الإمام ابن حزم -﵀ ﵎- في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) يضيف دليلًا قويًّا وعظيمًا، يقول -رحمه الله تعالى-: لمّا بينا أن القرآن هو الأصل المرجوعُ إليه في الشرائع، نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله -ﷺ- ووجدناه -﷿- يقول فيه واصفًا لرسوله -ﷺ-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فصحّ لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله -﷿- إلى رسوله -ﷺ- على قسمين؛ أحدهما: وحيٌ متلو مؤلف تأليفًا معجز النظام وهو القرآن، والثاني: وحي مروي منقول غير مؤلّف ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله -ﷺ- وهو المبيّن عن الله -﷿- مراده منّا.
[ ١٨٥ ]
قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا الثاني -يقصد السنة- كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن، ولا فرق، فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (المائدة: ٩٢) فكانت الأخبار التي ذكرنا أحد الأصول الثلاثة التي ألزمنا طاعتها في الآية الجامعة لجميع الشرائع؛ أولها عن آخرها، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ (النساء: ٥٩) فهذا أصلٌ وهو القرآن، ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فهذا ثان وهو الخبر عن رسول الله -ﷺ- ثم قال تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فهذا ثالث وهو الإجماع المنقول إلى رسول الله -ﷺ- وصحّ لنا بنصّ القرآن أن الأخبار -أي: الأحاديث- هي أحد الأصلين المرجوع إليهما عند التنازع، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النساء: ٥٩).
والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن وإلى الخبر عن رسول الله -ﷺ- لأن الأمة مجمِعة على أن هذا الخطاب متوجّه إلينا، وإلى كل من يُخلق ويُركب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنة والناس، كتوجهه إلى من كان على عهده -ﷺ- وكل من أتى بعده -﵇- وقبلنا ولا فرقَ؛ يعني: الأمة كلها من أول النبي -﵊- بعد الصحابة إلى يوم القيامة مخاطبة بهذه الأصول، عند التنازع رد الأمر إلى القرآن الكريم وإلى السنة المطهرة وإلى أولي الأمر، وقد علمنا علم ضرورة أنه لا سبيلَ لنا إلى رسول الله -ﷺ- يعني: كيف سنرد الأمر إلى النبي -ﷺ- بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى؟ هذا معنى كلامه، لا بد أن يكون الأمر إلى سنته.
يقول: وحتى لو شغب مشغب بأن هذا الخطاب إنما هو متوجه إلى من يمكنه لقاء رسول -ﷺ- لما أمكنه هذا الشغب في الله -﷿- إذ لا سبيل لأحد إلى مكالمته تعالى،
[ ١٨٦ ]
فبطَلَ هذا الظن، وصح أن المراد بالرد المذكور في الآية التي نصصنا، إنما هو إلى كلام الله تعالى وهو القرآن الكريم، وإلى كلام نبيه -ﷺ- المنقول على مرور الدهر إلينا جيلًا بعد جيل، يعني: الرد في الآية: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يستلزم بالضرورة الرد إلى القرآن وإلى السنة، لو شغب مشاغب وقال: الرد إلى رسول الله -ﷺ- وهو حي، أي: فردوه إلى الرسول، فهل يمكنه أن يشاغب على هذا القول في الرد لله تعالى؟ يعني: فإذا فهمت هذا الفهم، فكيف تفهم الرد إلى الله -﵎-؟ هل يمكن لأحد منا أن يكلم الله تعالى ويسأله عن شيء؟ مستحيل، فإذن لزم بالضرورة الواضحة الجلية أن الرد إنما يكون إلى كتاب الله -﵎- وإلى سنة النبي -ﷺ-.
ثم يواصل كلامه -رحمه الله تعالى- ويقول:
وأيضًا آية النساء المذكورة: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ذكر للقاء، ولا مشافهة أصلًا، ولا دليل عليه وإنما فيه الأمر بالرد فقط، ومعلوم بالضرورة أن هذا الرد إنما هو تحكيم، وأوامر الله تعالى وأوامر رسوله -ﷺ- موجودة عندنا، منقول كل ذلك إلينا، فهي التي جاء نص الآية بالرد إليها دون تكلف تأويل ولا مخالفة ظاهر.
