطحاوي وغيرهم بسند صحيح
٥ - عن المقدام بن معدي كرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه١ فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه".
رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه وأحمد بسند صحيح
٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
"تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهم ما تمسكتم بهما كتاب
_________________
(١) ١ أي يضيفوه.
[ ٣٠ ]
الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض".
أخرجه مالك مرسلا والحاكم مسندا وصححه
ما تدل عليه النصوص السابقة:
وفي هذه النصوص من الآيات والأحاديث أمور هامة جدا يمكن إجمالها فيما يلي:
١ - أنه لا فرق بين قضاء الله وقضاء رسوله وأن كلا منهما ليس للمؤمن الخيرة في أن يخالفهما وأن عصيان الرسول ﷺ كعصيان الله تعالى وأنه ضلال مبين
٢ - أنه لا يجوز التقدم بين يدي الرسول ﷺ كما لا يجوز التقدم بين يدي الله تعالى وهو كناية عن عدم جواز مخالفة سنته ﷺ قال الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين" "١/٥٨":
"أي لا تقولوا حتى يقول وتأمروا حتى يأمر ولا تفتوا حتى يفتي ولا تقطعوا أمرا حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضي "
٣ - أن المطيع للرسول ﷺ مطيع لله تعالى
٤ - أن التولي عن طاعة الرسول ﷺ إنما هو من شأن الكافرين
٥ - وجوب الرد والرجوع عند التنازع والاختلاف في شيء من أمور الدين إلى الله وإلى الرسول ﷺ قال ابن القيم "١/٥٤":
[ ٣١ ]
فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل "يعني قوله: وأطيعوا الرسول" إعلاما بأن طاعته تجب استقلالا من غير عرض ما أمر به على الكتاب بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه فإنه
أوتي الكتاب ومثله معه "ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالا بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول "
ومن المتفق عليه عند العلماء أن الرد إلى الله إنما هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته وأن ذلك من شروط الإيمان
٦ - أن الرضى بالتنازع بترك الرجوع إلى السنة للخلاص من هذا التنازع سبب هام في نظر الشرع لإخفاق المسلمين في جميع جهودهم ولذهاب قوتهم وشوكتهم
٧ - التحذير من مخالفة الرسول ﷺ لما لها من العاقبة السيئة في الدنيا والآخرة
٨ - استحقاق المخالفين لأمره ﷺ الفتنة في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة
٩ - وجوب الاستجابة لدعوة الرسول ﷺ وأمره وأنها سبب الحياة الطيبة والسعادة في الدنيا والآخرة
١٠ - أن طاعة النبي ﷺ سبب لدخول الجنة والفوز العظيم وأن معصيته وتجاوز حدوده سبب لدخول النار والعذاب المهين
[ ٣٢ ]
١١ - أن من صفات المنافقين الذين يتظاهرون بالإسلام ويبطنون الكفر أنهم إذا دعوا إلى أن يتحاكموا إلى الرسول ﷺ وإلى سنته لا يستجيبون لذلك بل يصدون عنه صدودا
١٢ - وأن المؤمنين على خلاف المنافقين فإنهم إذا دعوا إلى التحاكم إلى الرسول ﷺ بادروا إلى الاستجابة لذلك وقالوا بلسان حالهم ومقالهم: "سمعنا وأطعنا" وأنهم بذلك يصيرون مفلحين ويكونون من الفائزين بجنات النعيم
١٣ - كل ما أمرنا به الرسول ﷺ يجب علينا اتباعه فيه كما يجب علينا أن ننتهي عن كل ما نهانا عنه
١٤ - أنه ﷺ أسوتنا وقدوتنا في كل أمور ديننا إذا كنا ممن يرجو الله واليوم الآخر
١٥ - وأن كل ما نطق به رسول الله ﷺ مما له صلة بالدين والأمور الغيبية التي لا تعرف بالعقل ولا بالتجربة فهو وحي من الله إليه. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
١٦ - وأن سنته ﷺ هي بيان لما أنزل إليه من القرآن
١٧ - وأن القرآن لا يغني عن السنة بل هي مثله في وجوب الطاعة والاتباع وأن المستغني به عنها مخالف للرسول ﵊ غير مطيع له فهو بذلك مخالف لما سبق من الآيات
[ ٣٣ ]
١٨ - أن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله وكذلك كل شيء جاء به رسول الله ﷺ مما ليس في القرآن فهو مثل ما لو جاء في القرآن لعموم قوله: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه".
١٩ - أن العصمة من الانحراف والضلال إنما هو التمسك بالكتاب والسنة وأن ذلك حكم مستمر إلى يوم القيامة فلا يجوز التفريق بين كتاب الله وسنة نبيه ﷺ تسليما كثيرا.
لزوم اتباع السنة على كل جيل في العقائد والأحكام:
أيها الأخوة الكرام هذه النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة كما أنها دلت دلالة قاطعة على وجوب اتباع السنة اتباعا مطلقا في كل ما جاء به النبي ﷺ وأن من لم يرض بالتحاكم إليها والخضوع لها فليس مؤمنا فإني أريد أن ألفت نظركم إلى أنها تدل بعموماتها وإطلاقاتها على أمرين آخرين هامين أيضا:
الأول: أنها تشمل كل من بلغته الدعوة إلى يوم القيامة وذلك صريح في قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] وفسره ﷺ بقوله في حديث: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة" متفق عليه وقوله: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا
[ ٣٤ ]
كان من أهل النار" رواه مسلم وابن منده وغيرهما "الصحيحة ١٥٧".
والثاني: أنها تشمل كل أمر من أمور الدين لا فرق بين ما كان منه عقيدة علمية أو حكما عمليا أو غير ذلك فكما كان يجب على كل صحابي أن يؤمن بذلك كله حين يبلغه من النبي ﷺ أو من صحابي آخر عنه كان يجب كذلك على التابعي حين يبلغه عن الصحابي فكما كان لا يجوز للصحابي مثلا أن يرد حديث النبي ﷺ إذا كان في العقيدة بحجة أنه خبر آحاد سمعه عن صحابي مثله عنه ﷺ فكذلك لا يجوز لمن بعده أن يرده بالحجة نفسها مادام أن المخبر به ثقة عنده وهكذا ينبغي أن يستمر الأمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وقد كان الأمر كذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين كما سيأتي النص بذلك عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
[ ٣٥ ]