أقول: وهذه حقيقة يلمسها كل مشتغل بعلم الحديث متتبع لطرقه وألفاظه مطلع على موقف بعض الفقهاء من بعض رواياته وأضرب على ذلك مثلين اثنين أحدهما قديم والآخر حديث:
الأول: قوله ﷺ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" فهو مع كونه صحيحا مخرجا في "الصحيحين" فقد رده الحنفية بدعوى أنه مخالف لظاهر القرآن وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] فتأولوه لكونه حديث آحاد بزعمهم مع أن أمير المؤمنين في الحديث وهو الإمام البخاري صرح في مطلع كتابه "جزء القراءة" بأنه حديث متواتر عن رسول الله ﷺ
[ ٦٨ ]
ترى ألم يكن من الواجب على هؤلاء أن يستفيدوا من علم هذا الإمام المختص بالحديث ويغيروا رأيهم فيه أنه آحاد ويضموه إلى الآية ويخصصوها به؟ هذا مع العلم بأن الآية الكريمة المذكورة هي في موضوع صلاة الليل وليست في موضوع القراءة المفروضة في الصلاة
والآخر: حديث نزول عيسى ﵇ آخر الزمان وهو مروي في "الصحيحين" أيضا فقد سئلت عنه منذ سنين مشيخة الأزهر فأجاب أحدهم في مجلة "الرسالة" بأنه حديث آحاد وأن مدار طرقه على وهب بن منبه وكعب الأحبار.
والحقيقة التي يشهد بها أهل الاختصاص والمعرفة بحديث رسول الله ﷺ أنه حديث متواتر وقد كنت تتبعت أنا شخصيا طرقه إلى النبي ﷺ فرأيته قد رواه عنه ﵊ نحو أربعين صحابيا أسانيد عشرين منهم على الأقل صحيحة وبعضها له عند بعضهم أكثر من طريق واحد صحيح في "الصحيحين" و"السنن" و"المسانيد" و"المعاجم" وغيرها من كتب السنة
ومن الغريب أن كل هذه الطرق ليس فيها ذكر مطلقا لوهب وكعب وقد كنت كتبت خلاصة للتتبع المشار إليه في صفحتين أرسلتهما إلى "الرسالة" يومئذ راجيا أن تنشرهما خدمة للعلم ولكن لم يكتب لهما النشر
[ ٦٩ ]
فهذان المثالان من مئات الأمثلة تبين لنا أن الحديث النبوي لم ينل من أهل العلم العناية الواجبة عليهم على اعتبار أنه الأصل الثاني للشريعة الإسلامية الذي بدونه لا يمكن أبدا أن يفهم الأصل الأول فهما صحيحا كما أراده الله ﵎ فوقعوا بسبب ذلك في هذا الجهل الفاضح بأحاديث النبي ﷺ وهذا الانحراف المكشوف عن التصديق بها وهي قطعا مما جاء به ﵇ والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ فأخذوا بعضه وتركوا بعضه ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا..﴾ .
والخلاصة أنه يجب على المسلم أن يؤمن بكل حديث ثبت عن رسول الله ﷺ عند أهل العلم به سواء كان في العقائد أو الأحكام وسواء أكان متواترا أم آحادا وسواء أكان الآحاد عنده يفيد القطع واليقين أو الظن الغالب على ما سبق بيانه فالواجب في كل ذلك الإيمان به والتسليم له وبذلك يكون قد حقق في نفسه الاستجابة المأمور بها في قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤] وغيرها من الآيات التي سبق ذكرها في مطلع هذه الكلمة التي أرجو الله تعالى أن ينفع بها ويجعلها خالصة لوجهه ناصرة لكتابه خادمة لسنة نبيه ﷺ تسليما
[ ٧٠ ]