ثم يواصل كلامه ويقول:
والقرآن والخبر الصحيح بعضهما مضافٌ إلى بعض، وهما شيء واحد في أنهما من عند الله تعالى، وحكمهما حكمٌ واحد في باب وجوب الطاعة لهما؛ لما قدمناه آنفًا في صَدْر هذا الباب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال: ٢٠، ٢١) فبين الله تعالى بهذه الآية أنه لم يرد منا الإقرارَ بالطاعة
[ ١٨٧ ]
لرسول الله -ﷺ- بلا عملٍ بأوامره واجتناب نواهيه، وهذه صفة المقلّدين؛ فإنهم يقولون: طاعة رسول الله -ﷺ- واجبة، فإذا أتاهم أمر من أوامره يقرون بصحته، لم يصعب عليهم التولي عنه وهم يسمعون -نعوذ بالله من ذلك- وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ (الأنبياء: ٤٥) فأخبر تعالى -كما قدمنا- أن كلام النبي -ﷺ- وحيٌ، والوحي ذكرٌ بلا خوف، يعني: من غير أن نخاف نقول: والوحي بلا خوف الذكر، والذكر محفوظ بنص القرآن الكريم، فحين يقول الله -﵎-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فبالضرورة الذكر هنا يشمل القرآن والسنة؛ لأن كليهما وحي من عند الله -﵎- والذكر -الذي هو القرآن والسنة- محفوظ بنص الله تعالى.
بعد هذه المقدمات الطويلة؛ من أننا أمرنا من أن نطبق القرآن والسنة، وأن نرد التنازع إلى الله وإلى الرسول -ﷺ- وأن هذا الرد لا يمكن إلا من خلال اللقاء والمشافهة، الآية لم تشترط ذلك، ويصعب بل يستحيل مخاطبة الله ﷿- ومن المعلوم أيضًا من المقدمات التي ذكرها أن الأمة كلها إلى يوم القيامة مطالبة برد الأمر إلى النبي -ﷺ- مع القرآن الكريم، هل نقول: إن هذه الآية المخاطب بها الصحابة فقط؟ وحتى لو قلنا هذا، هل الأمة لا تجب عليها العمل بالآية؟ وحتى لو قلت ذلك، هل يمكن مخاطبة الله -﵎-؟
إذن، كل هذه المقدمات تؤكد حتمًا أن الرد إنما هو إلى القرآن الكريم وإلى السنة المطهرة، وكلاهما وحيٌ من عند الله -﵎- والوحي ينذر به النبي -ﷺ- كما قال القرآن: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾.
بعد هذه المقدمات يخلص ابن حزم -رحمه الله تعالى- إلى هذه النتيجة التي سقنا
[ ١٨٨ ]
هذا الكلام من أجلها يقول: فصح بذلك أن كلامه -ﷺ- كله محفوظ بحفظ الله -﷿- مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء؛ إذ ما حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء، فهو منقول إلينا كله، فلله الحجة علينا أبدًا، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: ١٠)، فوجدنا الله تعالى يردنا إلى كلام النبي -ﷺ- على ما قدمنا آنفًا، فلم يسع مسلمًا يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر عن رسول الله -ﷺ- ولا أن يأتي عما وجد فيهما -أي: أن يبتعد ولعلها خطأ مطبعي- أو أن يبتعد عما وجد فيهما، فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق، وأما من فعله -أي: ابتعد عن القرآن والسنة- مستحلًّا للخروج عن أمرهما وموجبًا لطاعة أحد دونهما؛ فهو كافر لا شك عندنا في ذلك.
على كل حال، مهما يكن الحكم فالمراد من نقل كلام ابن حزم بكل هذه المقدمات التي أشار إليها وهي واضحة جلية: أن السنة النبوية محفوظة بحفظ الله -﵎- وقد أقام الله الحجة علينا بحفظ القرآن والسنة، فلله الحجة علينا أبدًا، ومن ثم لا يسع مسلمًا أبدًا يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير الله -﵎- وإلى غير الحديث عن رسول الله -ﷺ- ومن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق إن لم يستحل ذلك، وأما من فعله مستحلًّا فهو كافر لمصادمته للقرآن الكريم.
هذا كلام ابن حزم ﵀﵎- عن حفظ السنة، وأن هذا أمر واضح وجلي ولا ينازع في ذلك منازع، ثم أردفه بالحكم على مَن يعاند في ذلك إما جحودًا وإما استبعادًا.
الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- يضيف أيضًا أدلةً من كلام الله -﵎-
[ ١٨٩ ]
في القرآن الكريم على تكفله -﷾ ﷻ- بحفظ السنة، وذلك في مثل قوله -﵎-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: ٨٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ يقول ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى-: فنقول لمن جوّز أن يكون ما أمر الله به نبيه -ﷺ- من بيان شرائع الإسلام غير محفوظ، وأنه يجوز فيه التبديل، وأن يختلط بالكذب الموضوع اختلاطًا لا يتميز أبدًا: أخبرونا عن إكمال الله تعالى لنا لديننا، ورضاه الإسلام لنا ديننا، ومنعه من قبول كل دين سوى الإسلام؟ أكل ذلك باقٍ علينا ولنا إلى يوم القيامة؟ أم أن ذلك كان للصحابة فقط أو لا للصحابة ولا لنا؟ هذه آيات تبين أن الله -﷿- اختار لنا الإسلام دينًا، ويمنُّ علينا بنعمة كماله وتمامه -جل في علاه- وأنه -ﷺ- أوكل إلى نبيه -ﷺ- مهمة بيان الإسلام.
فهل ما بين به النبي -ﷺ- من شرائع الإسلام غير محفوظ؟ وهل يجوز فيه التغيير والتبديل؟ وهل يجوز أن يختلط بالكذب الموضوع اختلاطًا لا يتميز أبدًا؟ كيف نقول بذلك؟! وكيف نفهم أن الله أكمل لنا ديننا ورضي الإسلام دينًا ولن يقبل منا أي دين سوى الإسلام؟! هل الاحتمالات العقلية أو التقسيمات العقلية البدهية التي لا تحتمل غير ذلك، هل كل هذا الأمر لن يقبل غير الإسلام وهو الذي ارتضاه لنا وأكمله وأتمه، هذا الأمر باقٍ علينا إلى يوم القيامة أو هو للصحابة فقط أو ليس لنا ولا لهم؟ هل هناك تقسيم عقلي غير هذا؟ أبدًا لا يوجد تقسيم عقلي غير هذا.
فإن قالوا: لا للصحابة ولا لنا -كلام ابن القيم رحمه الله تعالى- كان قائل هذا القول كافرًا لتكذيبه الله جهارًا، وهذا لا يقوله مسلم، وإن قالوا: بل كل ذلك
[ ١٩٠ ]
لنا وعلينا وإلى يوم القيامة، صاروا إلى قولنا ضرورة، وصح أن شرائع الإسلام كلها كاملة، والنعمة بذلك علينا تامة، وهذا برهان ضروري وقاطع على أن كل ما قاله رسول الله -ﷺ- في الدين وفي بيان ما يلزمنا محفوظ، لا يختلط به ما ليس منه أبدًا.
وإن قالوا: بل كان ذلك للصحابة فقط، قالوا: الباطل، وخصصوا خطاب الله بدعوى كاذبة؛ إذ خطابه بالآيات الكريمة التي أشرنا إليه -يقصد: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: ٨٥) ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩) إلى آخره- عموم لكل مسلم في الأبد، ولزمهم مع هذه العظيمة -أي: وهي اقتصار الأمر على الصحابة فقط- أن دين الإسلام غير كامل عندنا نحن الأجيال المتأخرة عن الصحابة، فكأن الله أكمل الدين للصحابة فقط ولم يكمله لنا، والله تعالى رضي لنا ما لم يحفظه علينا، وألزمنا منه ما لا ندري منه أين نجده.
إذن سنجد فيها كلام الوضاعين، لا هو حفظ كلام النبي -ﷺ- الذي قاله ولا منع منه كلام الوضّاعين الذين زادوا فيه وحرّفوا فيه، فافترض علينا اتباع ما كذبه الزنادقة ووضعوه على لسان الرسول -ﷺ- أو وهم فيه الواهمون ممن لم يقله نبيهم -ﷺ- وهذا بيقين ليس هو دين الإسلام، بل هو دين إبطال لدين الإسلام جهارًا، ولو كان هذا -ومعاذ الله أن يكون- لكان ديننا كدين اليهود والنصارى، الذين أخبر الله تعالى عنهم أنهم كتبوا الكتاب بأيديهم، وقالوا: هذا من عند الله، وما هو من عند الله، ونحن قد أيقنا بأن الله تعالى هو الصادق في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: ٢١٣) وأنه تعالى قد هدانا للحق، فصح يقينًا أن كل ما قاله رسول الله -ﷺ- هدانا الله تعالى له، وأنه حق مقطوع به،
[ ١٩١ ]
حفظه الله تعالى وقد قال تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: ٤٣) وقال تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ (يونس: ٦٤) فلو جاز أن يكون ما نقله الثقات -الذين افترض الله علينا قبول نقلهم والعمل به والقول بأنه سنة الله وبيان نبيه- يمكن في شيء منه التحويل أو التبديل؛ لكان إخبار الله تعالى بأنه لا يوجد لها تبديل ولا تحويل كذبًا، وهذا لا يجيزه مسلم أصلًا، فصح يقينًا لا شك فيه: أن كل سنة سنها الله -﷿- ورسوله، وسنها رسوله -ﷺ- لأمته لا يمكن في شيء منها تبديل ولا تحويل أبدًا، وهذا يوجب أن نقل الثقات في الدين يُوجب العلم بأنه حق كما هو من عند الله -﷾-.
انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.
أيضًا من الأدلة على ذلك، يقول الشيخ عبد الغني عبد الخالق -رحمه الله تعالى- في كتابه القيم (حُجية السنة): كما يثيرها أصحاب الشبهة أن الله -﵎- تكفل بحفظ القرآن دون السنة على زعمهم كما يدل عليه قوله -﷾-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ولو كانت السنة حجة ودليلًا مثل القرآن، لتكفل الله بحفظها، والجواب، يقول -﵀-: أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الشريعة كلها؛ كتابها وسنتها، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: ٣٢) ونور الله شرعه ودينُه الذي ارتضاه لعباده، وكلّفهم به، وضمنه مصالحهم، والذي أوحاه إلى رسوله -ﷺ- من قرآن أو غيره؛ ليهتدوا به إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
وبعد أن بيّن مرجع الضمير في قوله -﵎-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ على الوجه الذي أشرنا إليه عاد وقال -﵀-: ولقد حفظها
[ ١٩٢ ]
الله تعالى كما حفظ القرآن الكريم، فلم يذهب منها ولله الحمد شيء على الأمة، وإن لم يستوعبها كل فرد على حدة، ينقل عن الشافعي في (الرسالة) -رحمه الله تعالى- يقول في صدد الكلام على (لسان العرب): ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا ولا نعلم يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها، حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه، والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه؛ لا نعلم رجلًا جمع السنن فلم يذهب منها على شيء فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرق علم كل واحد منها ذهب على شيء منها، ثم ما كان ذهب عليه منها موجودًا عند غيره إلى آخر ما قال.
وخلاصة القول: أن العلماء يجمعون من خلال الآيات المتعددة التي ذكرت على أن الله -﵎- قد حفظ القرآن الكريم وحفظ السنة المطهرة، وهذا أمر حتمي.
من الأدلة من السنة على أن الله -﷿- حفظ السنة الحديث الذي أشرنا إليه أيضًا وخرجناه: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا تأمر عليكم، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» إلى آخره: «وتركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي» هذا ورد عند الحاكم وغيره، كلها أدلة على حفظ السنة.
حين يأمرنا النبي -ﷺ- بأن نتبع السنة وأن نعض عليها بالنواجذ، فهل يأمرنا باتباع شيء غير محفوظ؟ كلا وحاشا! هذا الذي يقول ذلك إنما يفتري على الله الكذب،
[ ١٩٣ ]
ويزعم ما لا دليلَ له عليه؛ إذ كيف يطلب منا النبي -ﷺ- أن نتمسك بالسنة وأن نعض عليها بالنواجذ في الوقت الذي لم تحفظ فيه، وهي عرضة للتغيير أو للتبديل أو للزيادة أو النقصان إلى آخره؟!.
هذا دليل من السنة أيضًا ونضم إليه كل الأدلة التي تطلب منا اتباع السنة، كيف يأمرنا باتباع ما لم يحفظ؟ وكيف يستقيم هذا الأمر مع شيء غير محفوظ؟
كما قلنا مرارًا: المناقشة في البدهيات مضيعة للوقت والجهد، لكن الأمر لأنه دين ولأنه دفاع عن سنة النبي -ﷺ- فنحن نتوقف مع هذه الأفهام التي لم توفق إلى الفهم الصحيح لكتاب الله -﵎- ولسنة النبي -ﷺ- لما النبي -﵊- يقول: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» من أطاع النبي -ﷺ- دخل الجنة يطيعه في شيء غير محفوظ، ويعلق النبي -ﷺ- الجنة والنار على ذلك؟ إلا إذا كان الله -﵎- قد حفظها كما حفظ القرآن الكريم.
نختم هذه النقطة بالإشارة إلى مسألة مهمة، وهي أيَضًا تتضمن دليلًا على حفظ السنة المطهرة، وهو تتبع جهد الأمة في صيانة السنة، نستطيع أن نسميه بالدليل التاريخي أو الدليل الواقعي، تتبع جهد الأمة في الحفاظ على السنة، البعض يتصور أن تعرض السنة للوضع وللشبهات ولإثارة البلبلة نحوها دليلٌ على أنها لم تحفظ، بالعكس، هذا من أقوى الأدلة على حفظها. يعني: حاولوا ولم يتمكنوا، من الذي قال: إن العصمة للسنة أو الحفظ لها يقتضي ألا تتعرض أبدًا لأي محاولات للنيل منها؟ بل كيف تظهر قيمة الحفظ وقيمة الرعاية والعناية من الله -﵎- لسنة نبيه -ﷺ- ما لم تتعرض السنة لمحاولات؟
كمثال توضيحي يقرب المسألة إلى الأذهان، حين قال الله -﵎-:
[ ١٩٤ ]
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧) هل عصمة الله لنبيه -ﷺ- وحفظه له -ﷺ- من الناس تعني أنه لا يتعرض لمحاولاتِ الإيذاء؟ هل قال أحد بذلك؟ أبدًا، بل إن قيمة حفظ الله -﵎- لنبيه -ﷺ- لا تظهر إلا من خلال محاولات الإيذاء، ثم ترد هذه المحاولات على أعقابها، تعرض للإيذاء طوال الفترة المكية، وتعرض للإيذاء في المدينة المنورة في غزوة أُحد، وتعرض في سنة ٧ في خيبر، لمّا المرأة اليهودية وضعت السم في الشاة، والشاة قد نطقت أن بها سمًّا والنبي -ﷺ- أن يأكل منها بعد أن كان قد مضغ بعَضًا منها، هذه العصمة يدبرون ويكيدون، والله يحبط مكرهم وكيده، م ويرده إلى نحورهم، هنا تظهر قيمة الحفظ والعناية والرعاية.
كذلك السنة تعرضت، وهذا التعرض هو الذي ضاعف من همة العلماء، وشحذ من قواهم لكي يتصدوا لهذه الموجات التي تحاول النيل من السنة، بل إني أقول: أن السنة ستظل إلى يوم القيامة الخط الأول للدفاع عن الإسلام، وهي أيضًا محط الهجوم الأول لأعداء الإسلام؛ لأن الكل يعلم أن الإسلام قرآن وسنة، وأننا لا نفهم القرآن إلا في ضَوْء السنة، وكررنا: من أن السنة تبين القرآن الكريم، وتشرع مع القرآن الكريم، والقاصي والداني يعرف هذه الحقيقة، إذًا سنظل نهاجم السنة؛ لأن الهجوم عليها يعني الهجوم على القرآن، والهجوم عليهما يعني الهجوم على الإسلام، الإسلام في نهاية الأمر قرآن وسنة.
ولذلك تحتاج السنة في كل زمان ومكان وفي كل عصر ومصر إلى طائفة من أهل العلم يدرسونها بروح الجندية، وهم يعلمون أنهم على ثغر من ثغور الإسلام، يحاول الأعداء أن يتسللوا إلى الإسلام من قِبله، لكنهم يجدون هؤلاء الجنود المرابطين المدافعين المنافحين الذابين عن سنة رسول الله -ﷺ- وهكذا كان الأمر من لدن الصحابة -﵃- ومرورًا بالعصور الذهبية للسنة، وسيظل هذا الأمر إلى يوم القيامة بإذن الله -﵎-.
[ ١٩٥ ]